(144) شهيدًا و(11555) حالة اعتقال و(1732) عملية هدم وتجريف و(289497) مستعمرًا اقتحموا المسجد الأقصى المبارك خلال خمس سنوات
أصدرت محافظة القدس تقريرها حول جرائم الاحتلال الإسرائيلي في محافظة القدس خلال الخمس سنوات الماضية، حيث أوضح التقرير الانتهاكات الإسرائيلية في المحافظة والذي كشف حقيقة جرائم الاحتلال الإسرائيلي خلال الأعوام من 2021 ولغاية 2025، في مناحي الحياة كافة.
كما اشتمل التقرير لاول مرة على ملحق قانوني يربط كافة جرائم الاحتلال المرتكبة بحق المدينة المقدسة بالقانون الدولي، ويبين مخالفة هذه الجرائم لقرارات الشرعية الدولية والاتفاقيات والمواثيق والمعاهدات الدولية، ورأي القانون الدولي فيها.
الشهداء:
ارتقى خلال السنوات الخمس الممتدة من عام 2021 وحتى عام 2025 في محافظة القدس (144) شهيدًا، في حصيلة تعكس تصاعدًا خطيرًا وممنهجًا في سياسة القتل التي تنتهجها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين في المدينة المحتلة ومحيطها. فقد شهد عام 2021 استشهاد 16 فلسطينيًا، في ظل تصاعد الإعدامات الميدانية المباشرة، تلاه عام 2022 ارتقاء 19 شهيدًا نتيجة توسّع الاقتحامات العسكرية واستخدام القوة القاتلة ضد المدنيين. أما عام 2023، فكان العام الأكثر دموية، حيث بلغ عدد الشهداء 51 شهيدًا مقدسيًا، في تصعيد غير مسبوق تزامن مع العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، والذي أسفر أيضًا عن استشهاد عدد من المقدسيين هناك. وفي عام 2024، استمر العنف المنهجي، وارتقى 35 شهيدًا في ظل الاستخدام المفرط للقوة، وسط غياب أي مساءلة حقيقية، ما يعكس فشلًا دوليًا واضحًا في توفير الحماية للمدنيين الفلسطينيين.
أما عام 2025، فقد شهد ارتقاء 23 شهيدًا في محافظة القدس، في مؤشر خطير على استمرارية النهج ذاته دون تغيير، بما يؤكد أن سياسة الإعدام الميداني والقتل خارج إطار القانون لم تكن يومًا استثناءً، بل باتت نهجًا ثابتًا وأداة مركزية في منظومة السيطرة القمعية التي يفرضها الاحتلال على المدينة وسكانها.
ملف الشهداء المحتجزة جثمانيهم:
شهدت الفترة ما بين عامي 2021 ونهاية 2025 تحولاً دراماتيكياً في أعداد الجثامين المحتجزة، حيث ضاعف الاحتلال من وتيرة هذه السياسة كأداة ردع وعقاب. فبعد أن كان عدد الشهداء المقدسيين المحتجزين (23) شهيداً بنهاية عام 2022، قفزت الحصيلة إلى (35) بنهاية عام 2023، ثم إلى (45) بنهاية عام 2024. ومع استمرار عمليات القتل والاحتجاز خلال عام 2025، وصلت الحصيلة الإجمالية إلى (51) شهيداً مقدسيّاً، ما يزالون مغيبين في ثلاجات الموتى و"مقابر الأرقام".
الجرائم بحق المسجد الأقصى المبارك:
شهد المسجد الأقصى المبارك خلال الفترة الممتدة من عام 2021 وحتى نهاية عام 2025 تصاعدًا خطيرًا في وتيرة الاقتحامات الإسرائيلية، حيث نفّذ عشرات الآلاف من المستعمرين اقتحامات واسعة ومنظمة بلغ عدد المشاركين فيها (289497) مستعمرًا، جميعهم دخلوا بمساندة من قوات الاحتلال الإسرائيلي. وتأتي هذه الاقتحامات في إطار سياسة ممنهجة تهدف إلى فرض واقع تهويدي جديد داخل المسجد الأقصى، من خلال تنظيم جولات استفزازية وأداء طقوس تلمودية علنية في باحاته، في انتهاك صارخ لقدسيته الدينية ومكانته الإسلامية الخالصة، وللقوانين والمواثيق الدولية التي تضمن حماية أماكن العبادة في الأراضي المحتلة.
