غزة بين القصف وتعطّل العلاج وتفاقم الأوبئة: واقع ميداني ضاغط وأزمة إنسانية تتسع

يتجمع الفلسطينيون النازحون لجلب الماء وسط خيام متداعية، ما يعكس تدهور الأوضاع المعيشية والنقص الحاد في الاحتياجات الأساسية، مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة، 31 مارس/آذار 2026. تصوير: حسن الجديدي

يتواصل المشهد المأساوي في قطاع غزة على أكثر من مستوى، في ظل قصف إسرائيلي متكرر يوقع شهداء وجرحى، وتعثر وصول المرضى إلى العلاج خارج القطاع، وتفاقم الأزمات الإنسانية والخدمية داخل مخيمات النزوح، وسط تحذيرات متصاعدة من انهيارات أوسع في الواقع الصحي والبيئي.

الخروقات المتواصلة 

على الصعيد الميداني، استشهد فلسطينيان وأصيب 3 آخرون جراء قصف نفذته طائرة مسيّرة إسرائيلية استهدف تجمعًا للمواطنين جنوبي مدينة خان يونس، وفق ما أفاد به مصدر طبي. وبذلك، يرتفع عدد الشهداء منذ صباح  الثلاثاء 31 آذار/مارس 2026 إلى 3 شهداء، في سياق الخروقات المتواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار.

وصل جثمان رجل فلسطيني وعدد من الجرحى إلى مستشفى ناصر عقب غارة جوية إسرائيلية استهدفت مركزًا للشرطة الفلسطينية في خان يونس، جنوب قطاع غزة، في 31 مارس/آذار 2026. (صورة: طارق محمد)

وفي مدينة غزة، أصيب فلسطينيان آخران إثر استهداف طائرة مسيّرة إسرائيلية نقطة للشرطة الفلسطينية في حي التفاح شرقي المدينة، بحسب مصدر طبي في مستشفى المعمداني. كما أفادت مصادر طبية بإصابة 9 فلسطينيين، أحدهم بجراح خطيرة، جراء استهداف مسيّرة إسرائيلية تجمعًا لمدنيين في مواصي رفح جنوبي القطاع.

وكان فلسطيني قد استشهد وأصيب آخر في وقت سابق من اليوم، في قصف جوي إسرائيلي استهدف مجموعة من المواطنين في منطقة الفالوجا شمالي قطاع غزة.

وفي تطور آخر، أفادت مصادر طبية محلية بإصابة مواطنين، الثلاثاء، برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي شرقي مخيم البريج وسط قطاع غزة، حيث جرى نقلهما إلى المستشفى لتلقي العلاج، دون مزيد من التفاصيل بشأن حالتهما الصحية.

ودّع فلسطينيون جثماني فلسطينيين اثنين في مستشفى ناصر. قُتلا في غارة جوية إسرائيلية بطائرة مسيرة، بينما أُصيب آخرون في خان يونس، جنوب قطاع غزة، في 31 مارس/آذار 2026. صورة: طارق محمد


وبحسب مصادر طبية في قطاع غزة، ارتفعت حصيلة العدوان الإسرائيلي على القطاع إلى 72,285 شهيدًا و172,028 مصابًا منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. وأوضحت المصادر أن مستشفيات القطاع استقبلت خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية 5 شهداء و14 إصابة. كما أشارت إلى أن إجمالي الشهداء منذ وقف إطلاق النار في 11 تشرين الأول/أكتوبر الماضي ارتفع إلى 709 شهداء، والإصابات إلى 1,928، إضافة إلى انتشال 756 جثمانًا. ولفتت إلى أن عددًا من الضحايا ما زالوا تحت الركام وفي الطرقات، في ظل عجز طواقم الإسعاف والإنقاذ عن الوصول إليهم.

الممر الطبي بين غزة والضفة

وفي موازاة التصعيد الميداني، يبرز البعد الإنساني في ملف المرضى والجرحى، بعدما امتنعت المحكمة العليا الإسرائيلية، الثلاثاء، عن البت في التماس تقدمت به 5 منظمات حقوقية إسرائيلية لإعادة فتح الممر الطبي الإنساني بين قطاع غزة والضفة الغربية، وقررت تأجيل النظر فيه إلى ما بعد الحرب مع إيران.

