كشفت حفريات أثرية استصلاحية في مستوطنة "كريات غات" القائمة على البلدة الفلسطينية المهجّرة "عراق المنشية" في جنوب البلاد، عن صناعة صوان متطورة يعود تاريخها إلى حوالي 5500 عام، ما يدل على تخصص في تقنية فريدة. يُعد هذا الاكتشاف دليلاً على التطور التكنولوجي في بداية العصر البرونزي المبكر، ويتضمن نصالاً طويلة من الصوان، وعلى نحو غير مألوف، نوى حجرية كبيرة استُخدمت في إنتاجها.
اكتُشفت هذه الآثار خلال حفريات إنقاذية واسعة النطاق أجرتها "سلطة الآثار الإسرائيلية" قبيل بناء حي استيطاني جديد، وتُعرض هذه الآثار النادرة للجمهور لأول مرة هذا الصيف القادم.
ويوضح الباحث الأثري الدكتور محمد خليل لـ صحيفة "القدس العربي" اللندنية أن هذه هي المرة الأولى التي تُكتشف فيها ورشة عمل كهذه في جنوب البلاد، وأنه رغم اكتشاف أدلة على صناعة النصال الكنعانية في وسط وشمال البلاد، إلا أنه لا توجد تقريباً أي ورش معروفة بإنتاجها المنهجي.
ويرى خليل أن اكتشاف ورشة عمل متطورة يدل على مجتمع ذي بنية اجتماعية واقتصادية معقدة يعود تاريخه إلى بداية العصر البرونزي المبكر. ويقول "يعد هذا اكتشافاً مهماً يعمّق فهم بدايات التحضر والتخصص المهني في فلسطين، وهي ظواهر أدت إلى إنشاء مجمعات سكنية كبيرة ونمو هياكل اجتماعية جديدة". ويضيف: "في هذه الورشة اكتُشفت صناعة متطورة في الموقع، تطلبت خبرة عالية للغاية. ولم يكن سوى أفراد استثنائيين يعرفون كيفية إنتاج النصال الكنعانية. وهذا دليل واضح على أن المجتمع المحلي كان منظماً ومعقداً، ويتمتع بتخصص مهني عالٍ في بداية العصر البرونزي".
يعود هذا الموقع الأثري للعصر النحاسي والعصر البرونزي المبكر، وتُظهر أعمال التنقيب أن البلدة الأثرية التاريخية امتدت على مساحة أكبر بكثير من التقديرات السابقة – أكثر من نصف كيلومتر – وتضم مئات من الحفر الجوفية، بعضها مُبطَّن بالطوب اللبن، والتي استُخدمت لأغراض متعددة: التخزين، والسكن، والحرف اليدوية، والاحتفالات. ومن أبرز الاكتشافات التي عُثر عليها في الموقع نوى صوان كبيرة صُنعت منها نصال حادة للغاية وذات شكل موحد، استُخدمت كـ سكاكين للقطع والذبح، وأدوات للحصاد. وقد استخدم البشر في تلك الفترة أدوات مصنوعة من مواد خام طبيعية: الصوان، والعظام، والحجر، والسيراميك، إلا أن النصال الكنعانية كانت أدوات القطع الرئيسية خلال تلك الفترة.
ويقول الدكتور خليل: "هذه صناعة متطورة، ليس فقط بسبب الأدوات نفسها، ولكن أيضاً بسبب ما لم يُعثر عليه. لم تُنشر الأنقاض خارج الموقع، ربما حفاظاً على المعرفة المهنية لفريق الخبراء. واليوم نفهم أن هذا الموقع كان مركزاً لتوزيع النصال الكنعانية على مناطق واسعة من بلاد الشام".
