مِن (أَحمَد سَعيد) إلى الدَّولَة الدّيمُقراطيّة الواحِدَة

بقلم: هند شريدة

هند شريدة.jpg

مِن (أَحمَد سَعيد) إلى الدَّولَة الدّيمُقراطيّة الواحِدَة

رائعة الفنان الفلسطيني سليمان منصور "اسمي فلسطين وسأحيا 2016"

هند شريدة*

المصدر: مجلّة رمّان

في ذروَة انكشاف طبيعة الصهيونية، وارتكابها فصلًا جديدًا من فصول النكبة عَبر جريمة الإبادة الجَماعيّة المتواصلة في قطاع غزة، مدعّمةَ بـ "بَركَات" منظومة الاستعمار العالمية؛ بَزَغَت إِرهاصات النّصر والهَزيمة التي أُشيعَت بين خِيام النازحين وبقيّة الفلسطينيين في مختلَف عُموم فلسطين، كما اعتَلَت المفرَدَتان سدّة القوّة النّاعمة للإعلام الفلسطيني مِن حِزبِيّ وغَيره، بل وتقاذَفَ كلا البَيْنَيْن الكثيرَ من الحِسابات الحقيقية والوهميّة على حيطَان صفَحات التواصل الاجتماعي، وكأنّ النّصر والهَزيمة، إِحدى نتائج مباراةِ كرة قَدم في نهائيّات كأس آسيا! ناهيك عَن تَمَوضُع القُطبَين المتقابلَيْن نفسَيْهما قسْرًا في ماكينة الإعلام الإسرائيلية الموتورة، التي ما انفكّت تبحث عن صور نَصْر يَحِلّ ليُغَطي عَورة الانكسار التي تلقَّتها المنظومَة الأمنيّة في السابع من أكتوبر، ومُقابَلَةُ ذلك بزرع فكرة الهزيمة وبثّ الإحباط في نفوس الفلسطينيين، بتسوية غزّة أرضاً وإرجاعها -في هذه اللحظة من التاريخ الحديث- إلى العَدَمِ الذي لم تكنْه يوماً، ربما منذ أن كانت تُدعى يوماً ما (هَزاتي*[i])، وذلك من خلال تفنّن الإجرام الإسرائيليّ في صناعة مصفوفات فَناءٍ "بالجُمْلة" مِنْ خرابٍ وقتلٍ وزهقٍ لكل رُوحٍ فيها.

لقَد غابَ عن الأَذهان، أنّ الضِّدَّيْن – مِن نَصر وهَزيمة- لا ينطَبقان على وصْف إبادة تَستهدف الكيانية الفلسطينية بكلّ تجلّياتها. فكيف يمكِن لإبادة تسعى إلى محوِكَ والقضاء عليكَ أن تُختَزَلَ بنصر أو هزيمة؟! من المُجحف بحقّ من استشهد، ونَجا، وصمد، وحقّ التاريخ والأجيال اللاحقة استخدام هذين الوصفَين، فهُما قسوة جائرة على من دفَع الثمنَ حقيقة على الأرض. تمامًا كما لا يمكن تقزيم صُمود الناس، وإفشالَهَم -برغم القَهر وبؤس واقع الحال- مخطّطَ التهجير والتطهير العرقي، و"كَبْسَلَته" بالهزيمة النّكراء؟!

ليست ثنائية النصر والهزيمة جديدةً علينا نَحن العرب. فقد ذُقناها في النكسة، عندما أَذاع لنا القومي المصري أحمد سعيد، خِطابات النصر الوهميّة، ونحن نتجرّع الهزيمة الساحقة، على أَثير "صوت العرب".

