في بيتٍ متواضعٍ بمخيم المغازي وسط قطاع غزة، تحتضن أمٌّ شابة طفلها وكأنها تحاول أن تعيد إليه الأمان الذي سُلب منه في ساعاتٍ قليلة بعد اختطافه مع والده من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي. جواد، الذي لم يتجاوز عامه الثاني، لم يعد ذلك الطفل الذي خرج صباحًا برفقة والده، بل عاد مثقلًا بألمٍ لا يشبه عمره الصغير.
في صباح التاسع عشر من آذار/مارس الجاري، خرج أسامة أبو نصار حاملاً طفله متجهًا شرق منزله، حيث لا يفصلهم عن مناطق التماس (الخط الأصفر) سوى مئات الأمتار. لحظات عادية تحوّلت فجأة إلى مشهد مرعب؛ إطلاق نار، وطائرة مسيّرة تحلق فوقهما، وأوامر قاسية تُجبر الأب على وضع طفله أرضًا والتقدم وحيدًا.
تروي الأم وعد الشافعي تلك اللحظات بقلقٍ لا يفارق صوتها:
"سمعنا إطلاق نار، ثم أخبرنا شهود أن الجنود الإسرائيليين أخذوا زوجي وطفلي".
مرّت الساعات ثقيلة على العائلة، قبل أن يأتي اتصال من اللجنة الدولية للصليب الأحمر يطلب منهم الحضور لاستلام الطفل. عند المساء، وصل جواد… لكن ليس كما كان.
تقول والدة الطفل لوكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية:
"كان ملفوفًا ببطانية طبية، شاحبًا وصامتًا… وعندما عدنا إلى المنزل واكتشفت جسده، صُدمت. كانت هناك جروح واضحة في ساقيه، وآثار اعتداء لا يمكن لطفل أن يتحملها".
في مستشفى شهداء الأقصى، أكدت الفحوصات وجود إصابات تشير إلى اختراق جسمٍ حاد في إحدى ساقيه، وآثار حروق في الأخرى، يُرجّح أنها نتيجة إطفاء سجائر.
ورغم تلقيه علاجًا أوليًا، بقيت الصدمة النفسية أعمق من أي جرحٍ ظاهر. فطفلٌ بهذا العمر لا يفهم ما حدث، لكنه يشعر به… في خوفه، في صمته، وفي التصاقه الدائم بأمه.
في المقابل، لا يزال والده أسامة رهن الاعتقال لدى قوات الاحتلال، وسط غياب أي معلومات واضحة عن وضعه الصحي أو مكان احتجازه. تقول وعد:
"أبلغنا الصليب الأحمر أنه مصاب، لكن لا نعرف شيئًا عنه… كل ما نريده أن يعود".
تعيش العائلة في منطقة لا تهدأ فيها أصوات الرصاص، حيث أصبح الخوف جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية. وبين دخان الطهي وصوت الطائرات، تحاول الأم أن تُبقي طفلها على قيد الطمأنينة، رغم كل شيء.
قصة جواد ليست مجرد حادثة عابرة، بل مرآة لمعاناة أوسع يعيشها أطفال غزة، حيث تختلط الطفولة بالخوف، وتتحول أبسط لحظات الحياة إلى اختبارٍ للبقاء مع استمرار حرب الإبادة التي تشنها قوات الاحتلال الإسرائيلي على القطاع منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وفي ظل استمرار غياب المعلومات عن آلاف المعتقلين، وتصاعد أعداد الضحايا، تتجدد مناشدات العائلات بضرورة تدخل دولي عاجل—ليس فقط لإنقاذ حياة، بل لحماية ما تبقى من إنسانيةٍ مهددة في كل يوم.










