تقرير غزة بين ضغط المسارات وتباطؤ التنفيذ: القاهرة تدفع نحو مخرج إداري يوازي تعثر الهدنة

أطفال فلسطينيون يلعبون على أنقاض منازلهم التي دمرتها الغارات الجوية الإسرائيلية خلال الحرب، في حي الدرج شرق مدينة غزة، 21 أبريل/نيسان 2026. صورة: بلال أسامة

تتحرك القاهرة في الأسابيع الأخيرة لإعادة تنشيط المسار التنفيذي لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، عبر الدفع نحو تفعيل لجنة إدارة القطاع، في موازاة الجمود الذي يخيّم على المفاوضات السياسية والأمنية

ويأتي هذا التحرك، وفق ما نقلته صحيفة «الأخبار» اللبنانية عن مصادر مصرية، في ظل قناعة متزايدة لدى الوسطاء بأن بقاء الاتفاق رهينة للتجاذب حول الملفات الكبرى، من دون إجراءات ميدانية ملموسة، يفتح الباب أمام مزيد من التدهور الإنساني ويهدد بتآكل ما تبقى من التفاهمات السابقة.

وبحسب المصادر نفسها، ترى القاهرة أن تشغيل اللجنة لا ينبغي أن يبقى مرتبطاً بالكامل بمآلات التفاوض غير المباشر، بل يجب أن يتحول إلى مدخل عملي لتخفيف العبء عن السكان، خصوصاً في ملفات الخدمات والإغاثة والإدارة اليومية. وتستند المقاربة المصرية إلى أن غياب جسم إداري فاعل داخل القطاع يبقي الفراغ قائماً، ويمنع الانتقال من التفاهمات النظرية إلى وقائع قابلة للتنفيذ على الأرض.

رهان مصري على المسار الموازي

في هذا السياق، تتعامل مصر مع اللجنة باعتبارها أداة لتقليل الفجوة بين المسار السياسي المتعثر والحاجة العاجلة إلى ترتيبات تشغيلية داخل غزة. ووفق «الأخبار»، فإن التصور المصري يقوم على دعم أعضاء اللجنة وتمكينهم من أداء مهامهم فور توافر الحد الأدنى من الشروط اللوجستية والسياسية، بما يسمح بإدارة ملفات المساعدات والخدمات العامة والتعامل مع الاحتياجات اليومية للسكان.

وترى القاهرة، بحسب المصادر ذاتها، أن إبقاء اللجنة خارج المشهد العملي لا يجمّد فقط ملف إعادة الإعمار، بل ينعكس أيضاً على البيئة الإنسانية في القطاع، في وقت تتسع فيه فجوات الخدمات الأساسية وتتعاظم آثار النزوح وتتعقد الأوضاع المعيشية.

مقترحات جديدة بعد تعثر جولة القاهرة

بالتوازي مع ذلك، برزت خلال الأيام الأخيرة مقاربات جديدة طرحت على حركة حماس بعد انتهاء جولة المحادثات الأخيرة في القاهرة من دون اختراق حاسم. فقد أفادت قناة «الشرق» السعودية نقلاً عن مصادر دبلوماسية غربية، بأن الممثل الأعلى لـ"مجلس السلام" في غزة نيكولاي ملادينوف قدم ورقة محدثة للحركة، تتضمن تصوراً يدمج استحقاقات المرحلة الأولى مع عناصر من المرحلة الثانية ضمن خطة واحدة، بعد تعثر الوصول إلى اتفاق نهائي في الجولة السابقة.

ووفق تلك المصادر، فإن الورقة الجديدة أعادت طرح القضايا التي تعتبرها حماس جوهرية في أي تقدم، وفي مقدمتها تنفيذ الالتزامات الإنسانية والإدارية التي لم تُطبق سابقاً، إلى جانب إدخال البحث في الترتيبات التالية المتعلقة بالانسحاب الإسرائيلي والإدارة اللاحقة للقطاع. كما أشارت «الشرق» إلى أن الحركة تدرس المقترح حالياً، على أن تقدم جوابها بعد استكمال مشاوراتها الداخلية ومع الفصائل.

