في مواجهة قرار الهدم تظاهرة الأجساد في ملعب مخيم عايدة لكرة القدم

بقلم: هند شريدة

image.jpeg

بقلم: هند شريدة

في العموم، يُطلب من لاعب كرة القدم المحترف أن يضرب الكرة بقوة عالياً، وأن يناور جيّداً بين التمرير والدفاع والهجوم حتى يدخل الهدف. أما في فلسطين، فأن تكون محترفاً، يعني أن تفعل كلّ ذلك مع تقدير دقيق لارتفاع ضربة الكرة على نحو معقول، بحيث لا تتجاوز علوّ جدار الضم والتوسّع العنصري. هذا ما تدرّب عليه فتية وفتيات مخيم عايدة، شمال مدينة بيت لحم. فهم الأقدر اليوم على موازنة هذه المهارة للحفاظ على كرتهم، فأي ضربة خارجة عن المألوف قد تؤدي إلى ضياع الكرة وعدم استرجاعها من جنود الاحتلال.

بذريعة عدم الترخيص، يُهدّد الاحتلال الأطفال اللاجئين في مخيم عايدة بهدم ملعب كرة القدم خاصتهم، ملوّحاً بالتنفيذ في غضون أيام، رغم تقديم الكنيسة الأرمنية[i]، مالك الأرض، طعناً بذلك. ويؤكد رئيس بلدية بيت لحم السابق، أنطون سلمان، أن الموقع قانوني[ii]، وأن البلدية كانت قد استأجرت الأرض من الكنيسة الأرمنية عام 2021، لتتولى اللجنة الشعبية للمخيم إدارتها، حيث تستفيد من الملعب الفرق الرياضية في المخيّم.

لا يعد استهداف الأرض المعشبة أمراً جديداً؛ إذ يُكرّر الاحتلال سياسته بقتل أي فضاء حرّ للّعب والحفاظ على الهويّة الجمعية للفلسطينيين، من خلال إقدامه على تدمير 20 منشأة كرة قدم[iii] في الضفة الغربية، في تأكيد أن سياسة الاستهداف تطال الأطفال والشباب والفضاءات التي تُنتج الأمل والحياة. يأتي هذا تتمةً لما استهدفه في قطاع غزة، حيث لم يكن تدمير القطاع الرياضي هناك حدثًا عارضاً أو نتيجة جانبية للحرب، بل امتداداً مباشراً لاستهداف الرياضيين أنفسهم، بوصفهم جزءاً حيّاً من النسيج الاجتماعي والرّمزي للمجتمع الفلسطيني.

فمنذ بدء جريمة الإبادة الجماعية، استُشهد أكثر من 949 رياضياً، بينهم 110 من الأشبال و179 من الحركة الكشفية، إضافة إلى 288 من مختلف الاتحادات الرياضية[iv]. كما تعرّض عدد كبير من الرياضيين/ات لبتر أطرافهم، رأسمالهم الرياضي، في محاولة واضحة لإعطاب الجسد الفلسطيني، ليس كفرد فحسب، بل كجسد جماعي قادر على الفعل والحلم والمنافسة.

ولم يقتصر الاستهداف على الأفراد، بل طال البنية الرياضية ذاتها، حيث تعرّضت 269 منشأة رياضية[v] في قطاع غزة للهدم الجزئي أو الكلي، بما في ذلك مقرات المجلس الأعلى للشباب والرياضة، واللجنة الأولمبية الفلسطينية، واتحاد كرة القدم، والحركة الكشفية. كما امتدت الهجمات إلى الملاعب الرياضية، التي تحوّلت من فضاءات للعب والحياة النابضة إلى أماكن قمع واحتجاز جماعي، تُمارَسُ فيها السّلطة والقوّة بهدف إشباع الرغبة الإسرائيلية النهمة في الانتقام الذي لا يشبع، كما جرى في ملعب اليرموك، وملعب فلسطين، وملعب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

المصدر: صور منتشرة عبر الإنترنت – منصة إكس

 

وفي قلب هذا المشهد، لا يمكن نسيان شهداء الحركة الرياضية من سليمان العبيد، الملقب بـ"بيليه فلسطين"، الذي قُتل بقذيفة أثناء انتظاره في طابور للحصول على مساعدات غذائية؛ وبطلة الكاراتيه نغم أبو سمرة، وديب حسين، بطل مصارعة الذراعين، ومحمد السطري، بطل كرة القدم؛ فضلًا عن عشرات الرياضيين مبتوري الأطراف، إلى جانب المعتقلين في الضفة الغربية، مثل أبطال فلسطين في كمال الأجسام، كمعزّز عبيات، وسمير الترتير، وغيرهم كثر ممّن كانت أجسادهم ساحة مواجهة، فاضمحلّت عضلاتهم بفعل سياسة التجويع والتعذيب، في استكمال فصول الإبادة داخل السجون الإسرائيلية.

