تقرير أحمد زقوت - غزة تحوَّل حصول أهالي غزة على رغيف الخبز إلى معركة بقاء، بعدما أُغلقت آخر المخابز المدعومة من برنامج الغذاء العالمي بسبب نفاد الدقيق والوقود بالكامل، نتيجة إغلاق الاحتلال الإسرائيلي للمعابر منذ 2 مارس، ومع استمرار منع دخول الإمدادات الغذائية، يتفاقم خطر الجوع الحاد وسوء التغذية، مهددًا حياة آلاف الفلسطينيين، بينما تواجه العائلات شبح المجاعة القاتل وسط كارثة إنسانية تتجه نحو الهاوية.
وفي شوارع غزة، يصطف الآباء والأمهات في طوابير الأمل المفقود، بحثًا عن رغيف خبز لأطفال ينامون جوعى، بينما يتفاقم الحصار الإسرائيلي، وتنهار مقومات الحياة، فيواجه أكثر من مليوني فلسطيني مصيرًا قاتمًا في ظل إغلاق المعابر ومنع المساعدات الإنسانية التي كانت شريان الحياة للسكان، وسط تحذيرات من كارثة إنسانية وشيكة قد تبتلع القطاع بأسره.
معركة من أجل لقمة العيش
"جاية أدور على الخبز ومش ملاقيه، والمخابز مسكرة، وسعر كيس الطحين مرتفع عشرات الأضعاف عن سعره الحقيقي، من وين بدنا نأكل ونشرب؟ مش بيكفينا نزوح من مكان لآخر، كل شيء مفقود من الخبز إلى الأمل"، بهذه الكلمات المريرة، تجسد المواطنة ليلى دواس مأساتها التي تعيشها يوميًا.
وتقول دواس بحسرة وقهر لـ "قدس نت": "أطفالي ينامون جوعى، أنظر إليهم وأبكي، ما ذنبهم أن يفقدوا كسرة خبز تسد رمقهم؟ كل أطفال العالم ينعمون بالغذاء، إلا أطفال غزة يعانون من الجوع وسوء التغذية، عظامهم بارزة ومصيرهم مجهول"، مضيفةً أنّ "التجار لا يرحمون أحدًا، عندما تعمل المخابز يستغلوننا، يبيعون نصف ربطة الخبز بـ 10 شواقل، وعند الإغلاق يرتفع السعر إلى 20، ويخزنون أكياس الطحين، وعند اشتداد الأزمة، يعرضونها بأسعار خيالية، وحالياً يباع 25 كيلو بـ 300 شيكلاً، وكأننا مجرد سلعة في سوق جشع".
وتابعت ليلى بعجز: "الناس ما معها تأكل، ووصل التعب الجسدي والنفسي لمرحلة لا تحتمل، مش فاهمة كيف بدنا نعيش وكيف نطعم صغارنا؟ شو نقول للعالم عن وجعنا وإحنا عايشين مع شبح الجوع كل يوم؟"، مشيرةً إلى أن "المواطنين يشعرون بالجوع في كل خلية من أجسادهم، وعيونهم مليئة بالألم، وقلوبهم تغرق في حزن لا يوصف، وكأننا لا نستحق حتى رغيف خبز".
جوع وأمل مفقود
أما المواطن حسن الخالدي، فيوضح لـ "قدس نت" بمرارة: "إحنا بنعاني، ليش المعابر مغلقة؟ ما في تعليم، ولا صحة، ولا غذاء، ودفعنا الثمن غالي في الحرب، والناس ما عاد عندها شيء تعيش عليه، والأسعار مرتفعة بسبب استغلال التجار، والخبز أصبح حلمًا بعيدًا، بعدما كان متاحًا لكل عائلة، والآن أصبح الوصول إليه أمرًا مستحيلًا".
ويشير الخالدي إلى أنّ آلاف العائلات باتت بلا مصدر غذاء، تنتظر معجزة تنقذها من الجوع الذي يهدد حياتها، بينما يواجه الفقراء مصيرًا مجهولًا، والأطفال ينامون بلا طعام، والأمهات لا يملكن سوى الدموع أمام جوع صغارهن، فكيف لطفل أن يفهم لماذا لا يجد رغيفًا يسد جوعه؟ وكيف لأم أن تفسر لطفلها بكاءه جوعًا وهي عاجزة عن توفير حتى كسرة خبز؟
وتابع حسن: "نعيش في غزة تحت حصار خانق لا نعرف متى سينتهي، ومع كل يوم يمر تزداد المعاناة وتصبح الحياة عبئًا لا يُطاق، نحن بحاجة إلى مساعدات عاجلة، إلى الخبز، وإلى أمل يعيد لنا الحياة، لكن لا أحد يسمع أنيننا أو يرى دموعنا، ولا نطلب سوى الكرامة ولقمة عيش لأطفالنا".
موتٌ بطيء تحت الحصار
الشاب وسيم شقورة، يوضح لـ "قدس نت" قائلاً: "عشنا مجاعة لم نجد فيها حتى طعام الحيوانات، ولم نشهد مثلها في التاريخ الحديث، واليوم، نموت ببطء، وكل يوم أصعب من الذي قبله، بلا أمل في الحياة"، مبيناً أنّ "الاحتلال الإسرائيلي يستخدم سلاح الجوع حربًا ضد أطفالنا ونسائنا، وضدنا جميعًا".
ويلفت شقورة إلى أنّ "أهالي غزة يواجهون معاناة متعددة الأوجه، بين النزوح وفقدان الممتلكات، ونقص الوقود الذي أجبرهم على استخدام النيران البدائية للطهي، ما أدى إلى تفشي أمراض الجهاز التنفسي بين الأطفال والنساء، ومع نفاد السلع وارتفاع الأسعار، تزداد الحياة صعوبة"، داعياً إلى فتح المعابر فورًا، وحماية الفلسطينيين من كارثة يدفع ثمنها الأطفال والنساء أولًا.
توقف المخابز يحرم غزة من 450 طن دقيق يوميًا
وبحسب رئيس جمعية المخابز في غزة عبد الناصر العجرمي، الأزمة لم تعد تقتصر على نقص الطحين فقط، بل شملت نفاد السكر، الزيت، الملح، الوقود، وحتى الخميرة، ما جعل إنتاج الخبز مستحيلاً، مشيراً إلى أنّ توقف 25 مخبزًا كانت تغطي 50% من احتياجات السكان، بعد نفاد مدخلات الإنتاج، دفع برنامج الغذاء العالمي لتعليق عمله، في ظل استمرار إغلاق المعابر ومنع دخول الإمدادات.
ويؤكد العجرمي في حديثه مع "قدس نت"، أن "الاحتلال يستخدم لقمة العيش كورقة ضغط سياسية، محكمًا حصاره على غزة، ما يمنع أي حلول لإعادة تشغيل المخابز أو تعويض النقص في السوق"، موضحاً أنّ "توقف المخابز يحرم المواطنين من 450 طنًا من الدقيق يوميًا، ويتسبب في تسريح العمال، مما يفاقم الأزمة الاقتصادية، فيما يعاني الأهالي من إحباط شديد، مع غياب أي بدائل للطهي، فلا غاز، ولا حطب، ولا حتى دقيق لسد رمق أطفالهم".
ويحذر العجرمي من تفشي المجاعة في غزة مع تفاقم الأزمة الإنسانية يومًا بعد يوم، في ظل صمت دولي مخزٍ، لافتاً إلى أنّ تشغيل المخابز مرهون بفتح المعابر وإدخال المواد الأساسية، التي باتت شريان حياة لمليوني فلسطيني يواجهون خطر الجوع القاتل.
ويبلغ عدد المخابز العاملة في غزة 140، منها 70 آليًا، تعرضت نسبة كبيرة منها للتدمير الكامل على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي، خاصة في الشمال، ما أدى إلى خسائر بملايين الدولارات، وتعتمد 70% من الأسر على هذه المخابز لشراء الخبز بأسعار رمزية، بينما يُوزع 30% من إنتاجها مجانًا على مراكز النزوح، وفق العجرمي.
الشوا: الأوضاع المعيشية بغزة كارثية بفعل الحصار الإسرائيلي
من جهته، يؤكد مدير عام شبكة المنظمات الأهلية في قطاع غزة أمجد الشوا، في مقابلته مع "قدس نت"، أنّ "الأوضاع المعيشية كارثية، حيث يعاني مئات الآلاف من انعدام الغذاء، ما أجبر العائلات على اللجوء لبدائل غير تقليدية، كخبز دقيق الذرة أو البطاطس المشوية، لسد جوع أطفالها"، مشدداً أنّ "المعاناة الإنسانية في غزة وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، حيث أصبح الحصار وإغلاق المعابر لا يقتصران على منع وصول المساعدات فحسب، بل يهدفان بشكل مباشر إلى تعميق معاناة السكان وفرض ضغط رهيب على حياتهم اليومية، مما أدى إلى نقص حاد في المواد الغذائية والاحتياجات الأساسية، ما يهدد حياة مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين يعانون في صمت تحت وطأة هذا الحصار القاتل."
وحذر الشوا من أنّ نفاد الدقيق هو بداية لنفاد العديد من السلع الغذائية الأساسية، خصوصاً مع ارتفاع نسبة الاعتماد على المساعدات الإنسانية والتكيات الخيرية المنتشرة في أنحاء القطاع، فضلاً عن أن فقدان القدرة على إنتاج الخبز سيسرع من تدهور الوضع، مطالباً المجتمع الدولي بالضغط على الاحتلال لفتح المعابر، وقف العدوان، ورفع الحصار بشكل عاجل لإدخال المساعدات الإنسانية.
وفي الإطار، أشارت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" إلى أن مخزونها من الطحين لا يكفي إلا لعدة أيام، محذرة من أن الوضع في غزة مقلق للغاية في ظل التراجع الكبير في توزيع المساعدات.
إن الوضع في غزة يزداد سوءًا مع استمرار الحصار الإسرائيلي، حيث تتفاقم الأزمة الإنسانية وتزداد معاناة السكان في ظل نقص الغذاء والاحتياجات الأساسية، ومع استمرار إغلاق المعابر، يواجه الأهالي خطر المجاعة والمرض، بينما يظل المجتمع الدولي صامتًا أمام هذه الكارثة، مما يتطلب تحركًا عاجلًا لفتح المعابر وتقديم المساعدات الإنسانية الضرورية لإنقاذ حياة الأبرياء في القطاع.