حماس: مرونة محسوبة وتمسك بالضمانات

في المقابل، يظهر من مجمل المعطيات أن حماس تحاول الحفاظ على هامش من المرونة التفاوضية من دون تقديم تنازلات تمس العناوين التي تعدها أساسية. ووفق ما نقلته «الشرق» عن مسؤول في الحركة، فإن حماس أبلغت الوسطاء والمبعوثين المعنيين استعدادها للتعامل مع بعض العناوين الحساسة ضمن مقاربة فلسطينية جامعة، شرط أن تكون جزءاً من اتفاق شامل ومضمون التنفيذ، لا من إجراءات أحادية أو التزامات غير متكافئة.

كما أكدت الحركة، في  تصريحات نقلتها «القدس العربي» و«الشرق الأوسط»، أنها تواصل مشاوراتها مع الفصائل الفلسطينية بشأن ما عُرض في القاهرة، وأنها معنية باستمرار المفاوضات لتجاوز العقبات، لكنها تربط أي تقدم بتوفير ضمانات واضحة تتصل بوقف الهجمات، وتحسين الواقع الإنساني، والانتقال الجدي إلى ترتيبات ما بعد المرحلة الحالية.

وتشير هذه المواقف إلى أن الحركة لا تريد الظهور بمظهر الرافض المطلق لأي تسوية، لكنها في الوقت نفسه تسعى إلى تثبيت قاعدة تفاوضية تمنع تحويل الاستحقاقات الإنسانية والإدارية إلى أوراق ضغط تُستخدم لفرض وقائع سياسية وأمنية جديدة.

عقدة السلاح وترتيبات ما بعد الحرب

يبقى ملف السلاح الأكثر حساسية في المشاورات الجارية. فبحسب ما أوردته «الشرق»، فإن المقترحات التي نوقشت في القاهرة تضمنت تصورات تتعلق بمستقبل البنية العسكرية للفصائل، إلى جانب ترتيبات أمنية وإدارية أوسع في القطاع. غير أن المصادر نفسها أوضحت أن حماس لا تزال تنظر إلى هذا الملف من زاوية أشمل، معتبرة أن البحث فيه لا يمكن أن يتم بمعزل عن ضمانات تتعلق بالانسحاب الإسرائيلي، ووقف الاغتيالات، ورفع القيود المفروضة على القطاع.

وفي الاتجاه نفسه، نقلت «القدس العربي» عن مصدر مطلع في أحد فصائل المقاومة أن المشاورات الجارية تركز على كيفية تجاوز الصيغة السابقة التي ربطت التقدم في المسار التفاوضي بملف السلاح، مشيراً إلى أن الفصائل تناقش المقترحات بإيجابية حذرة، مع تمسكها بضرورة إلزام إسرائيل بوقف الاعتداءات اليومية واستكمال ما تبقى من الالتزامات الإنسانية.

اللجنة الوطنية والبعد الفلسطيني الداخلي

إلى جانب الملفين الأمني والتفاوضي، يبرز مجدداً موضوع اللجنة الوطنية أو لجنة التكنوقراط التي يُعوَّل عليها لتولي إدارة القطاع في المرحلة المقبلة. وبحسب «الشرق» و «القدس العربي»، فإن حماس أبدت استعداداً لنقل المؤسسات الحكومية وأجهزة إنفاذ القانون إلى إطار إداري فلسطيني متفق عليه، لكنها تطالب بالإسراع في دخول هذا الجسم إلى غزة وبدء عمله فعلياً، بما يمنع استمرار الفراغ ويؤسس لمسار تعافٍ تدريجي.

ويكشف هذا الموقف عن محاولة لربط ملف الإدارة بمسار فلسطيني داخلي أوسع، تكون فيه الترتيبات المستقبلية جزءاً من تفاهم وطني، لا مجرد استجابة لاشتراطات خارجية. كما يعكس إدراكاً متزايداً لدى مختلف الأطراف بأن أي معادلة مقبلة في غزة لن تستقر من دون صيغة داخلية قابلة للحياة، تحظى بغطاء سياسي وتنفيذي في آن معاً.

تقديرات متباينة بشأن فرص التقدم

على مستوى التقديرات، تتباين القراءات حول فرص الوصول إلى اختراق قريب. فقد نقلت وكالة «رويترز» عن ملادينوف قوله إنه أجرى "مناقشات جدية للغاية" مع حماس خلال الأسابيع الماضية، معبراً عن تفاؤل حذر بإمكان التوصل إلى ترتيب يرضي الأطراف ويستجيب لاحتياجات سكان غزة، لكنه أقر في الوقت نفسه بأن الأمر يحتاج إلى وقت.

وفي قراءة موازية، نقلت صحيفة «الشرق الأوسط» عن الباحث المصري مختار غباشي قوله إن الحديث عن ترتيبات جديدة قد يكون محاولة لشراء الوقت في ظل ترابط ملفات غزة ولبنان وإيران ضمن مشهد إقليمي واحد. في المقابل، رأى المحلل الفلسطيني أيمن الرقب، وفق الصحيفة نفسها، أن تعقيد المشهد يعود أساساً إلى العراقيل الإسرائيلية، وأن أي انتقال فعلي إلى المرحلة التالية سيظل مرهوناً بترتيبات ميدانية تشمل دخول اللجنة، ونشر قوى أمنية فلسطينية، وتوافر ضمانات للتنفيذ.

أثر المتغيرات الإقليمية على ملف غزة

ولا ينفصل هذا المسار عن البيئة الإقليمية الأوسع. فعدّة مصادر، بينها «الأخبار» و «الشرق الأوسط» ، تربط بين وتيرة التحرك الأميركي في ملف غزة وبين مسار التوتر مع إيران. وتقدّر بعض الأوساط أن أي تهدئة أو تفاهم في ذلك الملف قد تتيح لواشنطن تخصيص جهد أكبر لملف غزة، سواء لدفع ترتيبات انتقالية أو لإعادة تسويق مقاربة أشمل تتعلق بمستقبل القطاع.

وفي هذا الإطار، بدا واضحاً من بعض التسريبات التي أوردتها «الشرق» أن هناك اهتماماً أميركياً بمواقف الفصائل الفلسطينية خلال فترة الحرب على إيران، وأن هذا العامل دخل ضمن المناخ العام للمحادثات، ولو بصورة غير مباشرة.

مفترق حاسم بين الإغاثة والسياسة

في المحصلة، تتجه المشاورات حول وقف إطلاق النار في غزة إلى مرحلة شديدة الحساسية، عنوانها الأساسي: هل يمكن بناء مسار تنفيذي يسبق الحل السياسي الكامل، أم أن الخلافات حول العناوين الكبرى ستبقي كل شيء معلقاً؟  ما يظهر حتى الآن، وفق مجمل ما أوردته «الأخبار» و «الشرق» و «القدس العربي»  و«الشرق الأوسط» و«رويترز»، هو أن القاهرة تحاول منع انهيار المسار بالكامل عبر بوابة الإدارة والإغاثة، فيما تتمسك حماس بربط أي خطوة جديدة بضمانات ملزمة، بينما تواصل إسرائيل الدفع نحو مقاربة تجعل الأمن والسلاح مدخلاً إلزامياً لأي تقدم.

وبين هذه المسارات المتشابكة، لا يبدو أن اتفاق وقف إطلاق النار يواجه انهياراً فورياً بقدر ما يواجه خطر الاستنزاف البطيء، حيث تتقدم الاجتماعات والورقات والمشاورات، فيما يبقى التنفيذ الفعلي مؤجلاً، وتظل غزة عالقة بين وعود التسوية وثقل الواقع الميداني.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - غزة - القاهرة