وقد شهد عام 2025 وحده اقتحام (74114) مستعمرًا لباحات المسجد الأقصى، إلى جانب دخول (70945) شخصًا تحت غطاء ما يُسمّى بـ"السياحة"، في وقت تواصلت فيه الاقتحامات اليومية بوتيرة متصاعدة، مصحوبة بجولات استفزازية وطقوس تلمودية علنية، ما يشير إلى تصعيد خطير في سياسة الاحتلال الرامية إلى تغيير هوية المسجد الأقصى، وفرض واقع جديد يتناقض مع الوضع التاريخي والقانوني القائم، ويشكّل استفزازًا مباشرًا لمشاعر المسلمين في القدس وفلسطين والعالم الإسلامي.
اعتداءات المستعمرين:
رصدت محافظة القدس خلال الفترة الممتدة من 2021 حتى 2025، (1,467) اعتداءً نفذها مستعمرون، منها (241) اعتداءً بالإيذاء الجسدي، ما يعكس تصاعدًا خطيرًا في هجمات المستعمرين على المواطنين الفلسطينيين وممتلكاتهم ومقدساتهم، جميعها تحت حماية قوات الاحتلال الإسرائيلي. وتعكس هذه الانتهاكات سياسة ممنهجة تهدف إلى فرض السيطرة الاستيطانية على الفضاء العام في مدينة القدس وفرض واقع جديد يهدف لتغيير هوية المدينة ومقدساتها.
وخلال عام 2025، رصدت المحافظة (484) اعتداءً نفذها مستعمرون، منها (60) اعتداءً بالإيذاء الجسدي، شملت اقتحامات واسعة للمسجد الأقصى، وتنظيم طقوس تهويدية استفزازية، ومحاولات إدخال قرابين داخل
الحرم، إلى جانب اعتداءات عنصرية واضحة على المواطنين وممتلكاتهم، في مؤشر خطير على تصعيد الاحتلال والمستعمرين لمحاولات التهويد والتغيير الديموغرافي.
الإصابات:
رصدت محافظة القدس خلال الأعوام 2021–2025 إصابة (6,528) مواطنًا مقدسيًا نتيجة سلسلة من الانتهاكات والاعتداءات التي ارتكبها المستعمرون وقوات الاحتلال الإسرائيلي، منها إصابات خطيرة وجروح متفاوتة، شملت الأطفال والطلاب والعمال والسائقين، سواء داخل منازلهم أو أثناء تنقلهم أو خلال اقتحامات متكررة للأحياء والبلدات المقدسية. وتنوعت طبيعة الإصابات بين إطلاق رصاص حي ومطاطي، ضرب مبرح، إصابات بالرأس نتيجة قنابل الغاز والمطاط، وحالات اختناق بالغاز المسيل للدموع، إلى جانب اعتداءات نفذها المستعمرون في محيط البلدة القديمة وأحياء المحافظة.
وخلال العام 2025 وحده، تعرض(331) مواطنًا مقدسيًا لإصابات جسدية مباشرة، شملت إطلاق رصاص حي ومطاطي، وضرب مبرح، وإصابات بالرأس وحالات اختناق، إضافة إلى اعتداءات جسدية من قبل المستعمرين، وامتدت الانتهاكات لتشمل محاولات القتل العمد، استهداف الأطفال، الاعتداء على المؤسسات التعليمية والمضايقات في الشوارع والأحياء السكنية. وتعكس هذه الاعتداءات نمطًا ممنهجًا من استخدام القوة المفرطة، مع استمرار استهداف الفلسطينيين خلال اقتحامات المسجد الأقصى وطقوس المستعمرين التهويدية، ما يدل على تصعيد واضح في سياسات الاحتلال تجاه السكان المدنيين ومقدساتهم.
الاعتقالات:
رصدت محافظة القدس خلال الأعوام 2021–2025، (11,555) حالة اعتقال بحق المواطنين المقدسيين، في إطار سياسة ممنهجة انتهجتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي لتفكيك البنية المجتمعية والوطنية في المدينة. وطالت هذه الاعتقالات مختلف الشرائح الاجتماعية، بما في ذلك الأطفال والنساء والطلبة الجامعيين والصحفيين والأسرى المحررين وموظفي المسجد الأقصى المبارك، ونُفّذت عبر اقتحام المنازل ليلًا، وحملات دهم وتفتيش واسعة، واعتقالات ميدانية على الحواجز العسكرية المنتشرة حول القدس.