برّر سعيد الهزيمة المُرّة بأنّه لم يكُن يدرِك الحقيقة، وأنّه تلقى بيانات جاهزة من القيادة العسكرية متمثّلة بالمُشير عبد الحكيم عامر، وأنّ "صوت العرب" كانت في يد السّلطة الحاكمة، أيّ: الناصرية، لكنه سرعان ما أدرك حجم خطيئته، فأحجَمَ، ومن ثم خطّ استقالته لعبد الناصر، مسبّبًا إياها بأنه "يشعر بالغربة من الوطن والنفس والعمل". لكنّ سعيد فيما بعد، وفي مقابلة تلفزيونية مع الإعلامية اللامعة ليلى الأطرش منتصف السبعينيات، اعترف أنّه كان يَعرف بالهزيمة، محددًا متى أيقن الحقيقة على حدّ تعبيره: "عرفت إننا مهزومين بنفس اليوم.. الساعة طنعشر إلا خمسة.. ودي محنتي.. شأني شأن أيّ قائد جيش.. كان مطلوب منّا الانسحاب بأقل الخسائر.."

ربما لم يكن سعيد بالممارسَة كذوبًا، ولا خبيثًا ينوي تضليل أُمَّة. ربما لم يكن ساجدًا لوليّ نعمة خليجي حينها، ولا جاثيًا أمام بَلاط سلطان. من المحتَمَل أنّه لم يَقْصِد حقًا إقصاء الحَقائق لمصلَحَة النّظام السياسي حينها، لكنّنا حمَّلناه وِزْر النوايا، لأنّنا -جميعًا- عاجزون، لا نَقوى على تحمّل المسؤولية. كان أَحمد سعيد يحاول شحْذ ما تَبَقّى من همَم الأمة العربية، كما يَفعل البعض اليوم، ممن لا يرضَوْن استدخال الهزيمة في النُّفوس، فيحاولون إسقاطَ أمانيهم على مَرارة الواقع السّحيق، مُستَجدين انبعاث الحياة من كومةِ رَماد من جديد. وعندما سأَلَته الأطرش عن دوره في ممارسة التّضليل، أقرّ بأنه كان مقصودًا "لرفع الروح المعنوية وتماسك الشّعب حتى لا ينهار.."، وأكمَل بلهجة رصينة: "دور الإعلام يتمثّل في كيف تستطيع أن تحافظ على الأمة.. وارتباط الناس ببعضها بحيث إنها ما تستسلمش". وهو صحيح أيضًا.

إذا ما عُدنا إلى الوراء، كان أحمَد عشيّة اليوم الأَسوَد قد أَذاع بصوته الجَهوريّ على ميكروفون إذاعة "صوت العرب"، مخاطبًا الأمة العربية من المُحيط إلى الخليج: "أيّها الأخوة في العروبة.. قوّاتنا الجوية قد تصدّت لطائرات العدوّ، كما تصدّت لها قوات الدفاع الجوّي، وأسفرت المعركة عن إسقاط تسع طائرات للعدو، كما عادت قواتنا إلى قواعدها سالمة"، ولِلُزوم المصداقيّة، أضاف على الجُملة الأخيرة: "ما عدا طائرة واحدة".. واختَتَم بَعدها بالشّارة المسجّلة: "هنا القاهرة".

بَعد الاستفاقة من هوْل هزيمة الأيام الست، عابَ الجميع على أحمد سعيد فظاعَة ما فَعَل من تهييج للمشاعر وإلهابٍ لها على نحو خذَل فيه نفوس الملايين بعد اكتشاف الحقيقة، وبأنّه بالفعل ضلّل الأمة العربية، ولم يبادلها لحظة صدْق كانت بأمسّ الحاجة لها، لـ "تَوضيب" نفسها من هزيمة مدويّة. وفي قراءَة لمحمد حسنين هيكل في كتابه "الانفجار 1967"، كان أحمد ضحيّة تَضليل لا صانعًا له، عازيًا ما حدث آنذاك من رفع للمعنويات بدَل قول الحقيقة، بسذاجة في السياسة الإعلاميّة وإمعان في الإغراق في البروباغندا الدعائيّة. وهذا صحيح أيضًا.

 

"أَكثَر من أيّ زمان هيدا زمانَك"

مع تَشابه واقع الحال اليوم مع ما جَرى قَبل قُرابة ستة عقود، تتجدّد المأساة ذاتها، حيث كانت الخَسائر، ولا تَزال، تَطال الإنسانَ قبل أيّ شيء. نحن بحاجة إلى إعادة تقييم شاملة لكلّ شيء، بلا هالات القُدسيّة التي لطالما وضعناها لأشخاص أو مجموعات، كنّا نعكس رغباتنا تجاهها بالاستدامة، دون قراءَة تحليلية وواقعية شَأْنُها النُّهوض من جديد. فكَما غنّى خالد الهبر: "أكثر من أيّ زمان هذا زمانك.. أكثر من أيّ مكان.. هيدا مكانك.. حاجة تفتّش عن كيان.. هيدا كيانك.. حاجة تطلّع وراك.. اتطلّع قدامك".

نَعَم، أَكثَر من أيّ زمان، هذا زمان تَحطيم التابوهات، مع لحظة إِدراك وتقييم للأحزاب جميعها التي سَقَطت، وعن عَجزها عن القيام بدورها، مرورًا بِفَشَل منظمة التحرير في قيادة الواقع واختِطاف الحزب الحاكم لها، وصولًا إلى مصادَرَة الرئاسة الفلسطينية حقّ المواطن في ممارسَة مواطنَته الفاعلة ديمقراطيًا، وتعطيل الانتخابات التشريعية والرئاسيّة.

يزدادُ المشهَد قَتامَة مَع النّتائج على الأَرض، مِن تَثبيت وجود جيش الاحتلال في أكثر من 50% من مساحة قطاع غزة، إلى صُعود اليمين الإسرائيلي المتطرّف إلى سدّة الحُكم، وتَسليح ما يسمّى بوزير الأمن القومي إيتمار بن غفير أكثَرَ من مئة ألف مستوطن، يَصولون ويَجولون في بساتين الضفة الغربية عَبر المَزيد من الوحدات الاستيطانية وخُطط الضمّ اللامتناهية، وهجَماتهم على المزارعين وحَرق أَراضيهم وبيوتهم.

لا يقتصِر الأَمر على تَشخيص الوَضع الداخليّ فحسب، بل يمتدّ إلى تواطؤ الحكومات الغربية ضدّنا، لا الشعوب، من إفشال تنفيذ القَرارات الأممية، إلى تعطيل المحاكَمات الدولية، وإيقاع عقوبات على الأفراد والمؤسسات، وكلّ مَن يدافع عن حقّ الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. لقد فشِلَت المنظومَة الدولية، من خلال دعمِها غير المشروط للاحتلال وتسليحه، وتجاهلها محنةَ الشعب الفلسطيني عقودًا طويلة، دون مساءَلة إسرائيل أو محاسَبَتها على الجرائم التي ارتكبتها على مدى سنوات مديدة، الأمر الذي مَكّن الاحتلالَ من مواصلة جريمة الإبادة الجماعية، في مشهد محصَّن، يَتَمادى في تبجّحه العَلَني ووقاحته التي تصلنا عَبر فيديوهات يصوّرها ويبثّها على وسائل التواصل، دون اكتراث بأيّ عَواقب تُذكر.

في مقابل ذلك كلّه، وفي ظلّ تَسارُع جولات التّطبيع العربية، دون أيّ اشتراط بإنهاء الاحتلال؛ تبدو الدبلوماسية الفلسطينية عبثيّة في سِعيها إلى حَصد مزيد من الاعترافات الدولية بدولة فلسطين، مع التزامها الحديديّ بإحياء عملية السلام التي تَقود إلى حلّ الدولتين على حدود عام 1967 وإقامة دولة فلسطينية مستقلّة، مع أنّها على أرض الواقع اليومي بلا سيادة، وبالرغم من نكْث إسرائيل الكامل وعدم إيفائها بالتزاماتها التي وقّعت عليها. يأخذُنا ذلك لما استقرَأَه رجا الخالدي في مقالته، حيث أنّ هذه الدبلوماسية غير المتماسِكة في وجهَتها وسياساتها، تفتقِر إلى أيّ أُفُق حقيقي لحلّ سياسي، في ظلّ استحالة توظيف العدالة الدولية لرَدع آلة الحرب الإسرائيلية المَسعورة.