المصدر: AP photo/ Mahmoud Illean

 

تسخير الملاعب كقوّة سياسية

تاريخيًا، لم تكن الملاعب يومًا بمنأى عن الطغيان، إذ جرى توظيف الفضاءات المُخضرّة التي يُفترض أن تكون ساحات فرح وتنافس شريف، مراراً، لخدمة مشاريع الاستعمار، أو لتلميع الديكتاتوريات العسكرية، أو لخداع الشعوب تحت ستار الاحتفال. ففي تشيلي، عقب انقلاب الجنرال أوغستو بينوشيه، اقتيد آلاف المعارضين إلى ملعب سانتياغو الوطني[vi]، حيث اعتُقلوا وعُذّبوا في مشهد فجّ وانقلاب الرياضة إلى أداة قمع.

وبعد ذلك بسنوات، بلغت هذه الممارسات ذروة أكثر فجاجة في الأرجنتين خلال استضافتها كأس العالم عام 1978، حين عجّ ملعب بوينس آيرس بأكثر من 67 ألف متفرج، بينما كانت الديكتاتورية العسكرية تدير معسكرات اعتقال وتعذيب على بعد ميل واحد فقط[vii]. وعليه، طغت هتافات المشجعين/ات على أنين المعتقلين/ات، وكأن ضجيج "الفرح المصطنع" في مدرّجات الملعب كاتماً لصوت آلاف المختفين قسراً، الذين بُدّدت مصائرهم في غياهب النسيان، فمنهم من قُتل أو أُلقي به حيّاً من الطائرات في عرض البحر. وقد أشارت التقديرات إلى اختفاء نحو 5000 مواطن أرجنتيني[viii] قبل البطولة وحدها.

لم يكتفِ النظام العسكري الأرجنتيني بذلك، بل أمر الجنرال المنقلب خورخي فيديلا ببناء ما عُرف لاحقاً بـ"جدار العار" للفصل بين الأحياء الغنية والفقيرة، لكي تبدو البلاد بمظهر حضاري أمام الزائرين والسياح من روّاد كأس العالم. وللتغطية على الجريمة، رفع بروباغندا مفادها أن "25 مليون أرجنتيني ينظمون كأس العالم"، في وقت كانت البلاد تغرق في أزمة اقتصادية خانقة، جعلتها الأولى عالمياً في نسب التضخم.

ورغم ذلك، خُصّص أكثر من 700 مليون دولار[ix] لتنظيم البطولة، على حساب الفقراء الذين هُدمت أحياؤهم ونُقل الآلاف منهم للعيش في الصحراء، في ظل سياسات نيوليبرالية قاسية فرضت بالقوة من روّاد مدرسة شيكاغو، ورافقتها موجة إرهاب منهجي شملت الاختطاف، والاعتقال دون تهم، والاغتيالات السياسية، وتعذيباً وحشياً شمل الاغتصاب، وكسر الأطراف، وفقء العيون، والكيّ بالنار. ومع كل ذلك، قُدّم كأس العالم وقتها بوصفه "تطبيعاً للحياة".

أنظمة الضبط والمراقبة

في فلسطين المُحتلة، تتخذ محنة الملاعب شكلًا مختلفًا، لكنها لا تقل قسوة. فمن تشيلي إلى الأرجنتين، وصولًا إلى غزة، تتكرر السياسة ذاتها في الضفة الغربية، قتل أي فضاء حرّ للعب والهوية. يتجسّد هذا الاستهداف بوضوح في ملعب مخيم عايدة في بيت لحم، والذي تعادل مساحته نصف ملعب كرة قدم وفق المعايير الرسمية[x]، وهو الملعب الوحيد الذي يخدم قرابة 250 طفلًا/ة، إضافة إلى 500 شاب/ة من المنطقة، مُشكّلاً متنفسّهم الوحيد في مخيم يُعدّ الأكثر تعرضًا للغاز المسيّل للدموع في العالم[xi]، حسبما أظهرته دراسة أجراها باحثون في جامعة كاليفورنيا/ بيركلي. ويعدّ ذلك مؤشراً صادماً على طبيعة العنف المُمَنْهَج الذي يتعرض له سكان المخيم، ولا سيّما أطفاله القاطنين بمحاذاة جدار لعين يحجب عنهم الشمس، وتسجّل كاميرات المراقبة المركّبة على أبراجه كلّ حركة يقوم بها الأطفال.

