من «الدوائر الثلاث» إلى «طوفان الأقصى»… عاطف سالم يكشف خبايا التفكير الإسرائيلي وخطط التهجير

السفير عاطف سالم سيد الأهل

في حلقة خاصة من برنامج "الجلسة سرية" الذي يقدمه الإعلامي سمير عمر عبر شاشة "القاهرة الإخبارية"، استضاف البرنامج السفير عاطف سالم سيد الأهل، سفير مصر الأسبق لدى إسرائيل، في حوار سياسي موسع تناول تطور الدبلوماسية المصرية، وتحولات العقيدة الأمنية الإسرائيلية، وكواليس إدارة الأزمات داخل الدولة العبرية، وصولاً إلى ملف التهجير والانقسام الفلسطيني.

مفارقة الميلاد… والسياسة أبعد من الرمزية

بدأ الحوار الذي تابعته "وكالة قدس نت للأنباء" بإشارة إلى تاريخ ميلاد السفير في 22 يوليو 1958، المتزامن مع ذكرى ثورة يوليو، وهي مفارقة تتكرر داخل أسرته. غير أن السفير استبعد أي دلالات رمزية، مؤكدًا أن التاريخ تصنعه القرارات لا المصادفات، لينتقل النقاش إلى تأثير ثورة 23 يوليو على تشكيل العقل الدبلوماسي المصري.

الدوائر الثلاث… بين الثبات والتطوير

أوضح السفير أن ثورة يوليو أرست مفهوم «الدوائر الثلاث»: العربية، والأفريقية، والإسلامية/العالم الثالث، باعتبارها أطرًا لتحرك السياسة الخارجية المصرية.

لكنه شدد على أن هذه المحددات لم تعد كافية وحدها، إذ اتسعت اليوم لتشمل:

البعد الاقتصادي كأداة تأثير رئيسية.

البعد الأمني في ظل التهديدات غير التقليدية.

البعد الجيوسياسي خاصة في مناطق مثل القرن الأفريقي.

وأشار إلى أن الفكر الأمني في الدول يتغير باستمرار، مستشهدًا بإسرائيل التي عدّلت عقيدتها الأمنية منذ وضع ديفيد بن جوريون أسسها، وصولًا إلى مراجعات كبرى بعد حرب غزة الأخيرة.

2006… عام التحولات الكبرى

استعاد السفير تجربته قنصلًا في إيلات عام 2006، واصفًا العام بأنه محطة فارقة. ففي ظل حكومة إيهود أولمرت، اندلعت حرب لبنان الثانية بين إسرائيل وحزب الله، بالتزامن مع صعود حركة حماس إلى الحكم في غزة.

وكشف أن الحرب أدت إلى نزوح واسع من شمال إسرائيل إلى الجنوب، مع لجوء نحو مليون شخص إلى الملاجئ، في مشهد أربك الداخل الإسرائيلي وأعاد طرح تساؤلات حول الجبهة الداخلية وقدرتها على الصمود.

وأوضح أن السفارة المصرية تابعت تفاصيل إدارة الأزمة، بما في ذلك تطبيق «قانون المخابئ» الذي يفرض تجهيز كل منزل بغرفة محصنة، وفتح مخازن السلاح، وكيفية التنسيق بين المؤسسات الأمنية.

لجان التحقيق… آلية تصحيح المسار

لفت السفير إلى أن إسرائيل شكّلت نحو 16 لجنة تحقيق منذ 1968 لدراسة الإخفاقات العسكرية والسياسية، من بينها لجان بعد حرب 2006، بهدف تقييم الخسائر والمكاسب.

وأشار إلى أن هذه اللجان غالبًا ما تشكل بإشراف قضائي، لكنها لم تُنشأ رسميًا بعد أحداث «طوفان الأقصى»، في ظل رفض رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو تشكيل لجنة رسمية، واقتراحه لجنة سياسية «متوازنة» بدلًا منها، على غرار لجنة 11 سبتمبر الأمريكية.

«المطبخ السياسي»… تداخل المدني والعسكري

تحدث السفير عن ما يُعرف بـ«المطبخ السياسي» الذي أسسه بن جوريون، وهو إطار يجمع العسكريين والمدنيين لدراسة القرارات المصيرية. وأوضح أن هذه الآلية استمرت في عهد إسحاق رابين ويتسحاق شامير، مع تعدد دوائر المشاورات الأمنية.

وبيّن أن جهاز «أمان» (المخابرات الحربية) يمثل المرجعية الأساسية في التقدير الاستراتيجي، متقدمًا أحيانًا على «الموساد» و«الشاباك»، وأن رئيس الحكومة يمتلك صلاحيات واسعة تطورت تاريخيًا، تشمل تعيين وعزل قادة الأجهزة الأمنية.

الانقسام الفلسطيني… دعم غير مباشر؟

في قراءة لملف غزة، قال السفير إن إسرائيل ساهمت في ترسيخ الانقسام الفلسطيني منذ بدايات ظهور الشيخ أحمد ياسين، مشيرًا إلى أن تل أبيب تعاملت مع حركة حماس وفق مصالحها المرحلية.

وأوضح أن هذا النهج استمر بعد سيطرة حماس على غزة عام 2007، حيث جرى إضعاف السلطة الفلسطينية وتقويض مساعي المصالحة، بما يخدم – وفق رؤيته – منع قيام دولة فلسطينية موحدة.

التهجير… فكرة قديمة تتجدد

أكد السفير أن فكرة تهجير سكان غزة ليست طارئة، بل تعود إلى خمسينيات القرن الماضي، وتكررت في أطروحات متعددة، من بينها مقترحات عام 2004 بتمديد القطاع داخل سيناء عبر تبادل أراضٍ.

وأشار إلى أن أحداث «طوفان الأقصى» أعادت إحياء نقاشات التهجير في بعض الدوائر الإسرائيلية، سواء عبر تصريحات رسمية أو دراسات بحثية.

نتنياهو… «حبيب الحريديم»

وفي تقييمه للمشهد السياسي، وصف نتنياهو بأنه سياسي ذكي يمتلك قدرة عالية على إدارة التحالفات، مستفيدًا من خبرته الدولية وعلاقاته الأمريكية، لا سيما مع الدوائر المحافظة.

واعتبر أن خطابه الداعي إلى «الدولة اليهودية» وتوسيع الاستيطان عزز علاقته بالتيار الديني (الحريديم)، وساعده على ترسيخ موقعه في السلطة، رغم الأزمات الداخلية والخلافات الأمنية التي برزت بعد «طوفان الأقصى».

خلاصة المشهد

الحوار قدّم قراءة من داخل العقل الدبلوماسي المصري لتطورات معقدة في إسرائيل والمنطقة، من ثوابت السياسة الخارجية المصرية إلى تحولات الأمن القومي الإسرائيلي، مرورًا بملف الانقسام الفلسطيني وخطط التهجير.

حلقة لم تكتفِ بسرد الوقائع، بل حاولت تفكيك بنية القرار في تل أبيب، وكيف تتقاطع السياسة بالأمن، والتاريخ بالراهن، في واحدة من أكثر ساحات الشرق الأوسط حساسية وتقلبًا.

 

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - القاهرة – (القاهرة الإخبارية)