عين مجلس خبراء القيادة في إيران مساء الأحد 8 آذار/مارس 2026 مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى جديدًا للجمهورية الإسلامية الإيرانية، خلفًا لوالده علي خامنئي الذي قُتل في الهجوم الإسرائيلي–الأمريكي على طهران قبل أيام.
وبهذا القرار يصبح مجتبى خامنئي القائد الثالث للجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها بعد روح الله الخميني ووالده علي خامنئي، في خطوة تاريخية تعكس استمرار نفوذ عائلة خامنئي في قمة هرم السلطة الإيرانية.
النشأة والخلفية العائلية
وُلد مجتبى خامنئي عام 1969 في طهران، وهو الابن الثاني للمرشد الراحل علي خامنئي. نشأ في بيئة سياسية ودينية مؤثرة، إذ كان والده أحد أبرز قادة الثورة الإسلامية الإيرانية 1979 التي أطاحت بحكم الشاه وأقامت نظام الجمهورية الإسلامية.
تشكل وعيه السياسي في أجواء الثورة والتحولات التي شهدتها إيران في الثمانينيات، خاصة بعد تولي والده منصب رئيس الجمهورية عام 1981، ثم انتخابه مرشدًا أعلى عام 1989 عقب وفاة مؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله الخميني.
ينتمي مجتبى إلى أسرة دينية وسياسية بارزة؛ فزوجته الراحلة زهراء حداد عادل هي ابنة السياسي الإيراني المعروف غلام علي حداد عادل، رئيس البرلمان الإيراني الأسبق.
شخصية مؤثرة داخل دوائر السلطة
رغم ابتعاده النسبي عن المناصب الرسمية لسنوات طويلة، ظل مجتبى خامنئي أحد أكثر الشخصيات نفوذًا داخل الدوائر القريبة من مركز القرار في إيران، خاصة في محيط مكتب المرشد الأعلى.
وخلال العقدين الماضيين تكرر اسمه في الأوساط السياسية والإعلامية باعتباره المرشح الأبرز لخلافة والده، نظرًا لعلاقاته الواسعة مع القيادات السياسية والدينية والأمنية.
كما ظهر في مناسبات عدة إلى جانب شخصيات بارزة في النظام الإيراني، مثل:
حسن روحاني الرئيس الإيراني الأسبق
علي لاريجاني الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي
محمد جواد ظريف وزير الخارجية الأسبق
وقد عُدّ ظهوره مع شخصيات من تيارات مختلفة مؤشرًا على شبكة علاقات سياسية تتجاوز الانقسامات التقليدية داخل النظام.
مسيرته الدينية والتعليمية
درس مجتبى خامنئي العلوم الدينية في الحوزة العلمية بمدينة قم، وهي أحد أهم مراكز التعليم الديني الشيعي في العالم.
اكتسب شهرة داخل الأوساط الحوزوية بفضل نشاطه في تدريس مرحلة "البحث الخارج"، وهي أعلى مراحل الدراسة الدينية في الفقه الشيعي.
وتشير تقارير إلى أن دروسه كانت من أكثر الدروس حضورًا في الحوزة، حيث كان يحضرها مئات الطلاب، بفضل أسلوبه الذي يجمع بين:
التنظيم المنهجي للبحث الفقهي
الاطلاع على آراء العلماء السابقين
القدرة على النقد العلمي
العرض المنطقي للأفكار
وفي عام 2023 سجّل أكثر من 1300 طالب أسماءهم لحضور درسه، قبل أن يعلن بشكل مفاجئ تعليق الدروس، وهو قرار أثار جدلاً واسعًا داخل الحوزة العلمية.
نشاطه العلمي والاجتماعي
إلى جانب التدريس، عمل مجتبى خامنئي على دعم عدد من المؤسسات العلمية والفقهية المرتبطة بالحوزة في قم، وساهم في تأسيس مدارس ومراكز بحثية دينية ذات توجه ثوري.
كما ركّز في نشاطه على تعزيز البعد الفقهي والاجتماعي للحوزة، وتشجيع طلاب العلوم الدينية على الانخراط في قضايا المجتمع، خاصة دعم الفئات الفقيرة والمحرومة.
ويشير مقربون منه إلى أنه كان حريصًا على عدم جعل شخصه محورًا للحركة العلمية داخل الحوزة، مفضلاً العمل المؤسسي وتشجيع استقلالية الطلاب والأساتذة.
وصوله إلى منصب المرشد الأعلى
جاء تعيين مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى لإيران في ظروف استثنائية، عقب الهجوم العسكري الذي شنته إسرائيل والولايات المتحدة على إيران في 28 شباط/فبراير 2026، والذي أدى إلى مقتل والده وعدد من كبار القادة العسكريين.
وأعلن مجلس خبراء القيادة، وهو الهيئة الدستورية المخولة بتعيين المرشد الأعلى، انتخابه بأغلبية ساحقة خلال اجتماع طارئ عُقد في ظل ظروف الحرب، مؤكدًا ضرورة منع حدوث فراغ في القيادة.
وجاء في بيان المجلس أن اختيار مجتبى خامنئي تم بعد "دراسات دقيقة وموسعة"، واستنادًا إلى الصلاحيات المنصوص عليها في الدستور الإيراني.
مواقف دولية مثيرة للجدل
أثار احتمال تولي مجتبى خامنئي منصب المرشد الأعلى جدلاً دوليًا خلال السنوات الماضية، إذ اعتبر بعض المراقبين أن انتقال القيادة من الأب إلى الابن قد يُفسَّر باعتباره توارثًا للسلطة داخل النظام الإيراني.
كما عبّر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عن معارضته لتوليه المنصب، واصفًا إياه في تصريحات سابقة بأنه "شخصية ضعيفة"، في موقف يعكس التوتر الحاد بين واشنطن وطهران.
تحديات المرحلة المقبلة
يتولى مجتبى خامنئي قيادة إيران في لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، حيث تواجه البلاد:
تداعيات الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل
ضغوطًا اقتصادية وسياسية داخلية
توترات إقليمية متصاعدة في الشرق الأوسط
ويرى مراقبون أن المرحلة المقبلة ستختبر قدرته على الحفاظ على تماسك النظام الإيراني وإدارة التوازنات الدقيقة بين المؤسسات الدينية والعسكرية والسياسية.
خلاصة:
يمثل صعود مجتبى خامنئي إلى منصب المرشد الأعلى تحولًا مهمًا في تاريخ الجمهورية الإسلامية، إذ يجمع بين الإرث السياسي لعائلة خامنئي والخبرة الدينية التي اكتسبها داخل الحوزة العلمية. ومع ذلك، فإن قيادته ستواجه تحديات كبيرة في ظل مرحلة إقليمية مضطربة قد تعيد تشكيل ملامح السياسة الإيرانية في السنوات المقبلة.
