تحقيق الحصار البحري الأمريكي على موانئ إيران .. الأسباب والتداعيات

سفن وقارب في مضيق هرمز، قبالة سواحل محافظة مسندم العمانية، 12 نيسان 2026. (رويترز).jpeg

بدأت الولايات المتحدة الأمريكية يوم  الإثنين 13 ابريل/نيسان 2026 تنفيذ حصار بحري على مضيق هرمز وموانئ إيران بعد يوم من انتهاء مفاوضات ماراثونية بين البلدين في العاصمة الباكستانية إسلام آباد دون التوصل إلى اتفاق.

ودخل تطبيق الحصار البحري الأمريكي حيز التنفيذ في تمام الساعة العاشرة صباحا بتوقيت شرق الولايات المتحدة اليوم (14:00 بتوقيت جرينتش).

ويستهدف الحصار حظر دخول وخروج السفن من الموانئ الإيرانية عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية.

وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) الأحد أنها ستطبق حظرا على حركة الملاحة البحرية المتجهة إلى جميع الموانئ والمناطق الساحلية الإيرانية أو المغادرة منها، على أن يشمل الحظر بشكل محايد سفن كافة الدول.

وأوضحت أنها لن تعرقل حرية الملاحة بالنسبة للسفن التي تعبر مضيق هرمز في طريقها من وإلى موانئ غير إيرانية.

ويثير تطبيق الحصار الأمريكي عدة تساؤلات حول أسبابه، ومدى إمكانية فرضه بشكل فعال، بالإضافة إلى تداعياته العامة وعلى الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران بشكل خاص.

-- لماذا أقدمت واشنطن على فرض الحصار؟

رأى مستشار المركز العربي للبحوث والدراسات بالقاهرة أبو بكر الديب، أن الحصار ليس قرارا تكتيكيا معزولا بل تحولا استراتيجيا أعمق في فلسفة الردع الأمريكية.

وقال الديب الباحث في العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي لوكالة أنباء ((شينخوا)) "إن الحصار يحدد أربعة دوافع رئيسية له: كبح قدرة إيران على استخدام الجغرافيا كسلاح سياسي خاصة القدرة على التعطيل في المضيق، وإعادة رسم قواعد الاشتباك الإقليمية، والضغط السياسي لإعادة التفاوض بشروط أمريكية، وإدارة التوازن مع دول الخليج التي تخشى عدم الاستقرار الاستثماري".

وأضاف أن هذا التحول لا يمكن فصله عن طبيعة اللحظة الإقليمية الراهنة، حيث تتداخل حسابات الطاقة مع الأمن العسكري والدبلوماسية عالية التوتر.

وأوضح أن واشنطن "لا تتحرك فقط لمنع أزمة بل لإعادة تعريف قواعد استخدام القوة في الممرات البحرية الدولية"، مشيراً إلى أن مضيق هرمز تحول في السنوات الأخيرة من مجرد ممر إستراتيجي إلى "أداة ضغط متبادل بين القوى الإقليمية والدولية".

ويتفق الخبراء على أن الحصار الأمريكي أداة ضغط قوية، لكنها شديدة التعقيد قد تحول القوة العسكرية إلى عامل "غير مضمون النتائج"، وتجعل مضيق هرمز، الذي يُعد رافعة إستراتيجية لإيران، محورا لإعادة تشكيل المعادلة الإقليمية والدولية.

ورأى الباحث السعودي في مركز الرياض للدراسات السياسية والإستراتيجية عبد العزيز الشعباني، أن الهدف الأساسي هو "الضغط الاستراتيجي" على إيران لتقييد صادراتها النفطية ورفع تكلفة المواجهة، دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

وقال الشعباني "إن الولايات المتحدة تعتمد على تعزيز الوجود البحري والمراقبة والتفتيش الانتقائي كوسيلة لإرسال رسالة ردع وتعزيز أوراق التفاوض".

ويصف رئيس مركز التقدم العربي للسياسات في حيفا أمير مخول، الخطوة بأنها محاولة أمريكية لـ"كسر الورقة الإيرانية" في المضيق، حيث تمتلك طهران قدرة مؤثرة جغرافيا وإستراتيجيا.

وقال مخول "إن ترامب يسعى إلى منع إيران من بناء تقاطع مصالح دولية عالمية تحول القدرة على التأثير في الملاحة إلى شرعية سياسية".

وأضاف أن ما يجري لا يتعلق فقط بميزان القوة العسكري في الخليج بل بمحاولة إعادة ضبط موقع إيران داخل النظام الإقليمي والدولي عبر نزع أحد أهم مصادر نفوذها غير التقليدية.

وأوضح "أن التحكم أو حتى التأثير في مضيق هرمز لا يُستخدم فقط كأداة ضغط ميداني، بل كأداة تفاوض سياسية قادرة على فرض حضور إيران في أي معادلة تخص أمن الطاقة العالمي".

وتدرك واشنطن خطورة تحول هذا النفوذ إلى عنصر شرعنة سياسي متدرج، حيث يمكن لإيران - في حال نجاحها في فرض معادلة تأثير مستمر على الملاحة - أن تنتقل من موقع "الدولة المهددة بالعقوبات" إلى موقع "الفاعل الذي لا يمكن تجاوزه" في أي ترتيبات إقليمية أو دولية تخص الطاقة والممرات البحرية، وفق مخول.