يُذكّرنا المشهد المرعب، الذي يجسّده جدار الضمّ والتوسّع العنصري، والذي أعلنت محكمة العدل الدولية عدم شرعيته عام 2004، برواية (1984) لجورج أورويل، حيث يحكم "الأخ الأكبر" المجتمع بقبضة ديكتاتورية مطلقة عبر نظام مراقبة شامل لا يترك مجالًا للهرب، وذلك عن طريق شاشات العرض المنتشرة لرصد كل حركة وهمسة. مع فارق التمايز الاستعماري الإحلالي في فلسطين؛ تنتصب اليوم كاميرات المراقبة على "جدار العار"  بمحاذاة ملعب المخيم، في نظام ضبط كامل للسلوك، محوّلاً الفضاء العام إلى سجن مفتوح.

المصدر:  REUTERS/Ammar Awad

 

قوننة العقاب في محكمة الجلّاد.. الاستنزاف.. فالتهجير

وبالرغم من الطّعن[xii] القائم قيد النظر به في محكمة الجلّاد، وحتى في حال نجاحه بالتفنيد؛ لا تُلغى أوامر الهدم بموجب القوانين الإسرائيلية، وإنما يصار إلى تأجيلها فقط، دون أي ضمانات زمنية أو قانونية. تعمل المنظومة الصهيونية على الاصطياد في وكر القوانين المصممة لانتهاك حيوات الفلسطينيين، بوصفها أدوات قسرية تُجبر العائلات والمجتمع الفلسطيني على خوض نزاعات قضائية مطوّلة ومكلفة دون أفق قانوني واضح، ما يُولّد عبئاً مالياً وإنهاكاً اقتصادياً، كما هو الحال في الطعن القائم في المحكمة الإسرائيلية.

وبالتالي، يتحول القضاء من آلية حماية إلى أداة استنزاف ممنهجة، تؤجََل إلى أجل غير مسمى دون حماية حقيقية. والجدير ذكره، وحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، فقد تم هدم 1400 منشأة، وإخطار بهدم 991 منشأة أخرى[xiii] في الضفة خلال عام 2025 لوحده.

يمارس الاحتلال هذه السياسة الجرمية لإحداث ضغط غير مباشر على السكان، معيداً تشكيل الواقع الديمغرافي تحت ستار القانون. وبهذا، يتحول الجدار غير الشرعي إلى مرجع قانوني[xiv] تُبنى عليه سياسات الهدم التي تتجاوز التهديدات المكانية إلى إرهاقٍ اقتصادي واجتماعي، مُرغمة اللاجئين على النزوح من جديد، في فصل آخر من فصول النكبة المستمرة، وبالتالي: التهجير القسري.

 

المصدر: REUTERS/Ammar Awad

الهدم الذاتي

أما التكتيك المتبع في الهدم الذاتي[xv]، القائم على التخيير الزائف: "فإما أن تهدم بيتك بيدك، أو نهدمه ونجبي منك تكلفة الجرافة"، فهو ليس إجراءً إدارياً، بل آلية قهر بالغة القسوة. إذ لا يُنظر للملكية، سواء كانت بيتاً أو ملعباً، بوصفها مكاناً فحسب، بل كثمرة عمر، وذاكرة متراكمة، وكرامة جماعية.

تبدأ الجريمة بقوننة القرار وتسويغه بالإشارة إلى "مخالفة قانونية"، تُجبر أفراد المجتمع، المالكين الحقيقين للعقار أو الأرض، على تنفيذ العقوبة القسرية بأيديهم، في أوج السيطرة والتحكم، واستخدام الذات الفلسطينية كأداة ممتدة للعنف، والأهم: لإخفاء الجاني الحقيقيّ، وإنتاج إذلال داخلي لا يُمحى. فكل حجر يسقط أو فأس تعكر صفو العشب، أو تفكيك لشبكة مرمى، يصبح ضربة جزاء في الجسد والذاكرة معاً، في عملية محو للذات وإعادة صياغة قسرية للعلاقة بين الإنسان ومكانه، دون سقوط قطرة دم، لكن بنتيجة أعمق: بيت مهدوم، وذاكرة مكسورة، وكرامة مسحوقة. وهكذا، يتأكّدُ بأن أقسى أشكال العنف، ليست تلك التي تُمارَس بالسلاح والقنابل فقط، بل تلك التي تُجبر الإنسان على استخدام يده ضد نفسه.

خنق مركّب للأطفال

في هذا السياق، لا يبدو التهديد بهدم ملعب المخيم إلا حلقة إضافية في سياسة تخنق أحلام الأطفال بشكل مضاعف، ما بين غاز يملأ الصدور، وفضاء لعب مهدد بالزوال، ومستقبل يُحاصَرُ منذ الطفولة. فالاعتداء هنا لا يطال الأجساد وحدها، بل يمتد ليطال الخيال ذاته، والحقّ في اللّعب، ومعنى الطفولة، وأحلام المستقبل. وليس ملعب المخيم حالة استثنائية لقتل كل فضاءات اللعب التي تمنح أحفاد اللاجئين فرصة للحياة، وإنما واحداً من منشآت رياضية كاملة، ناهيك المنتزهات والحدائق العامة، كما حدث مؤخرا في منتزه كفر نعمة والقبيبة والمغيّر وغيرها.

المصدر:  avaaz

حملة AVAAZ للضغط على "إسرائيل"

بجانب التعاطي والانخراط في معارك قانونية خاسرة بطبيعتها؛ أطلقت منصة آفاز(avaaz) حملة تواقيع دولية[xvi]، احتجاجاً على القرار الجائر، تخاطب في متنها رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، جياني إنفانتينو، ورئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا)، ألكسندر تشيفرين، للضغط على "إسرائيل" لِكَفِّ شرّ الهدم، باعتباره انتهاكا لحقوق الإنسان في العيش واللعب والحياة الكريمة. ومع ذلك، ما يزال تهديد (الكاتيربيلر) قائماً، فيما تبرك جرّافة D9 على مرمى برج مراقبة فقط!

من تشيلي إلى الأرجنتين إلى غزة، وصولًا إلى ملعب مخيم عايدة، يصرّ فتية وفتيات المخيم على تحويل الملعب إلى فضاء مواجهة رياضية، ومنصة تعبير جماعي عن الانتماء الوطني ورفض القهر، عبر مواصلة اللعب، وتحويل حركة أجسادهم المصقولة على العشب المُخضَرّ، والممزوجة بأصوات هتاف: "فلسطين حُرّة" التي تصدح من المدرجات، إلى تظاهرة وفعل مقاومة في وجه سياسة الهدم.

هذا بالضبط ما دعا له منذر عميرة[xvii]، رئيس مركز شباب مخيم عايدة، لحراسة حلم فتية وفتيات المخيم، الذي نما شيئا فشيئا مع كل تدريب حاك أمانيهم وصقل موهبتهم، في الانضمام إلى المنتخب الوطني والتنافس لتمثيل فلسطين عالمياً، مشيراً أن لدى المخيم أربع زهرات (تتراوح أعمارهن بين 12-15 عاماً)، وهنّ عضوات في المنتخب الوطني، يتدربن يومياً، ويطمحن لتحقيق الانتصارات الرياضية لفلسطين. واصل عميرة موجهاً دعوة صريحة لرياضيي فلسطين والعالم للانضمام إلى تظاهرة الأجساد وزيارة الملعب وعقد تدريبات للأطفال فيه، ليصبح الملعب أكثر من مساحة للعب، بل مساحة للصمود والأمل، حين تتحول كل ركلة إلى رسالة رفض للظلم وانتصار لإرادة الحياة.

 

المصدر: REUTERS/Ammar Awad

هند شريدة*: كاتبة وصحفية مقدسية.

المصدر: الدراسات الفلسطينية.

 

 

[i] Lubna Masarwa, “Israel is threatening to demolish a popular West Bank youth football pitch” Middle East Eye, 05/12/2025.

 

[ii]Bethlehem camp's ‘lifeline' football field faces Israeli demolitionRadio France Internationale, 19/12/2025.

 

[iii] منصة "توثيق استهداف وتدمير القطاع الرياضي في فلسطين"، مؤسسة الدراسات الفلسطينية.

 

[iv] المصدر نفسه.

 

[v] المصدر نفسه.

 

[ix]Protest and the 1978 World Cup” National Football Museum, 21/11/2024.

 

[x] "بعد خنق مخيم عايدة بالجدار.. الاحتلال يقرر هدم متنفّس أطفاله"، "الأيام" نقلاً عن وكالة الأنباء الفرنسية، 20/12/2025.

 

[xi]Aida Camp: ‘No escape' from Israel's indiscriminate use of tear gas”, Medical Aid For Palestinians, 05/01/2018.

 

[xii] "بعد خنق مخيم عايدة بالجدار.."، مصدر سبق ذكره.

 

[xvi]Israel Vs Football” Avaaz.

 

[xvii] مقابلة هاتفية مع منذر عميرة بتاريخ 20/1/2026.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت