في خطوة وُصفت بأنها مفصلية في مسار التحول من “السلطة” إلى “الدولة”، نشرت اللجنة الوطنية المكلّفة بصياغة دستور دولة فلسطين المسودة الأولى لدستور مؤقت، فاتحةً باب النقاش العام لمدة ستين يومًا أمام المواطنين والقوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والخبراء. غير أن هذه الخطوة، على أهميتها الرمزية والسياسية، أثارت نقاشًا واسعًا حول توقيتها ومضمونها وقدرتها الفعلية على معالجة تعقيدات الواقع الفلسطيني تحت الاحتلال.
محاولة تأسيس شرعية دستورية
يأتي نشر المسودة في سياق تحولات سياسية إقليمية ودولية، أبرزها تزايد الاعتراف الدولي بدولة فلسطين خلال العام الماضي، إلى جانب ضغوط دولية لإجراء إصلاحات في مؤسسات السلطة الفلسطينية. وقد كُلّفت لجنة تضم خبراء قانونيين وسياسيين في أغسطس الماضي بصياغة دستور مؤقت يهدف إلى تنظيم المرحلة الانتقالية “من السلطة إلى الدولة”.
وتستند المسودة، التي تتكون من 162 مادة، إلى وثيقة إعلان الاستقلال لعام 1988، وتؤكد مبادئ الديمقراطية والتعددية السياسية وسيادة القانون وحقوق الإنسان، كما تنص على أن الشعب الفلسطيني هو مصدر السلطات وأن القدس عاصمة دولة فلسطين، مع التأكيد على حق تقرير المصير وحق العودة.
لكن المفارقة الأساسية التي يطرحها النقاش السياسي والقانوني هي أن هذه الوثيقة تحاول بناء إطار دستوري لدولة ما تزال تحت الاحتلال ومن دون سيادة فعلية على الأرض.
صلاحيات واسعة للرئيس
من أبرز النقاط التي أثارت الجدل في المسودة اتساع صلاحيات رئيس الدولة. إذ تمنحه المواد الدستورية سلطات تشمل:
-
تعيين رئيس الحكومة ورئيس المحكمة الدستورية،
-
حل مجلس النواب ضمن شروط محددة،
-
إصدار قرارات لها قوة القانون في حالات الضرورة،
-
إعلان حالة الطوارئ،
-
تعيين جزء من أعضاء المحكمة الدستورية.
ويرى منتقدون أن هذه الصلاحيات قد تُضعف مبدأ الفصل بين السلطات إذا لم تُرفق بضمانات رقابية قوية، خاصة في ظل تجربة سياسية طويلة اتسمت بغياب الانتخابات الدورية.
في المقابل، يرى مؤيدون أن المرحلة الانتقالية قد تتطلب نظامًا تنفيذيًا قويًا قادرًا على إدارة مرحلة بناء الدولة.
جدل المادة 79 وانتقال السلطة
أثارت المادة 79 نقاشًا خاصًا، إذ تنص على أن رئيس مجلس النواب يتولى مهام رئيس الدولة مؤقتًا عند شغور المنصب، وليس نائب الرئيس. كما تفرض إجراء انتخابات خلال 90 يومًا.
ويرى بعض السياسيين أن هذه المادة تتعارض مع ترتيبات سياسية سابقة استحدثت منصب نائب الرئيس، وقد تفتح الباب لأزمات دستورية في حال غياب المجلس التشريعي أو تعذر إجراء انتخابات.
الديمقراطية بين النص والتجربة
تؤكد المسودة على:
-
الانتخابات الدورية،
-
حرية الرأي والصحافة،
-
استقلال القضاء،
-
المساواة بين المواطنين،
-
التعددية الحزبية.
غير أن منتقدين يشيرون إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في النصوص، بل في تطبيقها، خصوصًا في ظل غياب انتخابات رئاسية منذ عام 2005 وتعثر الانتخابات التشريعية في السنوات الأخيرة.
ويحذر بعض الأكاديميين من أن المسودة تبدو أقرب إلى دستور دولة مستقرة ذات سيادة كاملة، بينما لا تقدم تصورًا واضحًا لإدارة دولة تحت الاحتلال أو لدمج مشروع التحرر الوطني في البنية الدستورية.
تعديل الدستور ومخاوف تهميش الشعب
من النقاط المثيرة للجدل أيضًا المادة 155 التي تسمح لرئيس الدولة أو لثلث أعضاء مجلس النواب بطلب تعديل مواد الدستور المؤقت. ويرى منتقدون أن هذه الصيغة قد تمنح السلطة التنفيذية تأثيرًا كبيرًا على العقد الدستوري، إذا لم يُربط التعديل باستفتاء شعبي ملزم.
في المقابل، يدعو بعض القانونيين إلى التعامل مع المسودة بوصفها وثيقة انتقالية قابلة للتطوير وليست دستورًا دائمًا.
بين الرمزية السياسية والواقع الميداني
يمثل نشر المسودة محاولة لتعزيز صورة الدولة الفلسطينية في المحافل الدولية، خاصة مع تزايد الاعتراف الدولي بها. لكنه يأتي في وقت:
-
تتسارع فيه وتيرة الاستيطان الإسرائيلي،
-
يستمر فيه رفض الحكومة الإسرائيلية قيام دولة فلسطينية،
-
ويعيش الفلسطينيون انقسامًا سياسيًا ومؤسساتيًا طويلًا.
لذلك يرى مراقبون أن التحدي الأساسي ليس فقط صياغة دستور، بل بناء توافق وطني ومؤسسات شرعية قادرة على تطبيقه.
خطوة تأسيسية أم وثيقة نظرية؟
يمثل مشروع الدستور المؤقت محاولة لوضع الأساس القانوني لدولة فلسطينية مستقبلية، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالًا جوهريًا:
هل يمكن للدستور أن يصنع الدولة، أم أن الدولة هي التي تمنح الدستور معناه؟
بين التفاؤل الحذر والانتقادات الجوهرية، يبدو أن المسودة الحالية ليست نهاية النقاش الدستوري الفلسطيني، بل بدايته الفعلية.
لتحميل النسخة: مسودة الدستور المؤقت لدولة فلسطين
