تشهد تطورات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة حالة من التعثر المعقّد، في ظل استمرار الخروقات الميدانية وتضارب المسارات السياسية، ما يثير مخاوف متزايدة من انهيار الاتفاق أو بقائه شكليًا دون تطبيق فعلي، وفق قراءات سياسية وتقارير ميدانية متقاطعة.
وقف إطلاق نار “شكلي” واستمرار العمليات
يرى مدير مركز المتوسط للدراسات الإقليمية أحمد رفيق عوض أن الحرب في غزة “لم تتوقف فعليًا، بل تغيّر شكلها”، مشيرًا إلى أن العمليات العسكرية مستمرة بوتيرة متقطعة، تشمل قصفًا واغتيالات وحصارًا مشددًا.
وأوضح أن نحو 60% من مساحة القطاع لا تزال خاضعة لسيطرة إسرائيلية مباشرة أو غير مباشرة، مع استمرار عمليات التدمير الممنهج، خاصة في المناطق الحدودية، ما يجعل الواقع الإنساني “كارثيًا” دون أي تحسن يُذكر منذ إعلان وقف إطلاق النار.
عرقلة تنفيذ الاتفاق وممانعة التدويل
وبحسب عوض، فإن إسرائيل لا تُبدي رغبة حقيقية في تنفيذ بنود الاتفاق، خصوصًا ما يتعلق بالانسحاب أو إدخال مساعدات كافية، كما ترفض إدخال أي قوة دولية، بما في ذلك “قوة الاستقرار”، ما يعكس سعيها للإبقاء على السيطرة الكاملة على القطاع.
وفي المقابل، تشير المعطيات إلى موافقة إسرائيلية مبدئية على دخول اللجنة الوطنية لإدارة غزة، برئاسة علي شعث، إلا أن دخولها لا يزال معطلًا فعليًا، في ظل غياب الضمانات والإمكانات اللوجستية والأمنية اللازمة لعملها.
مفاوضات القاهرة: تقدم حذر وخلافات جوهرية
على المسار السياسي، تشهد العاصمة المصرية القاهرة حراكًا تفاوضيًا مكثفًا بمشاركة وفد من حركة “حماس” ووسطاء دوليين، من بينهم نيكولاي ملادينوف، في محاولة لإنقاذ الاتفاق.
وتتمحور الخلافات الرئيسية حول إصرار إسرائيل على ربط الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، التي تشمل الانسحاب وإعادة الإعمار ونشر قوات دولية، بملف نزع سلاح الفصائل الفلسطينية، وهو ما ترفضه الفصائل بشكل قاطع.
وأكدت مصادر فلسطينية أن الفصائل شددت على ضرورة تنفيذ المرحلة الأولى بالكامل، بما يشمل فتح المعابر، وإدخال المساعدات، والسماح بإدخال مئات آلاف الوحدات السكنية المؤقتة، قبل الانتقال لأي نقاشات سياسية أو أمنية.
ستة مطالب فلسطينية لإنقاذ الاتفاق
وتتضمن الورقة الفلسطينية المقدمة للوسطاء ستة مطالب أساسية، أبرزها:
تنفيذ البروتوكول الإنساني كاملًا
إدخال ما لا يقل عن 600 شاحنة مساعدات يوميًا
بدء إعادة إعمار البنية التحتية الأساسية
السماح بدخول اللجنة الوطنية لإدارة القطاع
إنهاء وجود المجموعات المسلحة المدعومة من الاحتلال
ضمان انسحاب إسرائيلي تدريجي وفق جدول زمني واضح
وشددت المصادر على أن حل هذه “المليشيات” يمثل “خطًا أحمر”، في ظل مخاوف من تكرار سيناريوهات تاريخية دامية.
سلاح الفصائل: عقدة التفاوض الرئيسية
يُعد ملف سلاح الفصائل، وعلى رأسها “حماس”، العقدة الأساسية في المفاوضات، حيث تصر إسرائيل على جعله شرطًا مسبقًا لأي تقدم، بينما تعتبره الفصائل شأنًا فلسطينيًا داخليًا مرتبطًا بمسار سياسي شامل، بما في ذلك إقامة دولة فلسطينية.
وفي هذا السياق، اقترحت فصائل فلسطينية، خاصة من اليسار، صيغة تقوم على “تحييد السلاح” ضمن ترتيبات وطنية وتحت إشراف دولي، بالتزامن مع انسحاب إسرائيلي كامل وضمانات دولية.
“مجلس السلام” تحت التشكيك
أثار دور “مجلس السلام” الذي أُعلن برعاية الرئيس دونالد ترامب جدلًا واسعًا، حيث اعتبره عوض إطارًا “غامضًا” يفتقر إلى تمثيل فلسطيني حقيقي، ويركز على ترتيبات أمنية دون معالجة جوهر الصراع.
كما أشار إلى أن إسرائيل تتعامل مع هذا المسار بانتقائية، مستفيدة من عامل الوقت لتعطيل التنفيذ وفرض شروط جديدة.
خروقات مستمرة وأزمة إنسانية متفاقمة
ميدانيًا، وثّق المكتب الإعلامي الحكومي في غزة مئات الخروقات خلال شهر واحد، أسفرت عن سقوط عشرات الشهداء ومئات الجرحى، في مؤشر على هشاشة الاتفاق.
وفي ظل الحصار المستمر، يعاني القطاع من أوضاع إنسانية متدهورة، تشمل نقصًا حادًا في الغذاء والدواء، وارتفاع معدلات البطالة، وتدميرًا واسعًا للبنية التحتية.
مستقبل غامض بين الحرب والتسوية
يرى مراقبون أن إسرائيل لم تعد بحاجة إلى العودة إلى حرب شاملة بالشكل التقليدي، مفضّلة استخدام أدوات الضغط المستمر مثل الحصار والتقييد الاقتصادي، لتحقيق أهدافها دون كلفة سياسية وعسكرية كبيرة.
وفي المقابل، يبقى مستقبل الاتفاق مرهونًا بقدرة الوسطاء على تحقيق اختراق في الملفات العالقة، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار التعثر إلى تثبيت واقع “اللاحرب واللاسلم”، حيث يستمر النزيف دون أفق واضح للحل.
يقف اتفاق وقف إطلاق النار في غزة عند مفترق طرق حاسم، بين مسار تفاوضي هش وعراقيل ميدانية متواصلة، فيما يدفع السكان المدنيون الثمن الأكبر في ظل غياب حل سياسي شامل يضمن إنهاء الحرب وبدء إعادة الإعمار.
