لم يكن اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي مجرد حادث أمني، بل شكّل زلزالًا سياسيًا ضرب قمة هرم السلطة في إيران في لحظة حرب مفتوحة، وفتح الباب على سؤال ظل يُطرح همسًا داخل طهران: من يمسك بخيوط السلطة عندما يسقط رأس النظام؟
وبينما تحاول مؤسسات الجمهورية الإسلامية استيعاب الصدمة عبر آلياتها الدستورية، يتشكل ما يمكن وصفه بـ "الفراغ المُدار"؛ دولة تستمر في العمل، وأجهزة تتحرك بحذر مضاعف، ومؤسسة دينية توازن بين مقتضيات الفقه ومتطلبات السياسة، في وقت يفرض فيه الخارج إيقاعه عبر الحرب والضغوط.
ووفقًا للمادة 111 من الدستور الإيراني، تتولى قيادة مؤقتة إدارة شؤون البلاد حتى اختيار مرشد جديد. وتتكون هذه القيادة من رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية، وأحد فقهاء مجلس صيانة الدستور.
غير أن الخلافة في إيران ليست لحظة إعلان سريعة، بل عملية معقدة لبناء إجماع داخل مؤسسات متشابكة. ومن خلال قراءة موازين القوى داخل النظام، تبرز ستة أسماء محتملة، لكل منها فرصه ومخاطره.

مجتبى خامنئي… خيار “البيت”
يتصدر اسم مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، قائمة المرشحين باعتباره الأقرب إلى دوائر القرار التي أدارت الدولة خلال العقود الماضية.
قوة هذا الخيار لا تأتي من منصب رسمي ظاهر، بل من قربه الطويل من مركز السلطة، ومعرفته بتوازنات مكتب المرشد وعلاقاته مع الحرس الثوري والمؤسسات السيادية.
في هذا السياق، يُنظر إلى مجتبى بوصفه مرشح "الاستمرار المنضبط" الذي يضمن انتقال السلطة بأقل قدر من المفاجآت.
لكن هذه الأفضلية تصطدم بعقدة حساسة: شبهة التوريث. فالموقع الذي قُدم دائمًا كمنصب مؤسسي قائم على الاختيار الفقهي قد يفقد جزءًا من رمزيته إذا بدا انتقاله امتدادًا عائليًا مباشرًا.
ولهذا فإن تسويق هذا الخيار يحتاج إلى غطاء سياسي واسع وسردية تُقدِّم التوريث بوصفه ضرورة للاستقرار لا تحولًا إلى حكم عائلي.

حسن الخميني… عودة “الاسم المؤسس”
على الضفة المقابلة يبرز حسن الخميني، حفيد مؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله الخميني.
قوة هذا الترشيح تكمن في ما يحمله الاسم من رمزية تاريخية، إذ يمثل امتدادًا مباشرًا للذاكرة التأسيسية للنظام، وهو ما قد يصبح عاملًا مهمًا في لحظة تهتز فيها الشرعية بفعل الحرب والاغتيالات.
طرح حسن الخميني يُقرأ كـ انعطاف محسوب داخل النظام، إذ يجمع بين شرعية الثورة ومرونة سياسية أكبر مقارنة بمرشح “البيت”.
كما يتمتع بحضور ديني داخل حوزة قم، ويُعرف بتدريسه البحث الخارج في الفقه والأصول، ما يمنحه غطاءً فقهيًا يسمح بطرح اسمه ضمن المعايير الدستورية.
سياسيًا، يميل خطابه إلى الاعتدال والانفتاح، ويُنظر إليه على أنه أقرب إلى التيار الإصلاحي، وهو ما قد يجعله مرشحًا مناسبًا لمرحلة تهدئة وإعادة تنظيم الداخل.
في هذا السياق، قد لا تكون عودة الخميني مجرد عودة اسم، بل عودة لمعنى الثورة بقراءة مختلفة تناسب زمنًا مختلفًا.

