فجّرت قضية أمنية حساسة تتعلق بمحاولة تجنيد فاشلة لشاب إسرائيلي أزمة داخل المؤسسة الأمنية، طالت تعيين رومان غوفمان رئيسًا لجهاز الموساد، وسط تحذيرات من تداعياتها على مصداقية الجهاز.
وتعود القضية إلى أربع سنوات، لكنها عادت إلى الواجهة بعد إعلان مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيين غوفمان رسميًا، ما دفع الشاب أوري ألمكيس، محور الحادثة، إلى تقديم التماس للمحكمة العليا الإسرائيلية، مطالبًا بإلغاء التعيين بدعوى «الإخفاق الأمني وسوء التقدير القيادي».
عملية تجنيد مثيرة للجدل
تشير تفاصيل القضية إلى أن غوفمان، خلال قيادته للفرقة 210، وافق على تجنيد شاب قاصر (17 عامًا آنذاك)، مستندًا إلى مهاراته في اللغة العربية واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، لتنفيذ مهام ذات طابع أمني في الفضاء الرقمي.
وبحسب المعطيات، تم تزويد الشاب بوثائق ومعلومات سرية، وطُلب منه نشرها بهدف التأثير على شخصيات وجهات في العالم العربي، في عملية وُصفت لاحقًا بأنها «اختراق غير منضبط» يحمل مخاطر أمنية جسيمة.
انكشاف العملية وتداعياتها
انكشفت القضية مطلع عام 2024، حين اعتقلت أجهزة الأمن الشاب بتهمة تسريب مواد سرية، وخضع لتحقيقات قاسية استمرت 44 يومًا، قبل أن يتم توجيه لائحة اتهام بحقه.
غير أن مسار التحقيق شهد تحولًا لاحقًا، بعد أن تمكن فريق الدفاع من إثبات أن الشاب كان يعمل بتوجيهات جهة عسكرية عليا، ما أدى إلى إسقاط التهم عنه، وكشف خلل بنيوي في إدارة العملية.
اتهامات بالمسؤولية والتستر
يركز الالتماس المقدم إلى المحكمة العليا على دور غوفمان في القضية، متهمًا إياه بـ«الهروب من المسؤولية» و«انعدام الموثوقية»، إلى جانب اتهامات بعدم قول الحقيقة خلال التحقيقات العسكرية، والتخلي عن القاصر أثناء محاكمته.
كما أشار الالتماس إلى أن سلوك غوفمان يعكس إخفاقًا أخلاقيًا وأمنيًا، خاصة في التعامل مع قاصر في مهمة حساسة، ما يثير تساؤلات حول أهليته لقيادة جهاز استخباراتي بحجم الموساد.
خلافات داخل لجنة التعيينات
تزامنت هذه التطورات مع جدل داخل لجنة التعيينات العليا، حيث صادقت على تعيين غوفمان بأغلبية، رغم معارضة رئيسها القاضي المتقاعد آشر غرونيس، الذي اعتبر أن القضية تمثل «خللًا أخلاقيًا خطيرًا» يجعل التعيين غير مناسب.
كما أشار مقدمو الالتماس إلى وجود خلل إجرائي في عملية التصويت، حيث لم يُتح لبعض أعضاء اللجنة الاطلاع على مواد سرية أساسية، ما يطعن في سلامة القرار.
أزمة ثقة داخل المؤسسة الأمنية
أثارت القضية أيضًا تحفظات داخل الموساد نفسه، حيث اعتُبر تعيين غوفمان، القادم من المؤسسة العسكرية، خطوة مثيرة للجدل في ظل افتقاره للخبرة الاستخباراتية، وفق تقييمات داخلية.
وفي هذا السياق، حذّر مسؤولون من أن الحادثة تعكس ثغرات في إدارة العمليات السرية، وقد تؤثر على ثقة العناصر العاملة داخل الجهاز، خاصة بعد اتهامات بالتخلي عن أحد المنفذين.
تكشف هذه القضية عن تقاطع حساس بين الإخفاقات الأمنية والجدل القانوني، في وقت تواجه فيه المؤسسة الاستخباراتية الإسرائيلية تحديات داخلية تتعلق بالشفافية والمساءلة، ما يضع تعيين غوفمان تحت اختبار قضائي وأمني قد يحدد مستقبله على رأس أحد أخطر الأجهزة الأمنية.
من هو رومان غوفمان ؟
المولد والنشأة
وُلِد رومان غوفمان يوم 30 نوفمبر/تشرين الثاني 1972 في مدينة موزير ببيلاروسيا، وعام 1990 هاجر مع أسرته إلى إسرائيل وهو في الـ14 مع انهيار الاتحاد السوفياتي، واستوطنوا مدينة أسدود.
الدراسة والتكوين العلمي
درس غوفمان في مدرسة الضباط البحرية "أورت"، وانخرط في رياضة الملاكمة، وحقق الميدالية الفضية على مستوى إسرائيل.
وأكمل دراسته الجامعية في العلوم السياسية بكلية عسقلان، ثم تابع تعميق معرفته في مجال الأمن القومي والسياسة بحصوله على درجة الماجستير من جامعة حيفا، وهو ما مهد له الطريق لمسار مهني بارز في الأجهزة الأمنية.
ونشر غوفمان عام 2019 ورقة بحثية بعنوان "يوم الحساب بالأمس"، اقترح فيها إنشاء توازن إستراتيجي نووي جديد متعدد الأقطاب في الشرق الأوسط، يجمع بين روسيا والصين والولايات المتحدة، مقابل النووي الإيراني.
التجربة العسكرية
التحق غوفمان بالخدمة العسكرية النظامية في سلاح المدرعات بالجيش الإسرائيلي عام 1995، واختار مسارا تقليديا داخل الجيش الإسرائيلي، متنقلا بين الكتائب والألوية، ومراكما خبرة ميدانية في ساحات قتال متعددة.
والتحق غوفمان بالكتيبة 53، التابعة للواء 188، وشارك في العمليات العسكرية جنوب لبنان، ثم انتقل لاحقا إلى إدارة العمليات في قطاع غزة والضفة الغربية في الانتفاضة الثانية وعملية "السور الواقي".
شغل بعدها عددا من المناصب القيادية والعملياتية، وكان من أبرزها منصب قائد في سلاح المدرعات الإسرائيلي، وتولى في القوات نفسها منصب قائد الكتيبة 75 في اللواء المدرع السابع عام 2017.
وعُيّن غوفمان ضابطا في فرقة "غَعَش" (أوغدة 36)، ثم قاد لواء عتصيون، وبعدها لواء المدرع السابع، ثم فرقة "البَشان" (الفرقة 210) المسؤولة عن الجبهة الشمالية/منطقة الجولان، وقاد المركز الوطني للتدريب البري.
وفي حرب الإبادة الجماعية التي شنها جيش الاحتلال الإسرائيلي ضد المقاومة الفلسطينية في غزة عقب عملية طوفان الأقصى يوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، أدى غوفمان دورا بارزا على الصعيد الميداني والاستخباراتي، وسُجّل اسمه بوصفه أعلى ضابط رتبة يُصاب في الهجوم يومها، وفق ما نشرته المصادر الرسمية والإعلامية الإسرائيلية.
وانضم غوفمان في بداية المواجهات إلى متطوعين مع الشرطة قرب سيديروت في النقب الغربي، واشتبك مع مقاومين من حركة حماس، وأصيب بجروح خطيرة في ركبته أثناء الاشتباكات بمنطقة غلاف غزة.
وعقب تعافيه من الإصابة التي حلّت به، انتقل إلى موقع إداري أمني أكثر قربا من دوائر الحكم، وشغل منصب رئيس أركان منسق أعمال الحكومة في المناطق، وهو موقع أتاح له التعامل مع ملفات مدنية وأمنية معقدة تتقاطع فيها الاعتبارات العسكرية مع البعد السياسي.
وفي هذه المرحلة كتب غوفمان وثيقة دعا فيها إلى فرض إدارة عسكرية في قطاع غزة، في سياق نقاش داخلي حول ترتيبات ما بعد الحرب.
وعلى الرغم من تأكيد الجيش الإسرائيلي أن الوثيقة تعكس رأيا شخصيا، فإنها كشفت عن مقاربة أمنية لغوفمان تنسجم مع توجهات سائدة داخل محيط رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية.
وفي مايو/أيار 2024، جرى رسميا تعيين غوفمان سكرتيرا عسكريا لنتنياهو وهو موقع يمنحه صلاحيات تشمل التواصل المباشر مع مختلف أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، وتنسيق الجوانب العملياتية بين مكتب رئيس الحكومة ورؤساء الأجهزة الأمنية، والمشاركة في التقييمات اليومية للوضع بمشاركة رئيس الوزراء والجيش والموساد وجهاز الأمن الداخلي (الشاباك).
وأعلن مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلي في ديسمبر/كانون الأول 2025 قرار نتنياهو تعيين غوفمان رئيسا جديدا لجهاز الموساد، خلفا لديفيد برنيع، على أن يتسلم المنصب بعد انتهاء ولاية الأخير في يونيو/حزيران 2026.
وجرى إحالة هذا التعيين إلى اللجنة الاستشارية للمناصب العليا للمصادقة عليه، بما يضمن استكمال الإجراءات الرسمية المعتمدة.
وأضاف بيان مكتب رئيس الوزراء أن قرار اختيار غوفمان جاء بعد مسيرته الطويلة في مناصب عملياتية وقيادية داخل الجيش، إضافة إلى دوره في مكتب رئيس الوزراء وتعامله المباشر مع الأجهزة الاستخبارية.