وبحسب بيان مشترك صادر عن المنظمات الحقوقية، وهي: “أطباء لحقوق الإنسان – إسرائيل”، و”جيشاه”، و”هموكيد: مركز الدفاع عن الفرد”، و”جمعية حقوق المواطن في إسرائيل”، و”عدالة”، فإن المحكمة لم تحسم الالتماس الذي يطالب بإعادة فتح الممر الطبي الإنساني بين غزة ومستشفيات الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية.

وقالت المنظمات إن المحكمة ركزت خلال الجلسة على مسألة تدخلها في سياسة الحكومة خلال فترة الحرب، بدلًا من التركيز على الحاجة العاجلة للوصول إلى العلاج الطبي. وأضافت، وفق البيان، أن الدولة نفسها أقرت أمام المحكمة بأن منع الممر الطبي لا يرتبط بالحرب الحالية، ومع ذلك تقرر تأجيل البت في القضية، مع مطالبة الدولة بتقديم تحديث حتى 7 أيار/مايو استنادًا إلى ما وصفته بـ”الوضع الأمني”.

وحذرت المنظمات من أن هذا القرار يُبقي عمليًا على حظر شامل يمنع مرضى غزة من الوصول إلى العلاج عبر مستشفيات الضفة الغربية والقدس الشرقية، مؤكدة أن السياسة المطبقة على الأرض تحول دون وجود فحص فردي حقيقي للحالات الإنسانية الحرجة. ووفق المعطيات المقدمة في الالتماس، فإن تدمير إسرائيل لمنظومة الرعاية الصحية في غزة ترك ما لا يقل عن 18,500 مريض دون إمكانية الوصول إلى علاج منقذ للحياة.

يتلقى طلاب فلسطينيون نازحون تعليمهم داخل خيام مؤقتة نُصبت قرب مدرسة دمرها قصف جوي إسرائيلي خلال الحرب، في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، بتاريخ 31 مارس/آذار 2026.  صورة: حسن الجديدي


”سياسة التقطير” في إدخال الوقود

وفي جانب آخر من الأزمة الإنسانية، حذرت المديرية العامة للدفاع المدني في قطاع غزة من تفاقم الأوضاع نتيجة ما وصفتها بـ”سياسة التقطير” في إدخال الوقود إلى القطاع. وقالت المديرية، في بيان، إن النقص الحاد في الوقود اللازم لتنفيذ مهامها الميدانية يعيق الاستجابة للحالات الطارئة ويضعف قدرة طواقم الإنقاذ على التدخل، بما يفاقم من معاناة المواطنين في ظل التدهور الإنساني القائم.

وأوضحت المديرية أن الحد الأدنى المطلوب لتغطية عملياتها يبلغ نحو 17 ألف لتر شهريًا، في حين لم تتلق خلال شهر آذار/مارس الكميات المخصصة عبر المؤسسات الدولية، والتي لا تتجاوز أساسًا 15% من الاحتياج الفعلي. وأطلقت مناشدة عاجلة للتدخل والضغط من أجل السماح بإدخال الوقود للمؤسسات الدولية العاملة في القطاع، بما يضمن استمرار المهام الإنسانية للدفاع المدني.

تصاعد المخاطر البيئية والصحية في مخيمات النزوح

وفي مخيمات النزوح، يتخذ المشهد الإنساني بُعدًا أكثر قسوة مع تصاعد المخاطر البيئية والصحية، إذ بات انتشار القوارض والحشرات من أكثر الأزمات التي تؤرق النازحين، خاصة مع اقتراب فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، وتراكم النفايات، وتجمع المياه الراكدة، وغياب خدمات الصرف الصحي المنتظمة.

ويقول المواطن أدهم سلمان إن انتشار القوارض والحشرات في قطاع غزة تحول إلى “خطر يومي مرعب” يلاحق المواطنين داخل الخيام ومناطق النزوح، موضحًا أنها تتسلل إلى أماكن تخزين الطعام والفراش والملابس، وقد تؤذي الأطفال خلال نومهم، مستشهدًا بحادثة إصابة الطفل الرضيع آدم الأستاذ بعضة “عرسة” من خده أثناء نومه في خيمة ذويه غرب مدينة غزة.

