قراءة موسعة في النشأة والتصاعد وفق مصادر ميدانية
في ظل الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، يطرح واقع أمني جديد نفسه بقوة: كيف نشأت ما بات يُعرف بـ«العصابات المسلحة»، وهل يمكن أن تتحول إلى قوة بديلة تنازع الفصائل الفلسطينية، وعلى رأسها حركة «حماس»، نفوذها داخل القطاع؟
بحسب تقرير موسع استند إلى مصادر ميدانية وأمنية تحدثت لـصحيفة «الشرق الأوسط»، فإن أحداً في غزة لم يكن يتوقع أن تفرز الحرب بنية مسلحة جديدة خارج إطار الفصائل التقليدية، تشكل تحدياً مزدوجاً للسكان والفصائل المسلحة على حد سواء.
كيف بدأت الظاهرة؟
تشير المصادر إلى أن البدايات الأولى لهذه الظاهرة تعود إلى منتصف عام 2024، حين بدأت عمليات سرقة المساعدات الإنسانية في المناطق الشرقية لمدينتي خان يونس ورفح، خاصة قرب معبر كرم أبو سالم. في تلك المرحلة، وُصفت الجهات المنفذة بـ«المجهولة»، قبل أن يتكرر النمط ويتبلور تدريجياً.
ومع تكرار الحوادث، برز اسم ياسر أبو شباب كقائد لمجموعة صغيرة من المسلحين، سرعان ما توسعت، وبدأت تظهر علناً في مناطق خطرة رغم قربها من مواقع الجيش الإسرائيلي، وفق ما نقلته «الشرق الأوسط» عن مصادر ميدانية.
من السرقات إلى النفوذ الميداني
توضح المصادر أن نقطة التحول جاءت عندما تحولت تلك المجموعات من مجرد سلوك إجرامي إلى تنظيم شبه عسكري، يقوم بالسيطرة على طرق المساعدات، وبيعها في السوق السوداء، مستفيداً من حاجة السكان الماسة.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2024، حاولت «حماس» توجيه ضربة مباشرة لهذه المجموعة، ما أدى إلى مقتل وإصابة نحو 20 من عناصرها، في عملية شكلت منعطفاً مهماً في مسيرة أبو شباب، الذي فر لاحقاً إلى مناطق قريبة من سيطرة الجيش الإسرائيلي.
هل كان هناك دعم خارجي؟
وفقاً لمصدر ميداني تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن مجموعة أبو شباب تلقت لاحقاً أسلحة، بينها بنادق كلاشنيكوف، يُعتقد أن الجيش الإسرائيلي استولى عليها داخل القطاع. وخلال فترة قصيرة، توسع عدد أفراد المجموعة من عشرات إلى نحو 100 مسلح.
وتشير المعطيات إلى أن هذه المجموعة بدأت بأداء مهام ذات طابع أمني، مثل تفتيش الشاحنات وتنظيم مرور المساعدات، بل وظهرت في بعض الأحيان وهي تؤمّن مرور وفود أجنبية داخل القطاع.
ورغم أن المصادر تنفي وجود ارتباط رسمي مباشر بين أبو شباب وإسرائيل، فإنها تؤكد أنه عمل ضمن مصالح تخدم أجندتها، وهو ما دفع «حماس» لاتهامه بالعمالة والخيانة، وفق ما نقلته الصحيفة.
من هو ياسر أبو شباب؟
تكشف المصادر أن أبو شباب كان معتقلاً سابقاً لدى أجهزة أمن «حماس» في قضايا جنائية، قبل أن يتم الإفراج عنه مع بداية الحرب. ولم يكن متعلماً بشكل كافٍ، بينما كانت حساباته على مواقع التواصل تُدار من قبل آخرين، ربما من خارج القطاع.
وبعد تصاعد نفوذه، قُتل أبو شباب في ديسمبر/كانون الأول 2025 في حادثة ذات طابع عائلي، ليخلفه نائبه غسان الدهيني في قيادة المجموعة.
هل بقيت الظاهرة محصورة؟
الإجابة، وفق المصادر، هي لا. إذ سرعان ما ظهرت مجموعات أخرى في مناطق مختلفة من القطاع، من بينها مجموعات يقودها ضباط سابقون في الأجهزة الأمنية الفلسطينية مثل حسام الأسطل وشوقي أبو نصيرة، إضافة إلى مجموعات أخرى في شمال ووسط القطاع.
وتشير المعلومات إلى أن بعض هذه المجموعات نفذت عمليات اغتيال ومحاولات استهداف لعناصر من «حماس» و«كتائب القسام»، من بينها اغتيال مسؤول أمني في مخيم المغازي أواخر 2025، وعمليات أخرى في خان يونس مطلع 2026.
هل أصبحت هذه العصابات قوة مؤثرة؟
تقول مصادر أمنية لـ«الشرق الأوسط» إن هذه المجموعات، رغم حداثتها، أثبتت قدرتها على تنفيذ عمليات معقدة، بما في ذلك استخدام أسلحة متطورة نسبياً مثل القنص والصواريخ المضادة، وحتى الطائرات المسيّرة الصغيرة.
كما كشفت المصادر عن إحباط عمليات خطيرة، بينها محاولات لاستهداف منشآت طبية وإحراق خيام نازحين، إضافة إلى ضبط معدات تجسس داخل شقق سكنية.
كيف تواجه «حماس» هذا التحدي؟
وفقاً للمصادر، لم تتوقف «حماس» عن ملاحقة هذه المجموعات، عبر الكمائن والاعتقالات والعمليات المباشرة، بالتعاون مع فصائل أخرى. كما عملت على إعادة دمج بعض المنشقين عن هذه العصابات في المجتمع، بالتنسيق مع عائلاتهم.
لماذا ينضم الشبان لهذه المجموعات؟
تشير إفادات ميدانية إلى أن الدوافع متعددة، أبرزها:
- الفقر وانعدام فرص العمل
- الرغبة في الحصول على المال أو السلع
- الهروب من ديون أو مشاكل اجتماعية
- مشاعر سخط تجاه «حماس» لدى بعض الأفراد
وتؤكد المصادر أن هذه العصابات تستغل الظروف الاقتصادية الصعبة لتجنيد عناصر جديدة.
هل يمكن أن تكون بديلاً لحكم «حماس»؟
رغم محاولات هذه المجموعات الترويج لنفسها كبديل، بدعم إعلامي إسرائيلي بحسب التقرير، فإن الواقع على الأرض يبدو أكثر تعقيداً.
فبحسب ما نقلته «الشرق الأوسط»، لا تزال «حماس» تحتفظ بقدر كبير من التماسك، رغم الخسائر الكبيرة، في حين أن هذه العصابات تفتقر إلى التأهيل السياسي والأمني اللازم لإدارة قطاع معقد مثل غزة.
كما أن شريحة واسعة من السكان تنظر إليها بريبة أو رفض، ما يحد من قدرتها على التحول إلى بديل فعلي.
الخلاصة: ظاهرة عابرة أم تهديد طويل الأمد؟
يبقى السؤال مفتوحاً: هل تمثل هذه العصابات مجرد نتاج مؤقت لفراغ أمني فرضته الحرب، أم أنها نواة لتحولات أعمق في بنية السلطة داخل غزة؟
وفق المعطيات الحالية التي أوردتها «الشرق الأوسط»، فإن هذه الظاهرة مرشحة للاستمرار ما دامت أسبابها قائمة، لكنها في الوقت ذاته قد تتحول إلى عبء أمني على جميع الأطراف، بما في ذلك الجهة التي يُعتقد أنها تدعمها.