أمامَ هذا الانسداد الشّامل، تبرُز حاجتنا الفلسطينية إلى لحظَة صِدق نتحدّث بها مع ذواتنا، لحظةٍ تقتضي التخلّي عن الشعاراتية المبنيّة على الأماني، مع الإقرار بمشروعية طرح الأسئلة، وفي مقدمتها: ماذا نريد، وكيف نتعاطى؟ ومن هنا، تتجلّى أهمية الحوار دون شيطنةٍ أحد، بوصفه مدخلًا لإِحداث، ولو شبه إجماع، تجاه القضايا التي كانت يومًا ما مؤطّرة ومنظّمة بفعل الأحزاب التقدميّة، حين اقترنت صدقيّة العمل السياسي بوضوح التنظير والرؤيا معًا، ما يتطلّب بناء المعرفة والقدرة النقدية لتحليل الواقع وتفكيكه، ومن ثم المشاركة في عمليّة التغييّر.

مِن هذا المُنطَلَق، نحن، قاعدياً، بِحاجة إلى الانتقال من العمل الفرديّ إلى الجمْعيّ، ومن ثمّ العمل على تَجريف كامل [للمَسار الحالي]، ورفع سقف الخطاب بالعَودة إلى المربّع الأوّل: فلسطين التاريخية، نَعم فلسطين التاريخية دون رَمْسَنَة، بل مع يقينٍ راسخ وإيمانٍ بحريّة فلسطين مِن النهر إلى البحر. ويُبلور هذا الطّرح فكرةَ حماية فلسطين من المساومة، مع عدم التخلّي عن قُرانا ومدُننا المهجّرة، من يافا وحيفا وعكّا وصفد والرّملة والّلد وطبريا، ويترجَم بما ذهبت له حملة الدولة الديمقراطية الواحدة على أَرض فلسطين التاريخية، بعيداً عن مخلّفات الاستعمار وما ورّثه من منطق هويّاتيّ، وإنما القائم على أَساس المُساواة الكاملة، والمواطَنة العادلة، والحُقوق المدنيّة والسياسية والاجتماعية، لجميع السكّان دون تفرقة، والتي من الممكن جدًا أن يُصار مستقبلًا إلى تحويلها لحرَكة سياسية سيادية تَحمل رؤى تحرّرية وحلًّا سياسيًا عادلًا للقضيّة الفلسطينية.

 

الدّولَة الديمقراطيّة الواحدَة

لم يأتِ طرحُ الدولة الديمقراطية الواحدة بوصفه نتيجةً لخياراتٍ سياسيةٍ ظرفيّة، ولا باعتباره استنتاجًا تاريخيًا أمْلَتْه إخفاقاتُ حلِّ الدولتين، ولا بتشكيله مخيالاً رمزياً أو حلماً سورياليّاً، بل لأنّه في جوهره، طرحٌ عادلٌ للشعبِ الفلسطيني على أرضٍ تتّسعُ للجميع، ولأنّ برنامجه يقوم أَساسًا على تفكيك الصهيونية بوصفها أيديولوجيا قائمة على العنصريّة والتفوّق العرقي.

أما كيفيةُ تحقيق هذا النهج، فإنها تتضمّن طيفًا واسعًا من أَدَوات النضال والمناصرة، بعضُها قديم، سَبَقَ وأن سارَت عليه الحركةُ الوطنيةُ الفلسطينية في مراحل كانت تمتلك فيها نهجًا واضحًا، وفكرًا استراتيجيًا تقدميًا نيّرًا، لا يقتصر على أهدافٍ تكتيكيةٍ قصيرةِ الأمد، وهو نهجٌ نظّر له أيضًا عددٌ من المفكّرين، وفي مقدّمتهم إدوارد سعيد. وبعضها جديد، وليد المرحلة.

