مع استمرار الانتهاكات الإسرائيلية في غزة والضفة، الفلسطينيون يستقبلون رمضان "حزينا" مجددا

نازحون يزينون خيامهم المتهالكة بالفوانيس وسلاسل الأضواء استعدادًا لقدوم شهر رمضان. ويعانون ظروفًا قاسية نتيجة الحرب، إذ يفتقرون إلى أبسط مقومات الحياة، بما في ذلك المأوى الآمن والغذاء والماء والملابس النظيفة. ١٥ فبراير ٢٠٢٦، مدينة غزة. تصوير: مطر الزاق

 يستعد الفلسطينيون لاستقبال شهر رمضان المبارك، المقرر حلوله يوم الأربعاء أو الخميس، حسب التقويم الهجري، في ظل استمرار الانتهاكات الإسرائيلية في قطاع غزة والضفة الغربية، مما يجعل الكثير يصفونه بأنه "رمضان حزين"، آخر يمر عليهم وسط توتر وأوضاع إنسانية صعبة.

وعلى الرغم من سريان وقف إطلاق النار في قطاع غزة منذ أكتوبر الماضي، فإن الهجمات الإسرائيلية استمرت، حيث استشهد 11 فلسطينيا أمس الأحد في مناطق متفرقة من القطاع الساحلي، في أحدث خرق للاتفاق، بحسب مصادر طبية ومحلية.

وفي الضفة الغربية والقدس، يخشى الفلسطينيون من أن يتحول شهر رمضان إلى نقطة اشتعال للاشتباكات مع القوات الإسرائيلية، في ظل تصاعد المداهمات وتشديد الإجراءات الأمنية خلال الشهر الفضيل.

وفي تصريحات منفصلة لوكالة أنباء (شينخوا)، عبّر فلسطينيون عن مخاوفهم من أن يقتصر رمضان هذا العام على أداء الشعائر الدينية دون أي مظاهر احتفالية أخرى، في وقت تتواصل فيه العمليات العسكرية في غزة والتضييقات في الضفة الغربية والقدس.

في مدينة غزة، بدا سوق الزاوية في البلدة القديمة، القريب من "الخط الأصفر" وهو خط انسحاب الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة خلال المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار بين حركة حماس وإسرائيل، على غير عادته في مثل هذه الأيام خاليا من المشترين، فيما تكدست بضائع التجار على الرفوف.

ويقول سامح البيطار، الذي يمتلك دكانا صغيرا لبيع البهارات في السوق الشعبي، لوكالة أنباء (شينخوا) إنه يفتقد أجواء رمضان في السنوات التي سبقت الحرب.

ويضيف البائع الأربعيني "كنا نزين البيوت والشوارع وحتى الأسواق والمحلات، لكن اليوم كل شيء في غزة حزين، اللون الأسود أصبح هو اللون الشائع في هذه المدينة".

ويتابع البيطار، الذي استشهد اثنان من أبنائه في قصف إسرائيلي، قائلا "الحرب لم تنته، كل يوم هناك خروقات، هناك قتلى وجرحى يسقطون، الجيش يقلص مساحة قطاع غزة ويقرب الخط الأصفر من المناطق التي نعدها آمنة، نحن نعيش مأساة، وكل يوم يلوح مسؤول إسرائيلي بعودة الحرب".

ويعرب البيطارعن خشيته من أن يقتصر رمضان هذا العام أيضا على أداء الشعائر الدينية فقط، دون زيارات عائلية أو إفطارات جماعية كما كان الحال قبل الحرب.

ووفقا لأرقام وزارة الصحة في غزة، استشهد منذ سريان وقف إطلاق النار في العاشر من أكتوبر الماضي 603 فلسطينيين وأصيب 1618 آخرون، فيما ارتفعت الحصيلة الإجمالية منذ أكتوبر 2023 إلى 27063 قتيلا و 171726 جريحا.

وفي الضفة الغربية، لا يختلف المشهد كثيرا، إذ تتواصل المداهمات والاعتقالات في عدد من المدن والمخيمات، بالتزامن مع تشديد الحواجز العسكرية على مداخل القرى والبلدات، ما يقيّد حركة الفلسطينيين ويؤثر على حياتهم اليومية مع اقتراب شهر رمضان.

وتشهد مدن مثل نابلس وجنين وطولكرم مواجهات متفرقة بين شبان فلسطينيين والقوات الإسرائيلية، فيما تتزايد شكاوى السكان من اقتحام المنازل ليلا وتنفيذ حملات اعتقال واسعة، إلى جانب توسع الأنشطة الاستيطانية ومصادرة الأراضي في مناطق مختلفة من الضفة.

