بين التهديد العسكري وممرات الطاقة: نتنياهو يلوّح بتجاوز هرمز وواشنطن تعزّز حضورها العسكري بانتظار مآل التفاوض مع إيران

بنيامين نتنياهو.jpg

في تطور يعكس تداخل الأهداف العسكرية مع حسابات الطاقة والجغرافيا السياسية، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن هناك “حلولًا عسكرية” لإعادة فتح مضيق هرمز، تقودها الولايات المتحدة، من دون أن يخوض في تفاصيلها، بالتوازي مع حديثه عن تصورات لمرحلة ما بعد الحرب تقوم على تحويل مسارات النفط والغاز من الخليج إلى موانئ البحر المتوسط، بما يسمح بتجاوز المضيق وتقليل الاعتماد عليه كممر حيوي للطاقة.

وتأتي تصريحات نتنياهو لشبكة نيوزماكس الأمريكية في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، مع تصاعد الحرب على إيران، وتزايد الرهانات على أن الصراع لم يعد محصورًا في بعده العسكري المباشر، بل بات يدور أيضًا حول من يملك القدرة على التحكم بخطوط الإمداد والطاقة ومفاصل العبور البحري في المنطقة. فمضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط والغاز العالمية، تحوّل إلى عنوان مركزي في المواجهة الجارية، وإلى أداة ضغط متبادلة بين طهران وواشنطن وحلفائها.

وأوضح نتنياهو أن مضيق هرمز يمثل "نقطة اختناق جغرافية" على حد وصفه، مؤكدا إمكانية تجاوزه بما يحقق مصلحة طويلة الأمد ويسمح بتدفق النفط والغاز بحرية تامة.

وقال نتنياهو إن إسرائيل أضعفت القدرات الصاروخية الإيرانية وقدرات التصنيع، ودمرت مصانع وصفها بـ"الفتاكة"، إلى جانب تدمير عدد من أجهزة الطرد المركزي وخطوط إمدادها باليورانيوم المخصب، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن إيران لا تزال تمتلك مخزونا من اليورانيوم المخصب، وهو ما يشكل محور مطالب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.

وشدد على ضرورة إضعاف إيران إلى أقصى حد ممكن لمنعها من امتلاك أسلحة نووية، مؤكدا السعي أيضا لمنعها من تطوير صواريخ باليستية عابرة للقارات مزودة برؤوس نووية.

واتهم نتنياهو "النظام الإيراني" باستهداف الولايات المتحدة لأكثر من 47 عاما، معتبرا أن طهران تسعى لتطوير سلاح نووي بهدف استهداف المدن الأمريكية، ومشيرا إلى أن الرئيس ترمب اختار التحرك لمنع إيران من امتلاك صواريخ باليستية عابرة للقارات.

واشنطن تعزّز حضورها العسكري

وفي هذا السياق، تتكثف المؤشرات على أن الولايات المتحدة تواصل رفع مستوى جاهزيتها العسكرية في الشرق الأوسط. فقد أفادت رويترز بأن آلاف الجنود من الفرقة 82 المحمولة جوًا بدأوا الوصول إلى المنطقة، لينضموا إلى تعزيزات سابقة شملت قوات من مشاة البحرية ووحدات خاصة، في خطوة توسّع الخيارات العسكرية المتاحة أمام إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حتى وإن لم يُتخذ قرار معلن بإدخال قوات برية إلى داخل إيران حتى الآن.

وبحسب المعطيات المتداولة في واشنطن، فإن هذه التعزيزات لا تعني بالضرورة حسم خيار الحرب البرية، لكنها تمنح الإدارة الأميركية هامشًا أوسع للتحرك إذا انهار المسار التفاوضي. وتشمل السيناريوهات المطروحة حماية الملاحة في مضيق هرمز، أو تأمين منشآت وممرات استراتيجية، أو دعم عمليات نوعية مرتبطة بالبنية النفطية الإيرانية، بما في ذلك جزيرة خرج التي تُعد شريانًا أساسيًا لصادرات النفط الإيراني.