من هُنا، يَقودُنا مَشروعُ تَفكيك الصهيونية، وُصولاً لهدفِ الدَّولة الواحدة، إلى ضَرورة بناء تحالُفات في الدّاخل والخارِج؛ أي مع أَصحاب الضّمائر الحيّة أينَما وُجِدوا، ومن ضمنهم اليَهود المناهِضين للصهيونية، ممن يعترفون بأن الاحتلال هو جزء من مشروع استعماري استيطاني إحلالي ونظام فصل عنصري، والمؤمنين أيضاً بالحقوق الفلسطينية كاملة، بمن فيهم أُولئك الذين يحمِلون، من الناحية الفنّية، الجنسيّة الإسرائيلية بفِعل قانون القومية والجنسية الذي فَرَضَه الاحتلال الاستعماري داخل فلسطين المحتلة، والمستعدّون لتسخير هذه الحَظْوة في النضال والمقاومة مع الفلسطينيين ضدّ الصهيونية.

إلى جانب ذلك، يراهِن هذا التوجّه أيضًا على الانزياح المتنامي في وعي الشعوب، وعلى التفاف ميادين التّضامن الأُمميّة حول القضية الفلسطينية، ومن بينها أَصوات يهودية ما انفكّت تهتفُ في مسيراتها "not in our name" رغم ما تدفعُه من أَثمان باهظة، عَبر وَسْمها باللاسامية أو باتهامها بأنها “self-hater jews”، في تعبيرٍ فاضح عن ضيق المَنظومة الصهيونية بكلّ من يَخرج عن سرديّتها.

 

التّقاطُعات التاريخيّة والمعاصِرة

تَصطَدم فكرة النّضال المشترَك مع المؤمنين بالحُقوق الفلسطينية الكاملة، وعلى رأسِها حقّ العَودة، بواقعٍ تعكِسُه استطلاعات الرأي داخل المجتمع الإسرائيلي، حيث تتّضح، فكرًا وممارسةً فاشيّة وانتقاميّة تجاه كلّ ما هو فلسطيني، الأَمر الذي يَقود بالضّرورة إلى التّشكيك بوجود شَريك حقيقيّ فاعل في هذا النّضال. فليس ثمّة يَسار إسرائيلي بالمَعنى الحقيقيّ والمؤثّر، بل هم "قلّة القلّة" من أَفراد معزولين، لا يمتلكون تأثيرًا حقيقيًا في مَنظومة القَتل والاستعمار التي تستهدفُنا يوميًا.

مع ذلك، إذا ما عُدنا إلى الجذور الفكريّة لتوجّه الدولة الديمقراطية الواحدة، يُمكن العثور عليها في الميثاق الوطني الفلسطيني، وفي مواقِف حركة "فتح" المبكّرة، التي فرّقت بوضوح بين اليهودية والصهيونية، مع التّأكيد على إمكانية اندماج اليهود المناهِضين للصهيونية في مَشروع الدولة الفلسطينية الديمقراطية. في هذا السّياق، تُستحضر نماذج تاريخية ليهود عارضوا الاحتلال والعنصرية والآرية المزعومة، وانخرطوا في النّضال الفلسطيني، مِثل التجربة النضاليّة لحركة "متسبين"، وإيلان هاليفي، ويوري ديفيس، ممن شَغَلوا أدوارًا سياسية وفكريّة داخل منظمة التحرير الفلسطينية، وأسهموا في الدفاع عن قضية اللاجئين وحقوق الشعب الفلسطيني. ناهيك عن العربي اليهودي الخليلي، كما يحبّ التعريف عن نفسه، حاييم بياجو، إضافة إلى المناضل الكاتب والصحافي ميخائيل وارشوفسكي الملقّب بـ(ميكادو).