كما يخشى فلسطينيون من أن تؤدي الإجراءات الأمنية المشددة خلال الشهر الفضيل إلى زيادة الاحتكاك، خاصة في محيط المواقع الدينية ونقاط التماس، في ظل دعوات فلسطينية للحفاظ على الطابع الديني والروحي لرمضان، مقابل استعدادات إسرائيلية معلنة لتعزيز القوات وفرض قيود إضافية على الحركة والتجمع.

وفي مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية، تتجسد هذه المخاوف بشكل أوضح، لا سيما في المنطقة المحيطة بالحرم الإبراهيمي، حيث يعيش الفلسطينيون في ظل وجود عسكري مكثف وبؤر استيطانية داخل قلب المدينة القديمة.

ويشتكي السكان من القيود المفروضة على الدخول والخروج عبر الحواجز المنتشرة في محيط الحرم، والتي تزداد عادة خلال شهر رمضان، سواء من خلال تحديد أعداد المصلين أو فرض قيود عمرية، ما يفاقم حالة التوتر ويهدد بتحول أي احتكاك محدود إلى مواجهات أوسع.

ويقول سعيد العويوي (50 عاما)، الذي يعيش بالقرب من الحرم الإبراهيمي، لـ (شينخوا) إن "كل المؤشرات تدل على أن شهر رمضان الوشيك سيكون صعبا للغاية"، معربا عن مخاوفه من تصاعد هجمات المستوطنين تحت حماية الجيش الإسرائيلي، بحسب قوله.

ويوضح أن الجيش الإسرائيلي بدأ بالفعل بفرض قيود ووضع حواجز إضافية في محيط الحرم، مشيرا إلى أن تحديد أعداد وأعمار المصلين خلال رمضان يسهم في زيادة التوتر.

وكانت الحكومة الإسرائيلية قد صادقت أمس الأحد، ولأول مرة منذ عام 1967، على بدء عملية تسجيل الأراضي في مناطق الضفة الغربية، بحسب ما أعلن وزير الجيش يسرائيل كاتس ووزير العدل ياريف ليفين ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، وفقا لهيئة البث الإسرائيلية (كان).

ويدور الحديث، بحسب الهيئة، عن خطوة سياسية وقانونية واسعة النطاق تهدف إلى تسوية تسجيل الأراضي في المنطقة وتصنيف مساحات واسعة كـ"أراضي دولة" وتسجيلها رسميا باسم إسرائيل.

وحذرت الرئاسة الفلسطينية في بيان من الخطوة الإسرائيلية ووصفتها بأنها "مخالفة للقانون الدولي".

وقالت إن المصادقة الإسرائيلية تمثل "بمثابة ضم فعلي للأرض الفلسطينية المحتلة وإعلانا ببدء تنفيذ مخططات ضم الأرض الفلسطينية بهدف تكريس الاحتلال عبر الاستيطان غير الشرعي، ويشكل إنهاء للاتفاقيات الموقعة".

وتأتي مصادقة الحكومة الإسرائيلية بعد أيام من اعتماد المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية والسياسية في إسرائيل (الكابنيت) حزمة قرارات قالت هيئة البث إنها تهدف إلى تغيير الواقع القانوني والمدني في الضفة الغربية، وتشمل إلغاء قانون أردني كان يحظر بيع الأراضي لليهود، ونقل صلاحيات التخطيط والبناء في مدينة الخليل والحرم الإبراهيمي وأماكن دينية أخرى إلى مؤسسات التخطيط التابعة للإدارة المدنية الإسرائيلية، إلى جانب نشر سجلات الأراضي وتسهيل إجراءات شراء الأراضي.

وسيطر الجيش الإسرائيلي على الضفة الغربية في حرب عام 1967، وأُقيمت فيها مستوطنات يعتبرها المجتمع الدولي "غير شرعية".

وفي مدينة القدس، وقف الشاب عبد الرحمن العلمي (22 عاما) على مقربة من باب العامود، أحد أبواب البلدة القديمة، قائلا "لم يتبق سوى أيام قليلة، وقد يُحرم من هم في عمرنا من الدخول والصلاة في المسجد الأقصى".

وأضاف في حديثه لـ (شينخوا)) أن السلطات الإسرائيلية تشدد القيود خلال شهر رمضان من خلال إقامة الحواجز، والبوابات الإلكترونية وعمليات التفتيش والإبعاد خارج البلدة القديمة.

وأشار إلى أن أجواء رمضان في القدس تغيرت منذ اندلاع الحرب على غزة، قائلا "في السنوات السابقة كنا نشارك في الإفطارات الجماعية داخل الحرم، وكانت الأسواق والبيوت تتزين بالأضواء، أما اليوم فكل شيء تغير".

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - غزة/رام الله (شينخوا)