في المقابل، يواصل ترامب الجمع بين لغة التهديد والانفتاح المشروط على التسوية. فقد قال، الإثنين 30 آذار/مارس 2026، إن واشنطن ستعرف “خلال نحو أسبوع” ما إذا كانت القيادة الإيرانية مستعدة للعمل مع الولايات المتحدة، بينما أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت أن الرئيس الأميركي يأمل التوصل إلى اتفاق بحلول 6 نيسان/أبريل، مع إقرارها في الوقت نفسه بأن البديل قد يكون تصعيدًا عسكريًا أوسع إذا لم تلتزم طهران بما يُطرح في القنوات المغلقة.

وتشير هذه الرسائل الأميركية إلى أن واشنطن تحاول إدارة المعركة على مستويين متوازيين: الأول ميداني، عبر الحشد العسكري ورفع كلفة استمرار إغلاق المضيق؛ والثاني سياسي، عبر إبقاء باب التفاوض مفتوحًا ومنح إيران مهلة محددة قبل الانتقال إلى خيارات أكثر صدامية. وقد زاد من وضوح هذا الاتجاه حديث البيت الأبيض عن أن ترامب مهتم أيضًا ببحث مساهمة دول عربية في تحمل كلفة الحرب، بما يعكس سعيًا أميركيًا إلى توسيع المظلة السياسية والمالية للمواجهة، إذا استمرت.

الرسالة السياسية مزدوجة

وعلى الضفة الإسرائيلية، تبدو الرسالة السياسية مزدوجة كذلك: تل أبيب تريد تثبيت أن الحرب تقترب، من وجهة نظرها، من تحقيق أهدافها الأساسية ضد إيران، لكنها تسعى أيضًا إلى استثمار هذا التقدم العسكري في صياغة ترتيبات إقليمية جديدة، ليس فقط أمنيًا، بل اقتصاديًا واستراتيجيًا، عبر إعادة تشكيل خرائط الطاقة والربط بين الخليج والبحر المتوسط. وهذه المقاربة تمنح تصريحات نتنياهو بعدًا يتجاوز اللحظة العسكرية، ليصل إلى طرح رؤية لإعادة هندسة الإقليم على أساس تقليص دور الممرات الخاضعة للتهديد الإيراني، وفي مقدمتها هرمز.

لكن هذا المسار لا يخلو من مخاطر كبيرة. فإدخال قوات أميركية إضافية إلى المنطقة، ولو تحت عنوان الردع أو حماية الملاحة، يرفع احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع، كما أن أي تحرك بري أو سيطرة على مواقع استراتيجية داخل إيران أو على سواحلها قد يفتح الباب أمام حرب استنزاف طويلة ومكلفة سياسيًا وعسكريًا. كما أن استمرار تعطّل الملاحة في هرمز يضغط على أسواق الطاقة العالمية ويزيد المخاوف من قفزات جديدة في الأسعار، مع ما يرافق ذلك من تداعيات اقتصادية تتجاوز حدود الإقليم.

وبذلك، تكشف التطورات الجارية أن الصراع لم يعد يُقرأ فقط بوصفه مواجهة عسكرية بين واشنطن وتل أبيب من جهة وطهران من جهة أخرى، بل بوصفه أيضًا معركة على مستقبل التوازنات الإقليمية، وعلى من يملك مفاتيح الطاقة والممرات البحرية وشروط التسوية المقبلة. وبين تهديدات نتنياهو، وحشود واشنطن، ومهلة ترامب التفاوضية، تبدو المنطقة أمام مفترق حاسم: إما تفاهم يفتح المضيق ويخفض التصعيد، وإما انتقال الحرب إلى طور أكثر خطورة واتساعًا.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - رويترز