علي الخميني… رمز منخفض الكلفة
إلى جانب حسن الخميني، يظهر اسم شقيقه علي الخميني في بعض السيناريوهات.
وعلى الرغم من حضوره السياسي المحدود، فإن هذا قد يتحول إلى ميزة في لحظات الانسداد السياسي، إذ يمكن أن يمثل مرشحًا منخفض الضجيج يمنح النظام رمزية اسم العائلة المؤسسة دون أن يثير صراعات داخل النخبة.
في هذا التصور، لا يقوم وزنه على شبكة نفوذ واسعة، بل على قدرته على أن يكون حلاً توافقيًا يسمح للمؤسسة بإدارة التوازنات من الخلف.
حسن روحاني… خبرة الدولة
يبرز اسم الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني بوصفه نموذج “رجل الدولة”.
فقد شغل الرئاسة لثماني سنوات، ويملك خبرة طويلة في إدارة الملفات المعقدة، إضافة إلى لغة تفاوضية وقدرة على مخاطبة الداخل والخارج.
نظريًا، قد يناسب هذا الخيار سيناريو التهدئة وإعادة بناء العلاقات الدولية.
لكن في إيران، لا تكفي الخبرة وحدها. فهناك بوابات سياسية تتحكم في من يُسمح له بدخول مسار الشرعية العليا.
ويُستشهد هنا برفض أهلية روحاني لانتخابات مجلس الخبراء، ما يعكس حساسية بعض مراكز القوة تجاه خطه السياسي.
السؤال يبقى:
هل تسمح المؤسسة الصلبة بوصول شخصية تُقرأ كامتداد لخط الاعتدال في لحظة تهديد وجودي؟

صادق آملي لاريجاني… مرشح المؤسسة
يُنظر إلى صادق آملي لاريجاني بوصفه مرشحًا محافظًا من قلب المؤسسة.
فهو رجل دين وقانون شغل مواقع عليا، أبرزها رئاسة السلطة القضائية، ويترأس حاليًا مجمع تشخيص مصلحة النظام.
هذا النوع من المرشحين يتقدم عادة عندما تكون الأولوية منع الفوضى وضمان استمرارية المؤسسات.
لكن ترشيحه يرتبط أيضًا بتوازنات النخبة السياسية، وقد يحتاج إلى صفقة واسعة داخل النظام.
وفي هذا السياق يبرز دور شقيقه علي لاريجاني، أحد أبرز السياسيين في إيران، والذي شغل رئاسة البرلمان ويقود حاليًا المجلس الأعلى للأمن القومي، ويُعد لاعبًا مهمًا في إدارة التوازنات.
علي رضا أعرافي… مرشح التثبيت
في خريطة المؤسسة الدينية يبرز اسم علي رضا أعرافي.
فهو شخصية دينية محافظة تمتلك ثقلًا حوزويًا وإداريًا، كما يشغل موقعًا في مجلس الخبراء الإيراني وضمن القيادة المؤقتة التي تدير البلاد.
وجوده في قلب إدارة المرحلة الانتقالية يمنحه موقعًا عمليًا في لحظة الفراغ.
هذا الخيار ينسجم مع منطق يقول إن الحرب لا تحتمل التجريب السياسي، وأن المطلوب مرشد قادر على تثبيت النظام وحماية مؤسساته.
لكن التشدد الذي يمنحه قوة في لحظة الخطر قد يتحول لاحقًا إلى تحدٍ إذا انتقلت الأولوية من التثبيت إلى الترميم السياسي والاجتماعي.
خلاصة المشهد
الخلافة في إيران لا تُحسم عادة باسم واحد، بل بتسوية معقدة تجمع بين عدة عناصر:
البيت (دوائر الحكم)
الرمزية الثورية
المؤسسة الدينية
ضرورات الاستقرار
الحاجة إلى التهدئة
ولهذا قد يكون المرشد القادم ليس مجرد الشخص الأقوى، بل الشخص القادر على جمع هذه العناصر المتناقضة في لحظة تاريخية شديدة الحساسية.
