"كل الأشياء الجميلة القابلة للكسر": حين يُصبح الراوي العليم "بطلاً"!

رواية كل الأشياء الجميلة القابلة للكسر مشروعاً سردياً جديداً لإبراهيم نصر الله.jpg

تأتي رواية "كل الأشياء الجميلة القابلة للكسر" لتفتتح مشروعاً سردياً جديداً لإبراهيم نصر الله تحت عنوان "ثلاثية الراوي العليم"، ففي هذا العمل يعيد نصر الله تشكيل الحكاية المؤسسة للوجود البشري (حكاية آدم وحواء والخروج من الجنة)، لكن بعدسة روائية معاصرة، فلسفية، وما وراء سردية، بحيث تجعل من الرواية نفسها بطلاً موازياً للحدث.

الرواية، الصادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون في بيروت، وبطبعة فلسطينية عن دار طباق للنشر والتوزيع، تدور حول لحظة الارتطام الأولى بالأرض.
لا تبدأ الحكاية من الجنة ونعيمها، بل تبدأ من لحظة السقوط في "البرية"، حيث يجد آدم نفسه وحيداً، عارياً، منفصلاً عن حواء، وفي مواجهة مفاهيم لم يختبرها من قبل: الألم، والجوع، والعطش، والخوف، والزمن.

تسرد الرواية رحلة كل من آدم وحواء في هذا العالم الجديد الموحش.. آدم الذي يبحث عن حواء وعن معنى لما حدث، وحواء التي تواجه رعبها الخاص ووحدتها واكتشافها لجسدها وللقسوة المباغتة في الطبيعة (تحول الحيوانات من كائنات وديعة في الجنة إلى وحوش مفترسة)، فيما تتخلل هذا السرد استعادة لذكرياتهما في الجنة، وكيف كانت الحياة قبل "الخطيئة" (قضم التفاحة)، والمقارنة المستمرة بين "هناك" (الخلود والراحة) و"هنا" (الفناء والألم).

يتميز السرد بتداخل أزمنة متعددة، حيث يورد الراوي حكايات فرعية من زمننا الحالي أو أزمنة تاريخية أخرى ليضيء بها على تجربة آدم وحواء، ومن أبرزها حكاية المرأة والجنرال، وتتناول قصة المرأة العجوز التي كانت تجمع ألقاب الجنرال الطاغية في دفتر، ليس إعجاباً به، بل لتثبت حجم النفاق، منتظرة لقباً واحداً هو "الجلاد الحقير"، وحكاية الرجل والمرأة الغريبة، أي الرجل الذي سألته امرأة عن الطريق، فأشار بيده اليسرى ثم صحح لليمنى، لينتهي به المطاف يسألها: "من أي كوكب أنتِ؟"، في إشارة لدهشة اللقاء الأول التي تشبه دهشة آدم بحواء.

كما تميّز بإشارات سينمائية وأدبية، عبر استحضار مشاهد من أفلام ومواقف لأدباء (ماركيز، كواباتا، ومحمود شقير) لربط المشاعر البدائية بالتجربة الإنسانية المعاصرة.

ويظهر آدم ككائن "طفل" في جسد عملاق، يتسم بالبراءة المطلقة والاندفاع المتسرع أحياناً. دلالته تكمن في الدهشة الأولى والصدمة الوجودية، ويمثل الإنسان الذي لم يتلوث بعد بالحضارة، ولكنه يدفع ثمن المعرفة (الألم)، أما علاقته بالزرافة التي تبعها فتمثل بحثه عن أليف في عالم موحش.

وتُرسم حواء، في الرواية، كشخصية أكثر حدسية وتساؤلاً.. معاناتها الجسدية والنفسية أعمق (مشهد الحشرات، الدورة الشهرية/النزيف، الخوف من الظل)، بحيث تمثل الجانب الآخر من التجربة البشرية: الوعي بالجسد وتغيراته، والشعور بالذنب الممزوج بالغضب (تساؤلها عن سبب العقاب المشترك)، بينما علاقتها بظلها (الذي ظنته آدم في البداية) تحمل دلالة رمزية عن الوحدة والبحث عن النصف الآخر.

تحوّلات الحيوانات (النمر، الزرافة، والأسد الأبيض) من الوداعة في الجنة إلى الافتراس في الأرض ترمز إلى سقوط الطبيعة نفسها مع سقوط الإنسان، وتحوّل العالم إلى مكان محكوم بقانون الغاب والبقاء للأقوى.

