قطع أرزاق الغزيين في مصر: الموت البطيء في المنفى

صورة توضيحية - قطع أرزاق الغزيين الموت البطيء في المنفى.webp

قطع أرزاق الغزيين في مصر: الموت البطيء في المنفى

خلال حرب الإبادة الجماعية المستمرة آثارها على قطاع غزة وما تبعها من نزوح قسري، يواجه آلاف الفلسطينيين خيارين أحلاهما مرّ: الموت تحت القصف في القطاع أو الموت البطيء خارجه بدون عمل أو مستقبل. منذ أكثر من عام ونصف، يعيش أكثر من 104,000 فلسطيني عالقين في مصر في ظروف مأساوية بعد أن تقطعت بهم السبل، دون أي أفق واضح للعودة أو تأمين حياتهم المعيشية.

فصل تعسفي للنازحين وحرمانهم من مستحقاتهم

في خطوة تعسفيه وغير مسبوقة ومخالفة للأخلاق وللقانون الفلسطيني والدولي، قامت مؤسسات حكومية ودولية بإنهاء عقود مئات الموظفين الغزيين النازحين أو تجميد رواتبهم وحرمانهم من مستحقاتهم القانونية. ولم تراعِ هذه القرارات الأوضاع القاسية التي يواجهها الفلسطينيون في الخارج، ليجدوا أنفسهم فجأة بلا مصدر دخل، يكافحون للبقاء على قيد الحياة.

نهى جميل الحاج، معلمة فلسطينية، اعتقدت أن الحظ قد ابتسم لها عندما حصلت على تحويلة طبية لعلاج ابنها المصاب بعد قصف منزلهم في حي الرمال بغزة في نوفمبر 2023. إلا أنها صُدمت بعد مغادرتها القطاع بقرار فصلها من عملها في مدرسة البطريركية اللاتينية في غزة في إبريل 2024، إلى جانب 17 معلمًا آخرين بحجة أنهم نزحوا خارج القطاع.

أما الصيدلانية ديانا عوكل، التي كانت تعمل في شركة أدوية برام الله منذ عام 2022، فقد تلقت قرار فصلها مع اثنين من زملائها بعد نزوحهم إلى القاهرة في يناير 2024. وعلى الرغم من محاولاتها للتواصل مع إدارتها ومتابعة رسائلها المتكررة، لم تتمكن سوى من انتزاع وعد بتجميد وظيفتها دون أي ضمان لمستقبلها المهني.

شركات فلسطينية تنضم إلى قرارات الفصل التعسفي

لم يكن الأمر مقتصرًا على المؤسسات التعليمية والصحية، بل امتد ليشمل شركات فلسطينية كبرى. فقد فوجئ المهندس يحيى جاد الله، الموظف في شركة الاتصالات الفلسطينية (بالتل) منذ عام 2019، برسالة على هاتفه في فبراير 2024 تخطره بإنهاء خدماته. وعند استفساره، اكتشف أن 20 من زملائه تعرضوا للفصل أيضًا بسبب النزوح، دون أي تعويض مالي عادل، سوى 250 دولارًا تحت بند "منحة" بدلاً من مكافأة نهاية الخدمة.

ورغم محاولات الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان "ديوان المظالم" التواصل مع إدارة الشركة، لم تتلقَ أي رد رسمي حتى الآن.

قرارات الأونروا تزيد من معاناة العالقين

لم تقتصر الأزمة على المؤسسات الخاصة، بل امتدت إلى وكالة الأونروا، التي قررت تحويل معلمين غزيين إلى إجازة بدون راتب لمدة عام، وفقًا لقرار رسمي صدر في فبراير 2025. وبموجب هذا القرار: لن يتلقى الموظفون أي مستحقات مالية أو مزايا وظيفية طوال فترة الإجازة. لا يضمن القرار عودتهم إلى وظائفهم بعد انتهاء الإجازة. تم تعليق اشتراكات التأمين الصحي والمساهمات لصندوق الادخار.

انتهاك صارخ لقوانين العمل الفلسطينية والدولية

وفقًا للمادة 41 من قانون العمل الفلسطيني رقم 7 لسنة 2000، يحق لصاحب العمل إنهاء عقد العمل لأسباب اقتصادية، لكن مع دفع بدل الإشعار وتعويض نهاية الخدمة. إلا أن الشركات والمؤسسات التي قامت بفصل موظفيها لم تلتزم بهذه الضوابط، مما يُعد مخالفة قانونية تستوجب المحاسبة، كما يؤكد المحامي فؤاد عبد العال.

وفي حالة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، فإنها قامت بإنهاء تعاقدات العديد من موظفيها في غزة، مثل محمود أسعد، بحجة "الظروف القهرية"، وهو ما يخالف معايير منظمة العمل الدولية التي تضمن حماية الموظفين من الفصل التعسفي خلال النزاعات والحروب.

ارتفاع البطالة والفقر يُفاقم الأزمة

في الوقت الذي يتم فيه تسريح الموظفين، تتفاقم الأوضاع الاقتصادية في غزة بشكل غير مسبوق: 80% نسبة البطالة في غزة بنهاية 2024 وفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. ارتفاع معدلات الفقر إلى أكثر من 63%، مع انعدام الأمن الغذائي والمجاعة المتزايدة. تراجع إجمالي الاستهلاك بنسبة 80%، مما يعكس الأثر المباشر للعدوان الإسرائيلي على حياة الفلسطينيين.

بين التهجير القسري وقطع الأرزاق

في الوقت الذي يحاول فيه الفلسطينيون الهروب من ويلات الحرب، يجدون أنفسهم محرومين من مصدر رزقهم، عالقين بين مطرقة البطالة وسندان النزوح القسري. وبينما تواصل المؤسسات فصلهم دون أدنى اعتبار للقوانين أو للمعاناة التي يواجهونها، تظل حقوقهم القانونية معطلة بفعل تعطل النظام القضائي في غزة.

ويبقى السؤال المطروح: إلى متى سيظل الفلسطينيون يدفعون ثمن الحروب من حياتهم وأرزاقهم؟ وهل ستتحرك الجهات الحقوقية والمنظمات الدولية لضمان حقوق العمال الفلسطينيين، أم أن القضية ستظل طي النسيان؟

عن العربي الجديد - ووكالات

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - القاهرة