التقَطَ اليَسار الفلسطيني مبكرًا أهميّة كَشف التناقضات داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه والبناء عليها في مواجَهة الصهيونية كنظام إقصائي عنصريّ، مؤكدًا أنّ هذا الطرح لا يَستهدف اليهود، بل يسعى إلى تفكيك دولة قائمة على الاستعمار والتّطهير العرقيّ، واستبدالِها بدولة فلسطينية ديمقراطية واحدة تحتَضِن جميع سكّانها على أساس المساواة. في هذا الإطار، لا يُمكن القَفز عن الدّور الحيوي والنابض لأحزاب اليسار الفلسطيني في السبعينيات والثمانينيات في استقطاب يهود مناهِضين للصهيونية، كما في تجربة "الفهود السود" وتجربة مركز المعلومات البديلة، حيث قدّمت هذه الأحزاب تنظيرًا أخلاقيًا وسياسيًا لتجارب تاريخية عزّزتها لاحقًا دعواتٌ معاصِرة، من بينها رسالة أحمد سعدات الأخيرة بعنوان: "كَي لا نفقِد الاتّجاه"، الخارجة من سِجن ريمون، صيف 2023، والتي شدّد فيها على ضَرورة توثيق العَلاقات مع القُوى اليهودية الديمقراطية المناهضة للصهيونية ومشروعها العنصريّ، مهما كان وزنُها وثِقَل تأْثيرها الراهن، وذلك في إطار توسيع المقاطعة الدولية ونزع الشرعية عن المشروع الاستعماري.

لكي لا نَقَع من جَديد في جُبّ أحمد سعيد في "جوع يا سمك البحر جوع"، أو في أيّ من ادّعاءات الصهيونية؛ نستذكِر الإجابة السَّديدة للعروبي والأممي جورج حبش في إحدى مقابلاته باللغة الإنجليزية، حين قال: "نحن لسنا ضدّ اليهود. في الواقع نحن نريد من جميع اليهود في جميع أنحاء العالم، بما فيهم اليهود في إسرائيل، أن يفهموا أننا لا نهدف إلى رمي اليهود في البحر كما تدّعي الحركة الصهيونية، لكننا بصراحة نسعى إلى تفكيك دولة إسرائيل. نحن ضد الصهيونية، كذلك نحن ضد دولة إسرائيل كما هي الآن، لأنّها ثمرة الصهيونية، دولة عنصرية قائمة على القهر والعدوان. نحن واليهود المضطهدين في فلسطين المناهضين لهذه الحكومة يجب أن نناضل معًا، وأن نواصل النضال معًا، حتى نصل إلى هدف ملموس وعملي يتمثّل في الدولة الديمقراطية الفلسطينية الواحدة، التي ستحتضن جميع العرب وجميع اليهود، يعيشون معًا بصفتهم شعبًا فلسطينياً واحدا".

وعليه، قد يَكْمُن المستقبَل في العَودة إلى الوراء، واستنهاض هذه التّجارب، كما أدركت بعض القيادات الإسلامية بتصريحاتها الأخيرة ( د. موسى أبو مرزوق، أسامة حمدان، د. محمد الهندي)، والتي نادت أيضاً بحلّ الدولة الديمقراطية الواحدة لجميع مواطنيها، بغض النظر عن ديانتهم، يتمتعون فيها بذات الحقوق ويتحملون الواجبات نفسها.

إذن، فإن الأمر يستوجِب بناء التحالفات، لاسيّما مع "المعارِضين الضميريين" والبناء على مواقف من يرفضون الخدمة العسكرية والمشاركة في الجرائم ضدّ الفلسطينيين لدوافع سياسية وأيديولوجية، مثل إيتمار غرينبرغ، وعيدو إيلام سكرتير الشبيبة الشيوعية، وإيلا كيدار غرينبرغ عضو لجنة فرع الشبيبة الشيوعية، بوصفهم مثالًا حيًّا على أهميّة دَعم هذا التوجّه الأَخلاقي لمعادي الصهيونية، والتقاطع مع قولهم (لا) لجريمة الإبادة التي تقترفها منظومة الاحتلال بحقّ الفلسطينيين على أَساس الهويّة. إلى جانب ذلك، تَبرز ضرورة الالتفات إلى الثّمن الذي يدفعُه هؤلاء لقاء رفضهم الخدمةَ العسكرية، التي تُعدّ مخالفة قانونية، من اعتقال وضغوط مجتمعية، تجعلهم عرضةً للإقصاء والرفض الاجتماعي.

شَرطُ العَدالَة: حُدود ما قَبل النّكبة.. الخَطيئة الأُولى

ولأنّ النّوايا وحدَها لا تَكفي، ولا تَعِد بالوُلوج إلى الجنّة مباشَرة، ولأنّ الطريق إلى جهنّم أيضًا مليء بالنّوايا الحسنة، وإذا ما أَرَدنا الاتفاق على معايير التّحالفات الممكِن بناؤها، فنَحن بحاجة إلى خِطاب فلسطينيّ واعٍ وواضح، دون السُّقوط في فخّ التطبيع. يتوجَّب على مُناهضي الصهيونية من الإسرائيليين أَن ينظّموا أَنفسَهم جيدًا، ويراجِعوا أفكارهم، لأنّ جميع ما ذُكِر مِن تقاطُعات ونِضالات وتلاقٍ، لا يُلغي ضرورة حَسم مسأَلَة المرجعيّة والتّسليم بمفصَل تاريخي نستند عليه (أَهي حدود النكسة 1967 أم نكبة 1948)، والأخيرة هي الخَراب الأساسيّ الذي آل إلى ما نحن عليه الآن. في اعتقادي، إنّ أيّ اتفاق أو ارتكاز على حدود 1967، وأخصّ بالذكر الإسرائيليين الذين يؤمنون بحلّ الدولَتين، ما هو إلّا تكريس لنِظام الاضطهاد والفَصل العنصريّ، وتَجميل للفوقيّة وتَشويه لمبدَأ المساواة بمكياج هَزيل، وتَسخيف لأيّ وَعي حقيقي ومَسؤول ممكن أَن يعوّل عليه، وقد أشخّصه أنّه معنا من باب "الحَرام"، والنّظرة الدونيّة غير المُقرّة عنده/ا، وتغافل "غير عفَوي" عن أَصل الأشياء.

إنّ سِفر التّكوين في قضية فلسطين قد بدأَ قَبل النكبة بكثير، ما يُرجعنا بطبيعة الحال إلى الارتكاز حولَه كنُقطة مفصليّة، أيّ فلسطين الانتدابيّة قَبل نكبة 1948، وأقول "بأَسَف" انتدابيّة وليس تاريخيّة، لأن حدودَنا هي الأُخرى نتاج تَقسيم واستعمار لطالما تكالَبَ على المنطقة، وإنّما الطبيعي جدًا الاستناد لبِلاد الشّام، التي تُرجِعُنا إلى العُروبة والقومية العربية.

نَعَم، هُناك اختلاف برأْيي بين الصهيونيّ والإسرائيليّ، وإذا ما تخلّى الأخير عن الأول بالكامل، يَعود يَهوديًا، ولا أَذكر أَن كان لَنا عداء مع اليهود والعَيش معهم في دولة ديمقراطية واحدة. لَطالما كانت هذه الأرض مرتعًا لثلاث ديانات، عاشَت فيما بينها بانسجام طبيعي كما وثّقه المؤرّخون، حتى في مذكّرات المثقفين و"العوّيدة" أمثال واصف جوهرية وغيره.

تَوظيف اليهودية لخدمَة أَطماع المَشروع الصهيوني الاستعماري والاستيطاني من خلال صناعَة جنسية وقومية إسرائيلية، هي "خَشْمُ" آدَم للتّفاحة وارتكاب الخَطيئة الأولى. لذا، يتمثّل شَرط العدالة الأوّل في الدولة الديمقراطية الواحدة: حدود ما قبل النكبة.. الحدود ما قبل الخطيئة الأولى.

 

هند شريدة*: كاتبة وصحفية مقدسية، عضو مؤسس في مبادرة مهد المشرق.

 

 

[i] * هزاتي: اسم غزة عند الكنعانيين.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت