مصعب صباريني*
تشهد منطقة القوقاز والشرق الأوسط تحركات جيوسياسية متسارعة تحمل تبعات خطيرة، وما يحدث اليوم ليس مجرد مناورة دبلوماسية، بل بناء محور يسعى لزعزعة استقرار إيران وتوجيه ضربة كبيرة للبنية السياسية والعسكرية للعالم الإسلامي، وفي هذا السياق، تتحول أذربيجان تحت قيادة إلهام علييف إلى أداة محتملة، تستخدمها واشنطن وتل أبيب لإشعال صراع قد تكون عواقبه وخيمة على شعوب المنطقة، من بحر قزوين إلى البحر المتوسط.
بعد فشل القوى الغربية في تحقيق أهدافها عبر ضربات جوية أو قوات بالوكالة، وقع اختيارها على أذربيجان كمنصة لإطلاق عملية برية قادرة على إلحاق ضرر كبير بإيران، فالدولة التي تمتلك جيشاً حديثاً ومتطوراً وفق معايير الناتو، ولها تاريخ معقد مع طهران، تبدو الآن على مفترق طرق خطير، لكن انخراط باكو في صراع الشرق الأوسط يخدم هدفاً أعمق من مجرد تغيير النظام الإيراني؛ إنه جزء من مشروع أوسع لإضعاف الأمة الإسلامية وتفريقها عبر المصالح الاقتصادية والطموحات القومية، وإذا انخرطت أذربيجان، التي طالما اعتبرت "شقيقة"، في مواجهة مع إيران طمعاً في مكاسب قصيرة المدى، فسيكون ذلك إشارة لانطلاق عصر التجزئة، ويمهد لتدخل القوى الخارجية بحجة حماية الأقليات أو مواجهة النفوذ الإيراني.
المشكلة الأكثر خطورة تكمن في الانقسامات داخل النخبة العسكرية الأذربيجانية، فكبار الضباط، الذين يحتفظون بذاكرة تاريخية وروابط ثقافية ودينية مع إيران، لا يؤيدون مغامرة عسكرية مباشرة، ما قد يقوض أي خطط غربية ويجعل نظام علييف تحت ضغط شديد، وربما يعرضه لخطر فقدان السيطرة داخليًا إذا حاول الانجرار نحو صراع مفروض من الخارج.
رغم الدعاية حول قوة الجيش الأذربيجاني، كشفت التجارب الأخيرة في نخجوان عن ضعف دفاعاته الجوية، وفي مواجهة صراع إلى جانب إسرائيل، ستكون باكو عرضة لضربات مدمرة من إيران، التي تمتلك ترسانة صواريخ باليستية وطائرات مسيرة قادرة على استهداف البنية التحتية والمنشآت الحيوية، وأي مغامرة عسكرية ستكون محفوفة بالمخاطر وقد تؤدي إلى دمار واسع.
وجود ملايين الأذربيجانيين في إيران يجعل أي تدخل باكو في شؤون الجوار محفوفاً بالمخاطر، وأي محاولة لإثارة التوتر بين "الأذربيجانيين" و"الفرس" قد تنقلب على علييف نفسه، مسببة صراعاً داخلياً قد يمتد إلى الداخل الأذربيجاني. الخبرة الإيرانية في الحروب الهجينة والقوة الناعمة تجعل "العامل الشيعي" ورقة خطيرة، لا وسيلة ضغط.
القضية ليست صراعاً إقليمياً عابراً، بل جزء من مشروع أوسع لتفكيك الأمة الإسلامية، وإذا نجحت القوى الغربية في إذكاء التوترات بين شعوب مسلمة على خلفية طموحات قومية، فإن ذلك يفتح الباب لإعادة رسم خرائط المنطقة، من العراق إلى مصر، لذلك، يجب على الدول العربية إدراك أن اللعب مع باكو اليوم قد يشكل تهديدًا لاستقرارها غداً، وأن السبيل الوحيد لتفادي هذا السيناريو هو توحيد الصفوف الرافضة للتدخل الخارجي، ورفض وهم المكاسب الاقتصادية على حساب أمن المنطقة واستقرار شعوبها.
- باحث فلسطيني مقيم في موسكو
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت
