حذر خبراء في الأمم المتحدة من مخاطر متزايدة تهدد مدينة القدس، مؤكدين أن الإجراءات الإسرائيلية المتسارعة قد تؤدي إلى تغييرات ديموغرافية ودينية وقانونية لا رجعة فيها، في وقت تتصاعد فيه الانتقادات بعد إغلاق المسجد الأقصى ومنع إقامة صلاة الجمعة فيه للأسبوع الثالث من شهر رمضان.
تحذيرات أممية من تغيير طابع القدس
أكد خبراء أمميون في بيان صادر عنهم أن القدس تتعرض لسياسات إسرائيلية متسارعة تهدف إلى تغيير تركيبتها السكانية وطابعها الديني ووضعها القانوني.
وقال الخبراء إن إسرائيل، “تحت غطاء حرب وجودية ضد الفلسطينيين”، تعمل على تسريع إجراءات من شأنها تدمير ما تبقى من النسيج التعددي للمدينة الذي شكّل عبر قرون نموذجاً للتعايش بين المسلمين والمسيحيين واليهود.
وأشار البيان إلى أن هذه السياسات تشمل عمليات قتل خارج نطاق القانون، وهدم واسع للمنازل، وتهجير قسري للفلسطينيين في القدس الشرقية، إضافة إلى فرض قيود مشددة عبر الحواجز والإغلاقات التي تعزل المدينة عن محيطها الفلسطيني وتؤثر على حياة السكان الاجتماعية والاقتصادية والدينية.
وأوضح الخبراء أن هذه الإجراءات تقوض حقوق الفلسطينيين في تقرير المصير والتنمية، مؤكدين أن الممارسات الشرطية والقيود المفروضة على حرية العبادة تهدف إلى دفع الفلسطينيين إلى الرحيل عن المدينة.
أرقام تعكس حجم الانتهاكات
ووفق البيان، فإن حجم الإجراءات الإسرائيلية في القدس “صادم”، حيث تشير التقارير إلى:
استشهاد 144 فلسطينياً في محافظة القدس بين عامي 2021 و2025.
اعتقال 11,555 فلسطينياً وسط مزاعم بالاعتقال التعسفي وسوء المعاملة.
إصدار 2,386 قرار ترحيل بحق فلسطينيين.
تنفيذ أكثر من 1,732 عملية هدم وتسوية للأراضي.
كما تواجه 33 قرية بدوية تضم أكثر من 7 آلاف فلسطيني خطر النزوح القسري نتيجة الهدم المتكرر والاستيلاء على الأراضي وحرمان السكان من الموارد الطبيعية.
وأشار الخبراء أيضاً إلى وجود تشريعات إسرائيلية تمييزية تمنع الفلسطينيين من استعادة ممتلكاتهم التي فقدوها بين عامي 1947 و1949، بينما تسمح لليهود الإسرائيليين باستعادتها، ما يعزز عمليات الإخلاء الجارية في أحياء مثل الشيخ جراح وسلوان.
وأكدوا أن هذه الإجراءات تنتهك القانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف الرابعة، وقد ترقى إلى جرائم حرب.
اقتحامات الأقصى وقيود على العبادة
وفي سياق متصل، أشار الخبراء إلى تصاعد القيود المفروضة على الوصول إلى الأماكن المقدسة في القدس، خاصة المسجد الأقصى.
وبحسب البيان، تم تسجيل 73,871 اقتحاماً للمستوطنين لباحات المسجد الأقصى خلال عام 2025، وسط تزايد وجود المستوطنين والتوغلات العسكرية في محيط المسجد.
كما حذر الخبراء من تأثير القيود الإسرائيلية على حياة الفلسطينيين الدينية، خصوصاً خلال شهر رمضان، حيث تقلص هذه الإجراءات قدرة المصلين على ممارسة شعائرهم الدينية.
استدعاء الشيخ عكرمة صبري
في سياق متصل، استدعت سلطات الاحتلال خطيب المسجد الأقصى الشيخ عكرمة صبري (87 عاماً) للتحقيق في مركز تحقيق سجن المسكوبية في القدس.
وقال صبري عقب خروجه من التحقيق إن “إغلاق المسجد الأقصى وتعطيل صلاة الجمعة لا يجوز من الناحية الدينية”.
وكانت سلطات الاحتلال قد أصدرت خلال الأشهر الماضية عدة قرارات بحق صبري، شملت منعه من دخول المسجد الأقصى ومنعه من السفر، إضافة إلى توجيه تهم تتعلق بالتحريض، كما داهمت منزله واستدعته للتحقيق عدة مرات.
وأدانت الهيئة الإسلامية العليا استدعاءه، مؤكدة أن التحقيق معه لن يضعف مكانته الدينية، معتبرة أن ما يتعرض له يمثل اعتداءً على علماء الأمة الإسلامية.
إغلاق الأقصى ومنع صلاة الجمعة
وتواصل سلطات الاحتلال إغلاق المسجد الأقصى لليوم السابع على التوالي، حيث منعت المصلين من أداء صلاة الجمعة الثالثة من شهر رمضان داخل المسجد.
وأدى آلاف المصلين الصلاة في محيط باب العامود في ظل انتشار مكثف لقوات الاحتلال في مدينة القدس.
ويعد إغلاق المسجد الأقصى يوم الجمعة إجراءً نادراً، إذ لم يحدث سوى خمس مرات منذ احتلال القدس عام 1967.
وكانت المرة الأولى في حزيران 1967 بعد احتلال المدينة، والثانية عام 2017 عقب أحداث البوابات الإلكترونية، فيما سُجلت حالتا إغلاق في حزيران 2025 خلال التصعيد العسكري مع إيران، لتسجل هذه الحالة المرة الخامسة.
دعوات لتحرك دولي
في ختام بيانهم، دعا الخبراء الأمميون المجتمع الدولي إلى اتخاذ خطوات فورية لحماية القدس وسكانها، خاصة في ضوء رأي محكمة العدل الدولية الذي اعتبر الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير شرعي.
وأكدوا أن تجاهل المجتمع الدولي لما يحدث في القدس لا يمكن اعتباره حياداً، بل قد يُعد شكلاً من أشكال التواطؤ، محذرين من أن طمس التراث التاريخي والتعددية الدينية في المدينة قد يؤدي إلى خسارة لا يمكن تعويضها.
