لمناسبة الثامن من آذار

المرأة الفلسطينية في قلب الكارثة الوطنية: استهداف ممنهج للحياة والكرامة في ظل العدوان والنزوح والفقد والاعتقال والتهميش الاقتصادي والاجتماعي

يوم المرأة العالمي.jpg

استعرض جهاز الاحصاء الفلسطيني، اليوم الاحد، اوضاع المرأة الفلسطينية عشية يوم المرأة العالمي الذي يصادف الثامن من آذار من كل عام، على النحو الآتي:

المرأة الفلسطينية: النصف الذي يحمل الكل وحضور لا يغيب وصمود لا ينحني

تحتل المرأة موقعاً استثنائياً ليس كنصف المجتمع فحسب، بل كقوته الدافعة وعماده المتين؛ فهي تحمل ثقلاً سكانياً حاسماً بنسبة تصل إلى 49% في فلسطين مع نهاية العام 2025، لترسم خريطة وجود نابضة بالحياة في ربوع الوطن كافة، بواقع 2.74 مليون امرأة (1.69 مليون امرأة في الضفة الغربية، و1.06 مليون امرأة في قطاع غزة). 

تؤدي المرأة دوراً أساسياً في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وصون الأسرة، وتعزيز الصمود الوطني، متحملة أعباءً متزايدةً في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها الشعب الفلسطيني، ومؤكدة حضورها الدائم في مواجهة التحديات وترسيخ أسس البقاء والكرامة.

شهيدات وجريحات ومفقودات ونازحات

أظهرت الأرقام الصادرة عن وزارة الصحة الحجم غير المسبوق للفاجعة الإنسانية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، حيث ارتقى في قطاع غزة 72,117 شهيداً حتى تاريخ 04 آذار من العام الحالي 2026، وكان للمرأة نصيب بالغ القسوة من هذا النزيف باستشهاد أكثر من 12,500 امرأة؛ وصلت 10,983 شهيدة منهن إلى المستشفيات حتى 31 كانون الأول/ديسمبر 2025.

كما تجاوز عدد الأمهات الشهيدات 9,000 شهيدة، في استهداف مباشر يمس جوهر الأسرة الفلسطينية ونسيجها الاجتماعي.  كما استشهدت 34 صحافية، في دلالة خطيرة على استهداف النساء، أيضاً، في أدوارهن المهنية والإعلامية.

ولم تتوقف تداعيات العدوان عند هذا الحد؛ إذ تشكل النساء والأطفال أكثر من 40% من إجمالي الجرحى البالغ عددهم 171,801 جريحاً حتى تاريخ 4 آذار من العام الحالي 2026، في وقت لا يزال فيه 9,500 مفقود تحت الأنقاض، غالبيتهم العظمى من النساء والأطفال الذين غيبهم الركام.  وتقدر الإصابات المباشرة للنساء منذ بدء العدوان بحوالي 23,769 حالة،كثيرات منهن يعانين إعاقات دائمة ويواجهن صدمات نفسية ونزوحاً متكرراً، إضافة إلى تحمل أعباء رعاية أسرهن في ظروف قاسية.   كما أسفر العدوان عن نزوح متكرر لأكثر من مليوني شخص داخل قطاع غزة، تشكل النساء ما يقارب نصفهم، في ظروف إنسانية بالغة القسوة.  وبالتوازي مع ذلك، واصل الاحتلال الإسرائيلي عدوانه في الضفة الغربية، حيث ارتقى 1,121 شهيداً من بينهم 23 شهيدة نتيجة هجمات قوات الاحتلال والمستوطنين، في واقع يؤكد أن المرأة الفلسطينية لا تزال في صلب الاستهداف، وتدفع ثمناً فادحاً في معركة البقاء والوجود حتى 04 آذار2026.

الأسيرات في سجون الاحتلال: اعتقال وتعذيب وإعدام بطيء

كشف تقرير صادر عن مؤسسات حقوق الأسرى أن العام 2025 شهد حملات اعتقال واسعة في الضفة الغربية، إلى جانب عمليات التحقيق الميداني التي طغت على المشهد، وقد وثقت خلال العام 2025 أكثر من 7000 حالة اعتقال، من بينهم 200 حالة اعتقال بحق النساء. 

وحتى 19 شباط الماضي بلغ عدد الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال الإسرائيلي أكثر من (9,300) أسير ومعتقل، من بينهم (70) أسيرة، بينهن طفلتان، يتعرضن جميعهن لمنظومة متكاملة من التنكيل والتعذيب الممنهج.

أما في قطاع غزة، فلا تتوفر معلومات دقيقة بسبب جريمة الإخفاء القسري التي يواصل الاحتلال تنفيذها بحق المعتقلات في القطاع.