من جانبه، قال المواطن علاء فياض إن العائلات في الخيام تخوض “معركة ليلية” لحماية الأطفال والنساء والطعام من القوارض والحشرات، مضيفًا أن بعض الأسر باتت تتناوب على السهر لحماية أفرادها ومؤنها. وأشار إلى أن المعاناة لا تتوقف عند القوارض، بل تمتد إلى الحشرات مثل البعوض والذباب والبراغيث، التي تتسبب في التهابات جلدية وحكة وتقرحات تحتاج إلى علاج مستمر.

أما المواطن فيصل عواد، فأكد أن النازحين يعيشون في “بيئة موبوءة” بالقوارض والحشرات، بما يهدد بانتشار الأمراض البكتيرية والجلدية والباطنية، خاصة بين الأطفال. وأضاف أن تراكم النفايات والركام، وغياب الصرف الصحي السليم، والاكتظاظ، وعدم توفر وسائل مكافحة فعالة، كلها عوامل تزيد من سرعة انتشار هذه الآفات، متسائلًا عن حجم الخطر المتوقع مع دخول الصيف.

بدوره، طالب المواطن تامر الشقرة الجهات المختصة، من بلديات وإدارات محلية ومشرفي مخيمات، بالتحرك لتوفير مبيدات ووسائل مكافحة للقوارض والحشرات، إلى جانب إزالة الركام ومكبات النفايات ومياه الصرف الصحي القريبة من مناطق السكن، مشيرًا إلى أن المواطنين باتوا يشعرون بأن كرامتهم وإنسانيتهم تتآكل تحت وطأة هذه الظروف.

يتجمع الفلسطينيون النازحون لجلب الماء وسط خيام متداعية، ما يعكس تدهور الأوضاع المعيشية والنقص الحاد في الاحتياجات الأساسية، مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة، 31 مارس/آذار 2026. تصوير: حسن الجديدي


ومن الناحية الطبية، قال استشاري الأمراض الجلدية والتناسلية الدكتور شفيق الخطيب، في حديث لوكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية “وفا”، إن انتشار القوارض قد يتسبب في التهابات فيروسية بالجهاز التنفسي ومشكلات رئوية معقدة، وقد ينقل أمراضًا خطيرة مثل السحايا والطاعون عبر الملامسة أو التلوث. وأضاف أن لدغ الحشرات قد يسبب الحساسية والحكة والالتهابات الجلدية، وفي بعض الحالات قد يؤدي إلى تفاعلات شديدة تؤثر في الجهاز التنفسي وتستدعي نقل المصاب إلى المستشفى.

وأشار الخطيب إلى أن تلوث الطعام والشراب بالحشرات قد يؤدي إلى أمراض في الجهاز الهضمي، مثل الإسهال والدوسنتاريا والتيفوئيد، فضلًا عن أمراض أخرى كاللشمانيا وبعض التقرحات الجلدية التي قد تتطور إلى مضاعفات أكثر خطورة.

وفي هذا السياق، قالت مصادر محلية في خان يونس إنها تعتزم إطلاق حملة لمكافحة الحشرات والقوارض خلال الأيام القليلة المقبلة، استجابة للحاجة الملحة لتحسين الواقعين الصحي والبيئي، خصوصًا في مناطق النزوح ومراكز الإيواء التي تحتضن أكثر من 900 ألف نازح في المدينة من مختلف أنحاء القطاع. وأكدت هذه المصادر أن الحملة تهدف إلى حماية السكان والنازحين من مخاطر الإصابة بالأمراض، مع تسخير الإمكانات الفنية والبشرية اللازمة لإنجاحها.

وبين التصعيد العسكري، وتعطيل المسارات العلاجية، وأزمة الوقود، وانتشار القوارض والحشرات في مخيمات النزوح، يتضح أن قطاع غزة يواجه واقعًا مركبًا لا تقتصر ملامحه على القصف والدمار فحسب، بل يمتد إلى انهيار متسارع في شروط الحياة الأساسية. وفي ظل هذا المشهد، تتزايد الحاجة إلى تدخل عاجل وفاعل يضع حدًا للتدهور الإنساني المتفاقم، ويضمن الحد الأدنى من الحماية والرعاية للسكان المحاصرين.

 

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - قطاع غزة (وفا)