أثار البيان الأول للمرشد الإيراني الجديد آية الله مجتبى خامنئي، الذي جاء مكتوبا وبُث عبر التلفزيون الرسمي دون ظهور مباشر بالصوت والصورة، موجة من التساؤلات حول أسباب هذا الغياب، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها إيران منذ اندلاع الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
ويرى مراقبون أن غياب خامنئي عن الظهور العلني في أول خطاب له منذ توليه المنصب يعكس حساسية المرحلة الأمنية التي تعيشها إيران، حيث يُعد المرشد الأعلى الهدف الأبرز في هرم القيادة السياسية والعسكرية للبلاد.
ووفقا للصحفي المختص في الشؤون الإيرانية عبد القادر فايز، فإن التبرير الرسمي لعدم ظهور خامنئي يعود إلى الأوضاع الحربية الراهنة، إذ تعيش إيران حالة مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل أي ظهور علني للمرشد مخاطرة أمنية كبيرة.
غير أن فايز يشير إلى احتمال وجود سبب آخر أكثر حساسية، يتمثل في تعرض المرشد الجديد لإصابة خلال العمليات العسكرية الجارية، إضافة إلى إصابة سابقة خلال المواجهة الأخيرة مع إسرائيل التي عُرفت بـ"حرب الـ12 يوما". ولا تزال طبيعة هذه الإصابة غير واضحة بشكل كامل، الأمر الذي قد يفسر الاكتفاء ببيان مكتوب بدلا من خطاب متلفز.
وفي السياق نفسه، نقلت وكالة رويترز عن مسؤول إيراني أن خامنئي أصيب بجروح طفيفة لكنه يواصل أداء مهامه. كما تحدثت تقارير إعلامية غربية عن إصابات في ساقيه، مشيرة إلى أنه يقيم حاليا في موقع شديد التحصين مع اتصالات محدودة.
وجاء تولي مجتبى خامنئي منصب المرشد الأعلى عقب مقتل والده، المرشد السابق علي خامنئي، في اليوم الأول من الحرب التي اندلعت في 28 فبراير/شباط 2026، إثر ضربات إسرائيلية أميركية استهدفت قيادات عسكرية وسياسية إيرانية بارزة.
وفي بيانه الأول، رسم خامنئي ملامح المرحلة المقبلة، متعهدا بالثأر لضحايا الحرب ومؤكدا أن إيران لن تتراجع عن الرد على الهجمات التي تتعرض لها. كما شدد على ضرورة إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس إمدادات الطاقة العالمية، معتبرا أن استخدام هذه الورقة يمثل جزءا من استراتيجية الردع الإيرانية.
وبالفعل أعلن الحرس الثوري الإيراني استعداده لتنفيذ هذا التوجيه، مؤكدا استمرار إغلاق المضيق وتوجيه ضربات لما وصفه بالعدو المعتدي.
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه أسواق الطاقة العالمية اضطرابا غير مسبوق، إذ أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تراجع كبير في صادرات النفط من دول الخليج، فيما ارتفعت أسعار الخام بشكل حاد مع تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة.
كما توسعت رقعة المواجهة لتشمل هجمات على سفن ومنشآت طاقة في الخليج، إلى جانب تبادل القصف بين إسرائيل وحزب الله في لبنان، ما يزيد المخاوف من تحول النزاع إلى حرب إقليمية أوسع.
ويرى محللون أن البيان الأول للمرشد الإيراني الجديد حمل رسائل مزدوجة؛ فمن جهة أكد استمرار نهج المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ومن جهة أخرى سعى إلى طمأنة الداخل الإيراني والتأكيد على تماسك مؤسسات الدولة في مواجهة الضغوط العسكرية والاقتصادية.
وبحسب متابعين للشأن الإيراني، فإن خطاب خامنئي يعكس محاولة لترسيخ موقعه في هرم السلطة خلال لحظة مفصلية، مع الحفاظ على ثوابت السياسة الإيرانية في الملفات الإقليمية والاستراتيجية.
وفي ظل استمرار العمليات العسكرية والتصعيد في المنطقة، يبدو أن البيان الأول للمرشد الإيراني الجديد وضع الإطار العام لمرحلة قد تتسم بمواجهة طويلة الأمد، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع رهانات الاقتصاد والطاقة على مستوى العالم.