22,057 أرملة، وارتفاع 50% في رئاسة النساء للأسر

تتعرض المرأة الفلسطينية في قطاع غزة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 لواقع مرير، حيث فُجعت 22,057 امرأة بفقدان أزواجهن ليصبحن أرامل، في مؤشر صادم على حجم المأساة الإنسانية والآثار الاجتماعية العميقة التي خلفها العدوان.  هذا النزيف البشري أدى إلى تحول جذري في الهيكلية الاجتماعية والاقتصادية للقطاع؛ إذ قفزت نسبة الأسر التي ترأسها نساء من 12% خلال الأشهر التسعة الأولى من العام 2023 إلى نحو 18% خلال فترة العدوان (أيلول–تشرين الأول 2025).

وتتحمل النساء وحدهن عبء إعالة الأسر ورعاية الأطفال وسد الفراغ الذي خلفه غياب المعيل الأساسي في ظل انهيار اقتصادي شامل، وتضع هذه الظروف النساء أمام تحديات اقتصادية واجتماعية ونفسية متفاقمة، مع فقدان الدخل، وتآكل شبكات الدعم، وارتفاع الهشاشة وسط ظروف معيشية قاسية.

قطاع غزة بلا عمل: الاقتصاد مشلول والبطالة تتفشى تحت وطأة العدوان

يرزح سوق العمل في قطاع غزة تحت انهيار شبه كامل بفعل العدوان، في مشهد اقتصادي يكشف اختلالات عميقة ذات بعد نوع اجتماعي.  فعلى الرغم من بقاء نسبة مشاركة النساء في القوى العاملة عند 17% (أيلول-تشرين الأول 2025)، وهي ذاتها قبل العدوان (الربع الثالث 2023)، فإن هذا الثبات يخفي واقعاً أقرب إلى الإقصاء القسري، في ظل غياب فرص العمل الفعلية. 

في المقابل، تراجعت مشاركة الرجال بصورة حادة من 63% إلى 31% نتيجة الشلل الذي أصاب مختلف الأنشطة الاقتصادية.  غير أن الصدمة الأشد تتجلى في معدلات البطالة، حيث بلغت 92% بين النساء المشاركات في القوى العاملة مقابل 81% بين الرجال، ما يعكس هشاشة مضاعفة تطال النساء في أوقات الأزمات.  

وتمتد هذه التداعيات إلى الفئات الأعلى تعليماً؛ إذ وصلت البطالة بين الشباب (19-29) من حملة الدبلوم المتوسط فأعلى، إلى 79%، بواقع 86% للإناث مقابل 70% للذكور، في دلالة واضحة على اتساع الفجوة بين الجنسين، وتآكل العائد التعليمي لدى الشابات، حتى في ظل مستويات تعليمية مرتفعة.

حين يتحول البيت إلى ركام: مأساة النزوح في قطاع غزة والضفة الغربية

في قطاع غزة، تسبب العدوان بدمار شامل طال نحو 268 ألف وحدة سكنية بشكل كلي، و148 ألفاً بشكل بالغ، إضافة إلى تضرر 153 ألفاً جزئياً، ما جرّد أكثر من 288 ألف أسرة من مساكنهم. 

ويعيش حوالي 1.4 مليون نازح في ألف موقع، معظمهم بخيام بالية أو مراكز إيواء مكتظة وغير آمنة تفتقر للخصوصية وأدنى مقومات الحياة، وتتحمل النساء والفتيات العبء الأكبر في ظل اكتظاظ خانق وانعدام الخصوصية، ما يفاقم مخاطر العنف ويحرمهن من الرعاية الصحية.  

ومنذ بداية العام 2025، أجبر الاحتلال آلاف المواطنين في مخيمات شمال الضفة الغربية (جنين، نور شمس، طولكرم) وضواحيها على النزوح القسري، ما فرض عليهم ظروفاً معيشية صعبة وترك إمكانية العودة غامضة، وتحولت العمليات العسكرية من اقتحامات محدودة إلى حملات طويلة، أدت إلى تهجير حوالي 50 ألف لاجئ وفق تقديرات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا).  

وأشارت البيانات إلى نزوح نحو 27.5 ألف فلسطيني من مخيمي طولكرم ونور شمس والمناطق المحيطة، استقر معظمهم في مدينة طولكرم وقراها، بينما نزح نحو 21 ألف شخص من مخيم جنين إلى مساكن الجامعة الأمريكية وأحياء المدينة و39 بلدة وقرية في المحافظة. 