وخلال العام 2025 رصدت المحافظة (804) حالة اعتقال، من بينهم 81 طفلًا و53 سيدة، بينهم نساء حوامل وشخصيات مقدسية بارزة، إضافة إلى استهداف قيادات محلية وناشطين اجتماعيين. وترافقت هذه الاعتقالات مع اعتداءات جسدية ومعاملة قاسية ومهينة، وصلت في بعض الحالات إلى القتل، كما في استشهاد المسنّة زهية عبيدية خلال اقتحام مخيم شعفاط، ما يعكس الطابع العنيف والخطير لهذه السياسة.
قرارات محاكم الاحتلال:
تفرض محاكم الاحتلال بحق المعتقلين قرارات مجحفة، تعددت بين إصدار أحكام السجن الفعلي، وفرض الحبس المنزلي، بالإضافة إلى قرارات إبعاد وغرامات مالية باهظة، بالإضافة إلى تمديد اعتقال عدد كبير من المعتقلين لأشهر طويلة دون توجيه تهم واضحة بحقهم.
1. أحكام بالسجن الفعلي
خلال الأعوام الممتدة من 2021 وحتى 2025، سلكت سلطات الاحتلال الإسرائيلي مسارًا قمعيًا متصاعدًا في استهداف المواطنين المقدسيين، حيث رصدت محافظة القدس صدور ما مجموعه (1,491) حكمًا بالسجن الفعلي، منها (755) حكمًا بالاعتقال الإداري. يعكس هذا التراكم الرقمي استراتيجية ممنهجة لتقويض إرادة المقدسيين، وتحويل الأحكام القضائية إلى أداة لإضعاف الوجود الفلسطيني داخل المدينة، وخلق حالة استنزاف اجتماعي ومادي للأسر، بما يخدم فرض سيادة الاحتلال بشكل قسري عبر الحديد والنار والقوانين الجائرة.
وعند تحليل معطيات عام 2025 وحده، نجد أن محاكم الاحتلال أصدرت 317 حكمًا بالسجن الفعلي، منها 183 حكمًا بالاعتقال الإداري، مما يعكس تصاعدًا واضحًا في "القمع القضائي" واستهداف المقدسيين عبر آليات لا تلتزم بأدنى المعايير القانونية. ويؤكد ارتفاع نسبة الاعتقال الإداري—الذي يفتقر للسوابق القضائية والمسوغات القانونية—أن الاحتلال يستخدم هذا الإجراء كسيف مسلط على رقاب الفلسطينيين دون توجيه تهم واضحة، ما يزيد من معاناة الأسر ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية لوقف هذه السياسات.
2. قرارات بالحبس المنزلي
خلال الأعوام 2021–2025، رصدت محافظة القدس صدور (821) قرارًا بالحبس المنزلي، في سياق تصاعد هذه السياسة باعتبارها إجراءً ممنهجًا يستهدف على نحو خاص الأطفال والقاصرين والشبان المقدسيين، في مسعى متواصل لضرب الاستقرار الاجتماعي، وفرض قيود إضافية على تفاصيل الحياة اليومية، خارج إطار المحاكمات العادلة، وبما يتناقض بشكل صريح مع أحكام القانون الدولي الإنساني.
وفي عام 2025، رصدت محافظة القدس استمرار سلطات الاحتلال في إصدار قرارات الحبس المنزلي بحق المواطنين المقدسيين، حيث سُجّل خلال العام صدور (64) قرارًا، في إطار نهج عقابي يهدف إلى تشديد الخناق على المواطنين، وتحويل منازلهم إلى أماكن احتجاز قسري، بما يشكّل انتهاكًا جسيمًا للحقوق والحريات الأساسية التي كفلتها المواثيق والاتفاقيات الدولية.