أما "الراوي العليم"، فهو شخصية محورية، ليس مجرد صوت سارد، بل كيان "أنا" يتدخل، يعلق، يسخر، ويقارن، يمثل الوعي التاريخي والمستقبلي الذي يربط لحظة البدء بلحظتنا الراهنة.. إنه ليس مجرد راوٍ عليم بالمفهوم الكلاسيكي (الذي يختفي خلف الأحداث)، بل هو راوٍ عليم مُشخّص له "أنا" وله رأي، ويسخر، ويتدخل، ويناكف النقاد والقراء.

إبراهيم نصر الله لا يريد كتابة رواية تاريخية تقليدية تدمجك عاطفياً في أجواء العصر الحجري، هو يريد كتابة رواية عن استمرار المأساة البشرية، لذا فإن تدخلات الراوي المستمرة تقوم بوظيفة كسر الإيهام، وكأن الرواية تقول للقارئ: انتبه، ما يحدث لآدم وحواء ليس ماضياً سحيقاً، إنه يحدث لك الآن، وأنت تقرأ، وفي عالمك المعاصر.. هذا الربط لا يتم إلا عبر راوٍ يقف في منطقة وسطى بين زمن البدء وزمننا الراهن، فهو هنا المترجم الذي ينقل شيفرة البدائية إلى لغة الحداثة.

ما قد يبدو تشتيتاً للاندماج العاطفي الكلاسيكي (الذي يجعلنا ننسى أننا نقرأ رواية) هو في الحقيقة دعوة لاندماج فكري، فإبراهيم نصر الله يريد قارئاً يقظاً، واعياً بأن الحكاية تُروى له الآن، وأن الراوي شريكه في تأويل الحدث لا مجرد ناقل له، لذا فهذا الطغيان ليس طبيعياً فحسب، بل هو متسق تماماً مع عنوان السلسلة وفلسفتها.

ومن بين ما يميز هذه الرواية وتقنيات إبراهيم نصر الله المتجددة فيها، أنه يفتتحها بتقديم نفسه: "اسمحوا لي أن أقدم لكم نفسي.. يطلق النقاد عليّ اسم الراوي العليم"، وهذه تقنية تكسر الحواجز مع القرّاء فوراً، فهو يعلن عن حضوره، وعن قدرته على اختراق وعي الشخصيات، بل ويسخر من الكتاب الذين يحاولون تقليده.

وتشتمل الرواية على دلالات ومضامين عميقة، فهي بحث معمق في ولادة الألم.. كيف تعرّف الإنسان على الألم لأول مرة؟ آدم حين فقد سنه، حواء حين جُرحت.. الألم هنا هو المُعلم الأول، وهو الثمن المقابل للوجود المادي.

وتطرح الرواية أيضاً ثيمة الانتظار كعذاب بشري أصيل، فآدم انتظر حواء، وحواء انتظرت الفرج.. الزمن في الجنة كان أبدية، أما على الأرض فهو مدة تقاس بالألم والغياب، كما تجسد رعب الإنسان الأول من الظلام (الذي ظنه آدم عقاباً أبدياً سيُذهب بصره)، ومن النوم (الذي ظنته حواء موتاً أو فخاً).
تعامل نصر الله مع آدم وحواء ليس كشخصيات مقدسة معصومة، بل كبشر حقيقيين، خائفين، جائعين، ولهم تجاربهم، وهذا المنظور منح الرواية حرارة عاطفية أكثر قرباً من القارئ.

يُحسب للرواية الجرأة في التناول، ومحاولة تقديم تفسير نفسي وشعوري لقصة الخلق، بعيداً عن التفسير الفقهي، وخفة الظل والسخرية التي يبثها الراوي العليم وتكسر حدة مأساوية السقوط، والقدرة على جعل القارئ يشعر ببدائية الأشياء (الدهشة من النار، من الليل، من الجوع)، وكأنه يكتشفها لأول مرة.

رواية "كل الأشياء الجميلة القابلة للكسر"، نص ثري في تأمله للشرط الإنساني.. إنها تقول: إننا جميعاً، وفي كل وقت، نعيش لحظة سقوط آدم وحواء من جديد.. هي رواية عن الهشاشة البشرية، وعن الجمال الذي لا يكتمل إلا بكونه قابلاً للكسر.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - كتبت بديعة زيدان:(الأيام)