هذا الواقع لا ينتهك الكرامة الإنسانية فحسب، بل يحوّل الحياة ذاتها إلى تهديد وجودي، وبخاصة للأطفال والنساء في بيئة سحقتها الخسارة والنزوح المستمر.

الانهيار الكارثي في القطاع الصحي: يحرم النساء في قطاع غزة من حقهن في الحياة والرعاية المتخصصة

أدى العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية؛ إذ تضررت أو دمرت نحو 94% من مرافق الرعاية الصحية، انعكس هذا الوضع على تراجع خدمات الأمومة والطفولة والطوارئ والرعاية التخصصية، وارتفاع معدلات الإجهاض، وصعوبات كبيرة في الوصول إلى الرعاية الصحية للحوامل.

وتواجه نحو 37,000 امرأة حامل ومرضع سوء تغذية حاد بين تشرين الأول/أكتوبر 2025 وتشرين الأول/أكتوبر 2026، ما ينذر بمخاطر جسيمة على صحة الأمهات والأطفال.

ويسهم سوء تغذية الأمهات في انخفاض أوزان المواليد، ما يزيد المخاطر الصحية قبل الولادة وبعدها، ويهدد نمو الأطفال وسلامتهم.

كما ارتفع معدل وفيات الأمومة إلى 145 حالة لكل 100 ألف ولادة حية العام 2024، بعد أن كان 17.4 في العام 2022، ما يعكس أثر انهيار الخدمات الصحية ونقص الرعاية الآمنة للحوامل، وفق بيانات وزارة الصحة الفلسطينية المستندة إلى صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA).

في مجال صحة النساء، يشكل سرطان الثدي نحو 30% من مجمل حالات السرطان بين النساء في قطاع غزة، بمعدل 29 حالة لكل 100,000 امرأة.

 واستمرت النساء لأكثر من سنتين على التوالي من دون خدمات الكشف المبكر والعلاج، نتيجة تدمير مراكز الرعاية الأولية ووحدات التصوير التشخيصي وغياب العلاج الإشعاعي، إضافة إلى تفاقم سوء التغذية الذي يزيد من تعقيد حالتهن الصحية.

سوق العمل في الضفة الغربية: النساء يتقدمن في المشاركة ويتأخرن في الحقوق

أظهرت بيانات مسح القوى العاملة للربع الرابع من العام 2025 إلى أن%19 فقط من النساء في سن العمل يشاركن في القوى العاملة، ويبلغ معدل البطالة بينهن 27%. 

بالمقابل، يشارك  %72من الرجال في سن العمل في القوى العاملة، ويصل معدل البطالة بينهم إلى %28، إلا أن الصورة تبدو أكثر حدة بين الشباب (19–29 سنة) من حَمَلة شهادة الدبلوم المتوسط فأعلى، حيث وصل معدل البطالة إلى 38%، بواقع 45% للإناث مقابل 28% للذكور، ما يعكس استمرار التحديات البنيوية التي تواجه الشابات المتعلمات في الاندماج بسوق العمل.

ولا تتوقف التحديات عند حاجز التوظيف، بل تمتد لتطال جودة العمل والحماية القانونية في القطاع الخاص؛ إذ تشير بيانات الربع الرابع من العام 2025 إلى أن العاملات يتعرضن إلى تمييز واضح في الأجور، إذ تتقاضى %31 من النساء أجراً أقل من الحد الأدنى 1,880) شيكلاً)، مقارنة بـ %10 فقط من الرجال.  

كما تفتقر نحو %30 من المستخدمات بأجر إلى عقود عمل رسمية، وتحرم أكثر من نصفهن (%53) من الحقوق الأساسية كإجازة الأمومة مدفوعة الأجر أو مكافآت نهاية الخدمة.

 هذا المشهد يضع المرأة في الضفة الغربية بين مطرقة البطالة التعليمية وسندان العمل الهش والمستغل، ما يضعف قدرتها على الصمود الاقتصادي في ظل الظروف الراهنة، ما يعكس ضعف منظومة الحماية الاجتماعية والعدالة الأجرية للنساء في سوق العمل.

مشاركة النساء في الهيئات المحلية: انتخابات نيسان 2026

مع اقتراب انتخابات الهيئات المحلية في نيسان 2026، تبرز الحاجة لتعزيز تمثيل النساء في الحكم المحلي، إذ لم تتجاوز نسبة النساء في رئاسة الهيئات 1%، بينما بلغت نسبة عضويتهن 21% في الضفة الغربية من العام 2024، ما يعكس فجوة قيادية واضحة. يمثل هذا الاستحقاق فرصة لتعزيز مشاركتهن وتمكينهن من لعب دور فاعل في صنع القرار المحلي.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - رام الله