الكابينيت يبحث استئناف القتال في غزة وسط قيود أميركية ودولية وتعثر ملف نزع السلاح

رئيس الأركان الإسرائيلي الجنرال إيال زامير في مقر القيادة العليا خلال الهجوم على الضاحية في لبنان.jpg

تتجه الأنظار في إسرائيل إلى اجتماع المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية والسياسية، «الكابينيت»، المقرر عقده غداً الأحد 03 مايو/آيار 2026، لبحث احتمال استئناف القتال في قطاع غزة، في تطور يعكس تصاعد التوتر حول مستقبل اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025، وتعثر الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الخاصة بإنهاء الحرب وإدارة المرحلة الانتقالية في القطاع.

وبحسب هيئة البث الإسرائيلية «كان»، تلقى وزراء الكابينيت إشعاراً بعقد جلسة الأحد لبحث مسألة احتمال استئناف الحرب على غزة، بعد عدم انعقاد المجلس يوم الخميس الماضي. ونقلت الهيئة عن مسؤول إسرائيلي قوله إن «حماس لا تلتزم بنزع السلاح»، مضيفاً أن إسرائيل تجري محادثات مع الوسطاء بشأن هذا الملف. كما أوردت وكالة الأناضول، نقلاً عن هيئة البث الإسرائيلية، أن الاجتماع سيبحث استئناف الحرب رغم استمرار اتفاق وقف إطلاق النار، في وقت تتهم فيه إسرائيل «حماس» بعدم الالتزام بترتيبات نزع السلاح، بينما تطالب الحركة بإلزام إسرائيل بتنفيذ بنود الاتفاق كاملة وبصورة فورية.

ويأتي هذا التوجه الإسرائيلي في ظل تقديرات داخلية أكثر تعقيداً مما تعكسه التصريحات السياسية العلنية. فقد ذكرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» أن إسرائيل تستعد لاحتمال ألا تمنحها الولايات المتحدة «الضوء الأخضر» لاستئناف القتال الواسع في غزة، وأن التقدير السائد هو أن واشنطن لن تسمح لإسرائيل بالتحرك بحرية عسكرية كاملة داخل القطاع، كما تفرض عليها قيوداً في الساحة اللبنانية. وأشارت الصحيفة إلى أن استئناف القتال يتطلب قراراً سياسياً من المستوى الأعلى، لكنه يصطدم بقيود دولية وأميركية، إضافة إلى أسئلة حول قدرة الجيش الإسرائيلي على إدارة جبهة غزة بكامل القوة في ظل انشغاله بالتصعيد في لبنان واحتمال تجدد المواجهة مع إيران.

وبحسب التقديرات التي أوردتها «يديعوت أحرونوت»، فإن الجيش الإسرائيلي قد يجد صعوبة في شن حرب مكثفة في غزة طالما بقيت الجبهة الشمالية مشتعلة، وقد يضطر إلى الاكتفاء بعمليات محدودة وفق نمط «جز العشب»، أي الضربات الموضعية المتكررة التي تستهدف بنى أو عناصر تعتبرها إسرائيل تهديداً، من دون الانزلاق إلى عملية برية واسعة أو حرب شاملة. وتضيف هذه التقديرات أن احتمال تجدد الحرب مع إيران سيستنزف جانباً كبيراً من اهتمام الجيش وموارده، ما يحد من هامش المناورة الإسرائيلية في غزة.

في المقابل، نقلت قناة i24NEWS عن مسؤول رفيع في هيئة الأركان الإسرائيلية قوله إن «جولة قتال إضافية مع حماس حتمية ولا يمكن منعها»، عازياً ذلك إلى رفض الحركة «نزع سلاحها» وفشل القوة متعددة الجنسيات أو قوة الاستقرار الدولية في أداء مهامها ميدانياً. كما نقلت القناة عن مصدر دبلوماسي غربي قوله إن المحادثات بين إسرائيل و«حماس» متوقفة منذ أسابيع، ولا يوجد أي تقدم حقيقي، زاعماً أن الطرفين يبدوان «راضيين تماماً عن الوضع الراهن». وكانت i24NEWS قد نشرت في الأسابيع الأخيرة تقارير عن تقديرات إسرائيلية تفيد بأن «حماس» استغلت فترة وقف إطلاق النار لإعادة بناء جزء من قدراتها العسكرية وتعزيز سيطرتها في المناطق التي تديرها داخل القطاع.