3. قرارات الإبعاد
خلال الأعوام 2021–2025، رصدت محافظة القدس تصاعدًا لافتًا في قرارات الإبعاد التي أصدرتها سلطات الاحتلال، حيث بلغ مجموع القرارات الصادرة خلال هذه الفترة (2,386) قرار، شملت 1499 بالإبعاد عن المسجد الأقصى، في انتهاك واضح لحرية العبادة، ولقواعد القانون الدولي الإنساني، وللوضع التاريخي والقانوني القائم في المدينة المحتلة..
وخلال عام 2025، رصدت محافظة القدس إصدار سلطات الاحتلال (200) قرارًا بالإبعاد بحق فلسطينيين، من بينها (149) قرارًا بالإبعاد عن المسجد الأقصى المبارك، استهدفت عددًا كبيرًا من الأسرى المحررين، والصحفيين، والنشطاء، إلى جانب حالات إبعاد خارج فلسطين، في تصعيد خطير يندرج ضمن سياسة العقاب الجماعي والتطهير المكاني بحق المقدسيين.
4. قرارات منع السفر
رصدت محافظة القدس إصدار سلطات الاحتلال الإسرائيلي 87 قرارًا بمنع السفر خلال السنوات الخمس الممتدة من 2021 حتى 2025، في سياق التضييق المتواصل على الفلسطينيين في المدينة، واستهداف الشخصيات المقدسية المؤثرة، بما في ذلك الناشطين والمرابطين، في محاولة لفرض مزيد من القيود على حركتهم ونشاطهم. ففي عام 2022، أصدرت سلطات الاحتلال 34 قرارات، وفي عام 2023 صدرت 38 قرارًا، أما عام 2024 فصدرت 8 قرارات.
كما رصدت محافظة القدس إصدار سلطات الاحتلال الإسرائيلي 7 قرارات بمنع السفر خلال عام 2025، في سياق التضييق المتواصل على الفلسطينيين في المدينة، واستهداف الشخصيات المقدسية المؤثرة، بما في ذلك الناشطين والمرابطين، في محاولة لفرض مزيد من القيود على حركتهم ونشاطهم.
عمليات الهدم:
واصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي تصعيد سياسة الهدم الممنهج في مدينة القدس المحتلة، ضمن مخطط التهجير القسري والتطهير العرقي الهادف لتغيير الطابع الديموغرافي والجغرافي للمدينة المقدسة، وتثبيت السيطرة الاستيطانية عليها. وخلال الأعوام 2021–2025، رصدت محافظة القدس تنفيذ الاحتلال ما يزيد عن 1,732 عملية هدم وتجريف، شملت هدم المنازل والمباني التجارية والزراعية والمرافق العامة، إضافة إلى عمليات تجريف واسعة، ما يعكس استمرار نهج ممنهج يهدف إلى تفريغ المدينة من أبنائها.
وخلال عام 2025 وحده، رصدت محافظة القدس تنفيذ الاحتلال 397 عملية هدم وتجريف، منها 259 عملية هدم مباشرة نفذتها آليات الاحتلال، و104 عمليات هدم قسري ذاتي أُجبر خلالها المقدسيون على هدم منازلهم أو ممتلكاتهم بأنفسهم تحت تهديد الغرامات والسجن، إضافة إلى 34 عملية حفر وتجريف. ولم تقتصر عمليات الهدم على المنازل فقط، بل طالت منشآت تجارية وزراعية وأسوارًا ومرافق عامة، في مختلف أنحاء المدينة بما في ذلك بلدة سلوان، جبل المكبر، بيت حنينا، العيسوية، والرام وغيرها من البلدات المحيطة.
إخطارات هدم:
رصدت محافظة القدس خلال السنوات الخمس الأخيرة تصعيدًا متواصلًا من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي في تنفيذ سياسات التهجير القسري والفصل الديمغرافي في القدس الشرقية، حيث وثقت إصدار 1,439 قرارًا وانتهاكًا مباشرًا خلال الفترة من 2021 حتى 2025، منها إخطارات هدم ووقف بناء، وقرارات مصادرة، واستيلاء على أراضٍ، بالإضافة إلى أوامر إخلاء قسري جماعي وفردي. وقد توزعت هذه القرارات بين 287 قرارًا في عام 2021، و220 قرارًا في عام 2022، و236 قرارًا في عام 2023، و145 قرارًا في عام 2024، و551 قرارًا في عام 2025. وقد استهدفت هذه الإجراءات أحياءً وبلدات فلسطينية ذات كثافة سكانية مرتفعة مثل سلوان، العيسوية، الشيخ جراح، بيت حنينا، وبلدة الجيب، في مؤشر واضح على استمرار الاحتلال في تغييب الوجود الفلسطيني وفرض السيطرة الاستيطانية.