فيما يربط الخبير الاقتصادي الأردني منير دية، القرار مباشرة بفشل المفاوضات في إسلام آباد، معتبراً إياه "أقصى درجات الضغط الاقتصادي" لخنق اقتصاد إيران عبر تقييد تصدير النفط والغاز، ودفعها نحو قبول شروط أمريكية قبل انتهاء وقف إطلاق النار.

ومع بدء تطبيق الحصار البحري، هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بـ"القضاء فورا" على أي سفينة هجومية إيرانية تقترب من نطاقه.

وقال ترامب في منشور على منصته ((تروث سوشال)) اليوم "تحذير، إذا اقتربت أي من هذه السفن (سفن الهجوم السريع الإيرانية) من حصارنا، فسيتم القضاء عليها فورًا باستخدام نفس أسلوب القتل الذي نستخدمه ضد تجار المخدرات على متن القوارب في البحر"، معتبرا أنه "سريع وحاسم".

وذكرت تقارير أمريكية أن أكثر من 15 سفينة حربية تشارك في الحصار المفروض على إيران في مضيق هرمز.

وفي ظل تهديدات ترامب وهذه التقارير، يجمع الخبراء على أن القدرة الأمريكية كبيرة نظرياً لكنها محدودة عمليا، إذ يمكن لواشنطن فرض سيطرة بحرية واسعة عبر أسطولها وقواعدها المنتشرة في المنطقة، لكنها تواجه في المقابل تحديات جغرافية وأمنية معقدة داخل مضيق هرمز، إلى جانب قدرة إيران على استخدام أدوات غير تقليدية مثل الزوارق السريعة والألغام البحرية والصواريخ الساحلية والحرب بالوكالة، ما يجعل أي حصار عرضة للاختراق والاستنزاف.

-- هل تستطيع الولايات المتحدة فرض الحصار بشكل فعال؟

ويوضح الديب أن الفعالية الأمريكية تنقسم إلى ثلاثة مكونات: السيطرة البحرية المباشرة، وهي ممكنة بفضل القطع المتقدمة والغطاء الجوي، لكنها تواجه ردوداً إيرانية غير متكافئة (زوارق سريعة، ألغام، صواريخ ساحلية، هجمات بالوكالة)، بالإضافة إلى ضغوط دولية هائلة بسبب تأثير الحصار على الاقتصاد العالمي، أو سيطرة مؤقتة أو جزئية، لكن حصاراً مستقراً طويل الأمد سيكون صعبا ومكلفا سياسياً واقتصادياً.

فيما يرى الشعباني أن الحصار لن يكون كاملا أو مطلق الفعالية بسبب تعقيدات الممرات البحرية و"عقيدة الحروب غير المتكافئة" الإيرانية، وقد يؤدي إلى احتكاكات محدودة ضمن إطار ضبط متبادل.

بينما يعتقد مخول أن الولايات المتحدة "ليست في موقع مريح"، فالحصار يحمل كلفة هائلة على الجميع، وقد يقرب من مواجهة بحرية مباشرة غير مرغوبة.

بدوره يرى دية، أن الفعالية الأمريكية ستكون "محدودة ومعقدة" بسبب الرد الإيراني والتأثيرات العالمية، وأن السيناريو الأرجح هو "ضغط متبادل" وليس حصارا كاملا، مع احتمال تصاعد التوترات البحرية إذا لم يحدث اتفاق سياسي.

-- ما هي التداعيات، خاصة على وقف إطلاق النار؟

يعتقد الخبراء أن أي اضطراب في مضيق هرمز لن يبقى محصوراً في نطاقه الجغرافي، بل سينعكس سريعاً على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، مع احتمالات واضحة لارتفاع أسعار النفط وزيادة تكاليف الشحن والتأمين، وخلق ضغوط تضخمية على الاقتصادات الكبرى.

وحذر الديب من أن أخطر التداعيات هي "التفاعل المتسلسل" الذي قد يخرج عن السيطرة من خلال ارتفاع أسعار النفط، واهتزاز سلاسل الإمداد، واستقطاب أمني إقليمي، ورد إيراني غير متناظر عبر حلفائها.

أما الشعباني فيتوقع استمرار الضغوط المتبادلة ضمن حدود محسوبة، مع بقاء احتمال التصعيد قائماً لكنه غير مرجح في المدى القريب.

ويرى مخول أن الحصار يضع وقف إطلاق النار أمام "اختبار بالغ الصعوبة"، ويهدد بتقويض مسار الوساطة، خاصة مع ارتفاع أسعار النفط الذي لا يخدم ترامب انتخابياً.

أما دية فيعتقد أن تداعيات الحصار ستتركز أكثر على الوضع الاقتصادي من خلال ارتفاع أسعار النفط بنسبة 9-10%، والغاز الأوروبي أكثر من 25%، مع اضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، ومخاطر ركود تضخمي يضرب الاقتصادات الآسيوية خاصة.

وبالنسبة لوقف إطلاق النار، يحذر دية من أنه "عرضة للاهتزاز"، وقد يؤدي الحصار إما إلى تسريع التفاوض أو عودة التصعيد العسكري، لكنه يميل إلى السيناريو الأول نظراً للكلفة الباهظة للحرب.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - (شينخوا)