تحلّ ذكرى يوم الأرض الفلسطيني هذا العام وغزة تواجه واحدة من أخطر فصول نضالها الوطني، في ظل حرب إبادة متواصلة، ومحاولات ممنهجة لفرض واقع جديد على الأرض، عنوانه التهجير القسري والطوعي وتفريغ القطاع من سكانه.
في الثلاثين من مارس من كل عام، يحيي الفلسطينيون هذه الذكرى التي ترمز إلى الصمود والدفاع عن الأرض منذ أحداث عام 1976، حين صادرت سلطات الاحتلال آلاف الدونمات من أراضي الداخل الفلسطيني، وردّ عليها الفلسطينيون بحراك جماهيري غاضب قُمع بالدم.
لكن اليوم، لا يقتصر التهديد على الأرض فحسب، بل يمتد إلى الوجود الإنساني والجغرافي لأكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة، وسط ترويج مكثف من قبل الاحتلال لما يسمى بـ"التهجير الطوعي"، وإعداد إدارات خاصة في حكومة الاحتلال لتطبيق هذا المخطط.
غزة تُفشل خطة التهجير... لكنها تدفع الثمن
منذ 7 أكتوبر 2023، حين بدأ الاحتلال عدوانه الشرس على قطاع غزة، سعت حكومة نتنياهو إلى فرض مخطط التهجير القسري، وتحديداً في شمال القطاع، عبر سياسة الأرض المحروقة والتجويع والحصار، إلا أن الفلسطينيين أسقطوا هذه الخطة بثباتهم وعودتهم رغم الخطر، وبموجب اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعقب معارك شرسة.
يقول محمود الخواجة، وهو مزارع من شرقي خانيونس، إنه لم ينسَ أرضه ولن يتخلى عنها. "يريدون تكرار نكبة 1948 ونكسة 1967، لكن هذه الأرض لنا، ولا خيار أمامنا سوى التمسك بها أو العودة إلى أراضينا الأصلية داخل فلسطين المحتلة"، يؤكد لـ"قدس نت".
مخططات التهجير تتجدد… وأهل غزة يواجهون بصمودهم
مع كل جولة عدوان، تعود المخططات الإسرائيلية للتهجير إلى الواجهة، مدفوعة بتصريحات حكومية إسرائيلية علنية ومباحثات سرية مع دول أفريقية لاستقبال لاجئين من غزة، كما كشفت تقارير صحفية مؤخراً. الرسالة واضحة: الاحتلال يريد قطاع غزة بلا فلسطينيين.
فاطمة الداية من غزة، ترى أن إفشال هذا المخطط لا يمر إلا عبر وحدة فلسطينية سياسية وشعبية حقيقية، وضغط دولي منظم يضع حدًا لاستخدام الحروب كوسيلة لترحيل الشعوب.
وتضيف: "نحن نُقتل ونُحاصر وتُدمر منازلنا، لكننا لم نفكر لحظة في مغادرة أرضنا. هذه معركتنا الوجودية، لا معركة سياسية فقط".
"حسم الصراع": التهجير كحل دائم في أجندة نتنياهو
في الوقت الذي تتراجع فيه التصريحات الأمريكية حول التهجير، يتمسك بنيامين نتنياهو بخطته المعروفة باسم "حسم الصراع"، والتي تروج لتصفية القضية الفلسطينية عبر فرض حلول إسرائيلية من طرف واحد، تبدأ بإفراغ غزة، ولا تنتهي بالضم التدريجي في الضفة.
يرى هاني المصري، مدير مركز "مسارات"، أن ما يجري اليوم هو أخطر مشروع تصفية تتعرض له القضية الفلسطينية منذ عقود، محذراً من أن استمرار الانقسام وغياب رؤية سياسية موحدة يُمهّدان الطريق للمشروع الإسرائيلي.
ويؤكد: "التهجير ليس قَدَراً، والمخطط ليس أقوى من شعب موحد يملك الإرادة والبرنامج"، داعياً إلى تشكيل جبهة فلسطينية – دولية واسعة، تتصدى لهذه المخاطر بمنطق سياسي وحقوقي منظم.
في يوم الأرض، لا يحتفل الفلسطينيون بذكرى عابرة، بل يُجدّدون البيعة للأرض التي لا بديل عنها، مهما اشتدت الهجمة أو تنوّعت أدواتها. فغزة التي تحترق اليوم، هي ذاتها التي رفضت التهجير بالأمس، وستبقى سور الصمود الأخير في وجه مشاريع الاقتلاع والتصفية.
من النكبة إلى النكسة، ومن المصادرات في الجليل والمثلث إلى القصف والتجويع في غزة، المعركة لم تكن يوماً على بيوتٍ فقط، بل على الهوية والوجود والسيادة. والردّ الفلسطيني، بكل وضوح، لا يزال كما كان: لن نغادر، ولن نساوم، ولن ننسى.