جرائم الاحتلال بحق الشخصيات المقدسية والرموز الوطنية والدينية في القدس:
رصدت محافظة القدس على مدار خمس سنوات استهداف سلطات الاحتلال الإسرائيلي للشخصيات المقدسية والرموز الوطنية والدينية في القدس ومن أبرز الشخصيات الوطنية التي تم استهدافها عطوفة محافظ القدس عدنان غيث، وزير شؤون القدس د. أشرف الأعور، أمين سر حركة فتح في القدس شادي مطور، المهندس خالد أبو عرفة، النائب المقدسي أحمد عطون.
ومن أبرز الشخصيات الدينية التي تم استهدافها خلال الخمس أعوام المنصرمة الشيخ عكرمة صبري، الشيخ محمد حسين، الشيخ إياد العباسي، الشيخ ناجح بكيرات، الشيخ محمد سرندح.
الانتهاكات بحق المؤسسات والمعالم المقدسية:
شهدت مدينة القدس المحتلة خلال الفترة من 2021 إلى 2025 تصاعداً خطيراً وممنهجاً في وتيرة الجرائم والانتهاكات الإسرائيلية، والتي شكلت حرباً شاملة على جميع مقومات الوجود الفلسطيني في العاصمة. لم تنجُ أي مؤسسة من هذا الهجوم المنظم، الذي استهدف التعليم، والصحة، والثقافة، والإعلام، والرياضة، والشؤون الدينية والاجتماعية، في محاولة واضحة لتهويد المدينة جغرافياً وديموغرافياً، وفرض سيطرة كاملة على المشهد الحضاري، وقطع أي صلة لها بالسيادة الفلسطينية.
اتجهت سياسة الاحتلال بشكل أساسي نحو تقويض النظام التعليمي الفلسطيني، كأحد أركان تشكيل الهوية والوعي الوطني. فقد شن حرباً ضروساً على المنهاج الفلسطيني، من خلال محاولات فرض المنهاج الإسرائيلي "المحرف"، وسحب تراخيص المدارس الرافضة، ومصادرة الكتب التي تحمل العلم الفلسطيني أو تذكر النكبة والأسرى. وتجسد ذلك في إغلاق مدارس مثل الفرقان، وتهديد أخرى مثل الإبراهيمية بوقف التمويل، وإجبار معلمين على الاستقالة، وحملات التفتيش المذلة للطلبة وحقائبهم. وهدفت هذه الإجراءات إلى "أسرلة" التعليم، وخلق جيل منفصل عن تاريخه وهويته، وهو ما انعكس في تسرب مئات الطلاب إلى مدارس البلدية وإغلاق عشرات الشعب الصفية.
بموازاة الهجوم على التعليم، عمل الاحتلال على شلّ عمل المؤسسات المدنية الفلسطينية وإفراغ المدينة من أي كيان تنظيمي مستقل. فجدد إغلاق عشرات المؤسسات الثقافية والاجتماعية مثل بيت الشرق ونادي الأسير وغرفة التجارة بشكل متكرر، وأغلق مكاتب الإعلام الرسمي الفلسطيني، وحلّ لجاناً مثل لجنة الزكاة المركزية بحجة "دعم الإرهاب". كما حاصر العمل النقابي بملاحقة المحامين ومنع انتخابات الأطباء، واعتدى على المؤسسات الرياضية بإغلاق نوادي مثل سلوان وهلال القدس وتهديدها بالمصادرة. كان الهدف من هذه السياسة تفكيك البنية المؤسسية للمجتمع المقدسي، ومنع أي إطار جامع يمكن أن يعزز صموده أو يمثل تمثيلاً وطنياً.
لم تسلم المقدسات الدينية والمعالم الحضارية من هذا الهجوم المتعمد، الذي اتخذ طابعاً استفزازياً وعنصرياً صريحاً. فتعرضت المساجد للاعتداء بتغيير معالمها، كما حدث مع قبة مسجد الرحمن في بيت صفافا ومئذنة مسجد التوبة في العيساوية، وتم هدم مسجد الشياح في جبل المكبر. وطالت الانتهاكات المقابر الإسلامية بتخريب شواهد القبور في مقبرتي باب الرحمة واليوسفية، ووصل الأمر إلى حد تعليق رأس حمار في مقبرة باب الرحمة في جريمة تحمل دلالات عنصرية ودينية عميقة. كما تعرضت الكنائس والرهبان للاعتداء والتحريض. كل ذلك يجري ضمن سياق أوسع لطمس المعالم العربية والإسلامية للمدينة، وفرض رواية وهوية بديلة، بدءاً من تعليق الأعلام الإسرائيلية على أسوارها، وانتهاءً بتحويل المواقع التاريخية إلى بؤر استيطانية سياحية كمشروع "المزرعة في الوادي" في سلوان.
وشكّل استهداف وسائل الإعلام والعاملين فيها، بالإضافة إلى المؤسسات الطبية، ركيزة أساسية في سياسة حجب الحقيقة وإفلات الآلة العسكرية من المحاسبة. حيث تم اغتيال الصحفية شيرين أبو عاقلة، واعتقال وتعذيب صحفيين آخرين مثل لمى غوشة وبيان الجعبة، وفرض قيود مشددة على التغطية، وإقرار قوانين مثل "قانون الجزيرة" لمصادرة وسائل الإعلام. واقتحمت قوات الاحتلال المستشفيات مثل المقاصد والمستشفى الفرنسي بشكل متكرر، واعتقلت أطباء ومسعفين، وعطلت عمل سيارات الإسعاف. يهدف هذا إلى عزل المدينة عن العالم، ومنع نقل معاناة سكانها، وحرمانهم من الحماية الإعلامية والرعاية الصحية الكافية، مما يزيد من ترسيخ حالة الإفلات من العقاب.
وقد تجلى المشروع الاستيطاني التهويدي بشكل فج في الحملة الشاملة التي تعرضت لها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، حيث تم التحريض عليها في البرلمان الإسرائيلي وإقرار قوانين لاعتبارها "منظمة إرهابية"، وطالب سياسيون ومستوطنون بإغلاق مدارسها ومقراتها، ووضعت ملصقات تحريضية على أبوابها، وطالبت سلطات الاحتلال بدفع ملايين الشواقل كإيجارات متأخرة، وصولاً إلى مصادرة أراضي مقرها في الشيخ جراح تمهيداً لبناء وحدات استيطانية. يعد استهداف الأونروا محاولة لضرب أحد الركائز الدولية الداعمة للاجئين المقدسيين، وتقويض أحد الأدلة العملية على حق العودة، ضمن المسار الأوسع لتصفية قضية اللاجئين.
بشكل عام، رسمت انتهاكات السنوات الخمس صورة لمشروع استعماري استيطاني متكامل، لا يكتفي بالاحتلال العسكري، بل يسعى إلى احتلال المكان والزمان والوعي.. هذه السياسة الممنهجة تهدف في نهاية المطاف إلى تحقيق هدفين مترابطين: الأول، تهجير السكان الفلسطينيين عبر جعل الحياة في المدينة مستحيلة، والثاني، تهويد المشهد الحضاري للمدينة بشكل كامل، تمهيداً لفرض واقع جديد ودائم تكون فيه القدس الموحدة عاصمة للدولة الإسرائيلية فقط.
المشاريع الاستعمارية:
وثقت محافظة القدس بالتعاون مع جمعية الدراسات-بيت الشرق، خلال السنوات الخمس الممتدة من 2021 إلى 2025، سياسة التوسع الاستيطاني المكثف والمستمر لسلطات الاحتلال الإسرائيلي في المحافظة، عبر ثلاث مراحل رئيسية: الإيداع، والمصادقة، والمناقصة. حيث أودعت سلطات الاحتلال 151 مشروعًا للمناقشة تضمنت حوالي 35,257 وحدة استعمارية، كما صادقت سلطات الاحتلال على 130 مشروعًا أُقرت رسميًا، شملت ما مجموعه 28,706 وحدة استعمارية. أما على صعيد المناقصات التي تمهد للبناء الفعلي، فقد بلغ عدد المشاريع المطروحة للمناقصة 51 مشروعًا، تضمنت 8,328 وحدة استعمارية.
