ما بين الصراخ والفهم يضيع المعني!

بقلم: اياد أبو روك

اياد أبو روك

اياد أبو روك

قبل أيام لفت انتباهي فديو علي وسائل التواصل فديو لشخص في بلد عربي كان معترض بشكل حاد جدا على تقليل الإضاءة في الشوارع وعلى إغلاق بعض الأماكن مبكرا وكان واضح أن الصراخ أخذ مساحة أكبر من الفكرة نفسها وكأن الصوت المرتفع اصبح بديلا عن محاولة الفهم فحبيت أوضح له وجهة نظر مختلفة ليس دفاعا عن قرار معين بل دعوة للتفكير بهدوء في الصورة الأعمق .  أنا أعيش في النرويج بلد يصنف ضمن أغنى دول العالم ومع ذلك حين أعود من عملي ليلا أجد أن الإضاءة في كثير من الطرق بسيطة جدا ليست مظلمة لدرجة الخوف لكنها أيضا ليست مبهرة أو زائدة عن الحاجة غالبا أعتمد على ضوء السيارة وعلى هدوء المكان وهذا ليس تقصيرا ولا إهمالا بل جزء من فلسفة كاملة في التعامل مع الطاقة ومع فكرة الاستهلاك نفسها

في البداية استغربت مثل أي شخص قادم من بيئة مختلفة كنت أتساءل كيف لبلد غني أن لا يضيء كل زاوية فيه لكن مع الوقت بدأت أفهم أن الغنى الحقيقي ليس في الإفراط بل في القدرة على ضبط الإيقاع في معرفة متى نستخدم ومتى نكتفي في التمييز بين الحاجة والرغبة

لكن في المقابل لو ذهبت إلى وسط مدينة مزدحمة هنا ستجد الصورة مختلفة تماما شوارع مضاءة بشكل جيد محلات مطاعم حركة ناس مستمرة لأن هناك حاجة حقيقية لذلك وهذا أمر منطقي جدا بل وضروري يعني ليس خطأ أبدا أن تكون المدن الكبيرة المكتظة مضيئة بشكل قوي لأن هذا جزء من طبيعتها ومن شعورها بالحياة والأمان

وهنا نصل إلى الفكرة الأساسية الموضوع ليس صراعا بين الضوء والظلام بل هو فهم للسياق في الأماكن الهادئة لا تحتاج إلى إضاءة زائدة لأن ذلك استهلاك بلا معنى وفي الأماكن الحيوية تصبح الإضاءة ضرورة الفرق ليس في الإمكانية بل في الاختيار. نفس الفكرة تنطبق على إغلاق المراكز بدري في هذا البلد كثير من الأماكن تغلق أبوابها في وقت قد يعتبره البعض مبكرا لكن هنا الليل له معنى مختلف ليس وقتا مفتوحا للاستهلاك بلا حدود بل وقتا للهدوء للراحة للعائلة للرجوع إلى الذات قد يبدو هذا غريبا لمن تعود على مدن لا تنام لكن مع الوقت تدرك أن الإنسان لا يحتاج أن يكون في حالة حركة دائمة حتى يشعر أنه يعيش حين نأخذ هذه التجربة ونضعها في سياق أي بلد عربي يمر بظروف استثنائية نجد أن بعض القرارات مثل تقليل الإضاءة أو تنظيم ساعات العمل قد لا تكون مريحة لكنها في كثير من الأحيان ليست عبثية بل جزء من محاولة لإدارة الموارد في ظل تحديات اقتصادية او توفير طاقه في ظروف استثنائية  أو حتى سياسية

المشكلة ليست في أن الناس تعترض فالتعبير عن الرأي حق طبيعي بل في طريقة هذا الاعتراض حين يتحول إلى صراخ يفقد معناه ويغطي على الفكرة الأساسية ويجعلنا نرى التفاصيل الصغيرة ونغفل عن الصورة الكبرى وكأننا نطالب بحياة مثالية في ظروف غير مثالية

أحيانا نحن لا نعترض لأن القرار خاطئ تماما بل لأننا لم نعتد عليه بعد لأن التغيير دائما يربكنا حتى لو كان ضروريا وهنا يظهر الفرق بين رد الفعل السريع وبين التفكير العميق بين من يرى اللحظة فقط ومن يحاول أن يفهم المسار

هناك نقطة مهمة أيضا وهي أن الحياة ليست نسخة واحدة لا يمكن أن نطلب من كل مدينة أن تعيش بنفس النمط ولا من كل مجتمع أن يتصرف بنفس الطريقة المدن الكبيرة لها إيقاعها الخاص والمناطق الهادئة لها إيقاع مختلف والدول التي تمر بظروف صعبة لها حساباتها الخاصة وكل ذلك جزء من تنوع التجارب الإنسانية

في النرويج الصمت ليس فقط في الطبيعة بل في طريقة اتخاذ القرار في طريقة التفاعل مع التغييرات لا يعني ذلك أن الناس لا تعترض أو لا تشعر بل يعني أن هناك مساحة أكبر للتفكير قبل الضجيج وللبحث عن التوازن بدل التصعيد وهذا ما يجعل كثير من القرارات تبدو هادئة حتى لو كانت عميقة التأثير

ما تعلمته من هذه التجربة أن متطلبات الانسان ليست في أن يكون كل شيء متاحا طوال الوقت ولا في أن تظل الأضواء مشتعلة بلا توقف بل في وجود نظام يفكر في الاستمرارية في أن يكون هناك وعي بأن الموارد ليست بلا حدود وأن الحفاظ عليها جزء من الحفاظ على الحياة نفسها

الحياة في جوهرها ليست سباقا نحو المزيد بل رحلة نحو التوازن ليست في أن نضيء كل شيء بل في أن نعرف أين يجب أن يكون الضوء وأين يمكن أن نترك مساحة للهدوء

في النهاية ربما نحتاج أن نخفف قليلا من سرعة أحكامنا وأن نعطي لأنفسنا فرصة لنفهم قبل أن نرفض أن نسأل لماذا يحدث هذا بدل أن نكتفي برفضه لأن العالم لا يدار بالصوت الأعلى بل بالفهم الأعمق وما نراه نقصا اليوم قد يكون شكلا من أشكال الحكمة إذا نظرنا إليه بعين أقل توترا وأكثر وعيا

واليوم بكل صراحة رغم أني في البداية كنت مذهولا من كيف يمكن أن تكون الشوارع بإضاءة خفيفة وكيف تبدو الحياة أقل وهجا لكن مع الوقت تغير إحساسي تماما بيتي إضاءته هادئة والشوارع التي أراها إضاءتها خفيفة وأشعر فعلا بوجود الليل وأستمتع بهذا الهدوء هناك نمط في حياتي تغير تغيرا كاملا كنت أرى الأشياء بصورة واليوم أراها بصورة مختلفة أدركت أن كل شيء في هذه الحياة له ثمن وأن التوازن أحيانا أجمل من الإفراط وأن ما كنا نظنه نقصا قد يكون بابا لنوع أعمق من الراحة والفهم

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت