في مشهد رياضي يختلط فيه الألم بالصمود، أكد رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم الفريق جبريل الرجوب أن الرياضة الفلسطينية، وكرة القدم على وجه الخصوص، تواجه واحدة من أخطر المراحل في تاريخها، في ظل ما وصفه بحرب الإبادة الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة، وما خلّفته من خسائر بشرية ومادية طالت اللاعبين والمنشآت والبنية الرياضية الفلسطينية بأكملها.
وخلال ظهوره في الحلقة الأولى من برنامج «حديث الكرة» الذي تنتجه دائرة الإعلام في الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، قال الرجوب في حديث رصدته "وكالة قدس نت للأنباء" إن صمود الاتحاد والمنظومة الرياضية ليس حدثاً استثنائياً، بل هو امتداد طبيعي لصمود الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن وجوده، مشدداً على أن الرياضة الفلسطينية ظلت حاضرة رغم حجم الاستهداف غير المسبوق.
وأوضح الرجوب أن الخسائر التي تعرضت لها الحركة الرياضية الفلسطينية خلال العامين والنصف الماضيين كانت فادحة، مشيراً إلى سقوط أكثر من 1007 شهداء من الأسرة الرياضية، بينهم 565 من لاعبي وإداريي وحكام كرة القدم، إلى جانب تدمير واسع طال المنشآت الرياضية، والتي قال إنها تحولت في بعض المواقع إلى مراكز احتجاز وإذلال وقتل.
وأضاف أن الاستهداف الإسرائيلي لم يكن عارضاً، بل جاء ضمن سياسة ممنهجة استهدفت القطاع الرياضي منذ اليوم الأول للعدوان، سواء عبر قصف المنشآت أو استهداف الرياضيين أنفسهم، مؤكداً أن مئات الرياضيين ما زالوا في عداد المفقودين، وسط غياب معلومات دقيقة عن مصير كثير منهم.
ورغم هذا الواقع القاسي، شدد الرجوب على أن الرياضة الفلسطينية لم تنكسر، بل تحولت إلى مساحة جديدة للصمود الوطني، لافتاً إلى أن القطاع الرياضي في غزة ما زال يشهد مبادرات ميدانية وأنشطة وبطولات رغم الدمار الهائل، في صورة قال إنها تعكس “عظمة الإنسان الفلسطيني وإرادته في الحياة”.
وفي ما يتعلق بواقع النشاط الكروي، أقر الرجوب بأن الاتحاد الفلسطيني غير قادر حتى الآن على استئناف الدوري أو إعادة تفعيل الأنشطة الرياضية بشكل كامل في الضفة الغربية، بسبب القيود الميدانية وشلل الحركة بين المحافظات، إلى جانب الأزمة المالية التي تضغط على المؤسسة الرياضية. وأشار إلى أن الاتحاد يدرس آليات متعددة لاستئناف النشاط، بما يشمل البحث عن تمويل عبر قروض من مصارف وطنية فلسطينية، لتأمين الحد الأدنى من متطلبات عودة المسابقات.
كما كشف أن الاتحاد يعمل حالياً ضمن ثلاثة مسارات رئيسية، أولها إعادة إعمار المنشآت الرياضية التي دمرت، خصوصاً في قطاع غزة، وثانيها استئناف الأنشطة الرياضية والدوري الرسمي متى توفرت الظروف المناسبة، وثالثها الوفاء بالمسؤولية المجتمعية تجاه أسر الشهداء والجرحى من الرياضيين.
وفي ملف العلاقة مع الاتحاد الدولي لكرة القدم، وصف الرجوب قرارات الفيفا الأخيرة بحق الاتحاد الإسرائيلي بأنها “خجولة”، لكنه اعتبرها في الوقت نفسه خطوة مهمة لأنها كسرت، بحسب تعبيره، حاجز الصمت الدولي داخل المؤسسة الكروية العالمية. وقال إن مجرد صدور إدانة تتعلق بوجود مظاهر عنصرية داخل الاتحاد الإسرائيلي يمثل تطوراً سياسياً ورياضياً يمكن البناء عليه في المرحلة المقبلة.
وأكد الرجوب أن الاتحاد الفلسطيني يرى في هذه القرارات مدخلاً قانونياً لمواصلة التحرك أمام الهيئات الرياضية والقضائية الدولية، بما في ذلك محكمة التحكيم الرياضية “كاس”، موضحاً أن الاتحاد الفلسطيني سيواصل العمل ضمن الأنظمة واللوائح الدولية من أجل ضمان حقوقه الكاملة، وفي مقدمتها حماية الرياضة الفلسطينية من الانتهاكات، وتطبيق القوانين على الجميع دون ازدواجية.
وشدد على أن مطالب الاتحاد الفلسطيني لا تتجاوز الحق الطبيعي الذي تمتلكه أي دولة أو اتحاد عضو في الفيفا، والمتمثل في ممارسة اللعبة بحرية وتطويرها دون قيود، مع توفير الحماية القانونية والمؤسساتية اللازمة لعمل الأندية واللاعبين والاتحادات المحلية.
وفي سياق حديثه عن كونغرس الفيفا المرتقب في كندا يوم 26 يونيو، قال الرجوب إن فلسطين تتوجه إلى هذا الاستحقاق برسالة واضحة مفادها أنها تريد فقط أن تمارس الرياضة مثل بقية دول العالم، دون حصار أو تقييد أو تدخلات خارجية. وكشف في الوقت نفسه عن عراقيل تتعلق بعدم إصدار التأشيرات حتى الآن للوفد الفلسطيني، معتبراً أن ذلك قد يشكل مؤشراً إضافياً على حجم الضغوط المفروضة على الحضور الفلسطيني حتى داخل المنصات الرياضية الدولية.
وأكد أن الاتحاد الفلسطيني سيواصل معركته المفتوحة داخل الفيفا وخارجها، سواء تمكن من حضور الكونغرس أم لم يتمكن، مضيفاً أن الصوت الفلسطيني سيظل حاضراً ومسموعاً في كل الأحوال.
وفي ما يخص الدعم العربي والقاري والدولي، بدا الرجوب ناقداً لمواقف بعض الأطراف داخل المنظومة الرياضية الدولية، معتبراً أن حجم المساندة لم يرتق حتى الآن إلى مستوى القضية الفلسطينية وما تتعرض له الرياضة في فلسطين من استهداف. وأشار إلى أن المقارنات مع ملفات رياضية دولية أخرى، مثل أوكرانيا وجنوب أفريقيا سابقاً، تطرح أسئلة كبيرة حول المعايير المزدوجة في التعامل مع الحالة الفلسطينية.
أما بشأن ملف الدعم المالي المخصص لغزة، فأوضح الرجوب أن ما طُرح سابقاً لم يكن بصيغته النهائية، مشيراً إلى أن الاتحاد الفلسطيني اقترح إنشاء صندوق دولي مفتوح وغير مشروط تشرف عليه الفيفا واللجنة الأولمبية الدولية وأطراف أخرى، بحيث يخصص لإعادة إعمار المنشآت الرياضية وتغطية احتياجات استئناف النشاط الرياضي، إلى جانب دعم أسر الضحايا من أبناء الحركة الرياضية.
وبيّن أن الحديث عن أرقام كبيرة جرى تداوله إعلامياً، لكن المقترح الذي نوقش فعلياً كان يدور حول 30 مليون دولار من الفيفا وجهات أخرى، مع استعداد بعض الدول العربية للمساهمة، شريطة أن يتم ذلك عبر آلية مؤسساتية شفافة.
واختتم الرجوب حديثه بالتأكيد على أن الاتحاد الفلسطيني متمسك بثلاثة مبادئ أساسية: حياد الرياضة عن التجاذبات السياسية والشخصية والجهوية، وإدارة الرياضة وفق القوانين واللوائح الدولية، والحفاظ على الحركة الرياضية الفلسطينية بوصفها تجلياً من تجليات الهوية الوطنية الجامعة لكل الفلسطينيين في الوطن والشتات.
وبين الخراب الذي أصاب الملاعب، والدم الذي سال من الرياضيين، والمعارك القانونية المفتوحة في أروقة الفيفا، تبدو الكرة الفلسطينية اليوم في اختبار تاريخي مركب: البقاء على قيد الحياة، وحماية حقها في اللعب، وتحويل الرياضة من مساحة تنافس إلى عنوان صمود وهوية ورسالة شعب يصر على أن يبقى حاضراً فوق أرضه وفي ملاعب العالم.