وتربط إسرائيل بحث استئناف الحرب بملف نزع السلاح، الذي يمثل العقدة الأبرز في الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق. فتل أبيب تشترط، وفق تقارير إسرائيلية، رؤية خطوات ملموسة لنزع سلاح «حماس» وتسلم حكومة تكنوقراط فلسطينية مهامها في غزة قبل السماح بتقدم ترتيبات قوة الاستقرار الدولية أو الانتقال إلى خطوات سياسية وميدانية أوسع. وفي هذا السياق، تحدثت تقارير عن أن إسرائيل منعت ممثلين عن قوة الاستقرار الدولية التابعة لـ«مجلس السلام» من دخول غزة والقيام بجولة فيها، بحجة عدم تحقق تقدم كاف في ملف السلاح وترتيبات الحكم.

أما حركة «حماس»، فتؤكد من جهتها استمرار المحادثات مع الوسطاء في القاهرة. وقال المتحدث باسم الحركة حازم قاسم، وفق ما نقلته الأناضول، إن الحركة تعاملت «بإيجابية» مع مقترحات الوسطاء، وإن النقاشات تهدف إلى ضمان تنفيذ مختلف جوانب الاتفاق، خصوصاً في ظل ما وصفه بـ«التعنت الإسرائيلي والخروقات الواضحة». وأضاف أن هناك جهوداً مصرية وقطرية وتركية لإيجاد مقاربات مختلفة، بعدما كانت بعض الطروحات الأولى غير مقبولة بالنسبة للحركة لأنها تبنت الموقف الإسرائيلي.

وتقول مصادر سياسية مطلعة إن «حماس» أبدت موافقة مبدئية على مناقشة ملف السلاح، لكنها ربطت ذلك بتحقيق الحقوق السياسية للشعب الفلسطيني ضمن ترتيبات أمنية شاملة، تشمل وقفاً كاملاً لإطلاق النار، وانسحاباً إسرائيلياً شاملاً من القطاع، وإعادة الإعمار، وإدخال قوات دولية، ونقل إدارة غزة إلى لجنة تكنوقراط. ووفق الرواية الفلسطينية، فإن الحركة تطالب أولاً بتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى من الاتفاق، وفي مقدمتها البروتوكول الإنساني، وفتح المعابر، وإدخال المساعدات ومواد الإيواء والإغاثة.

وتتزامن هذه التطورات مع تقرير لوكالة رويترز أفاد بأن الولايات المتحدة تتجه إلى إغلاق مركز التنسيق المدني العسكري CMCC في كريات غات جنوبي إسرائيل، وهو المركز الذي أُنشئ ليكون ركيزة في تنفيذ خطة ترامب الخاصة بغزة ومراقبة وقف إطلاق النار وتسهيل تدفق المساعدات. ونقلت رويترز عن دبلوماسيين مطلعين أن المركز فشل في امتلاك صلاحيات إنفاذ حقيقية، وأن تأثيره بقي محدوداً في ظل استمرار الضربات الإسرائيلية واحتفاظ «حماس» بسيطرة فعلية في مناطق من القطاع، مشيرة إلى أن مسؤولياته ستنقل إلى قوة الاستقرار الدولية بقيادة أميركية.

غير أن «مجلس السلام» نفى ما ورد في تقرير رويترز بشأن إغلاق المركز، واعتبره «ادعاءً خاطئاً»، مؤكداً أن مركز التنسيق يواصل عمله اليومي في تنسيق المساعدات ومراقبة وقف إطلاق النار. كما ذكرت تقارير إسرائيلية وأميركية أن المجلس وصف ما يجري بأنه إعادة هيكلة أو تطوير للدور، لا إغلاقاً كاملاً، في محاولة للرد على الانطباع بأن خطة ترامب تتعثر ميدانياً وسياسياً.

ويعكس الجدل حول مركز التنسيق أزمة أوسع في بنية إدارة المرحلة الانتقالية في غزة. فبينما تسعى واشنطن إلى نقل بعض المسؤوليات إلى قوة الاستقرار الدولية وتقليص الحضور العسكري الأميركي المباشر، لا تزال الدول المرشحة للمشاركة في القوة مترددة في تحمل مسؤوليات أمنية داخل بيئة شديدة التعقيد. وتشير رويترز إلى أن الخطة الأميركية تواجه صعوبات بسبب استمرار العمليات الإسرائيلية، والقيود على المساعدات، وتراجع حماسة بعض الأطراف الدولية للمشاركة في آليات ما بعد الحرب.

وتزداد الصورة تعقيداً مع استمرار السيطرة الإسرائيلية على مساحات واسعة من قطاع غزة. فقد كشفت رويترز، استناداً إلى خرائط إسرائيلية حديثة، أن مناطق السيطرة أو التقييد العسكري الإسرائيلي توسعت داخل القطاع، بما يضع ما يقارب ثلثي غزة ضمن نطاق سيطرة أو قيود عسكرية إسرائيلية مباشرة أو غير مباشرة. وأثار ذلك مخاوف فلسطينية ودولية من تكريس واقع ميداني جديد يعزل السكان في شريط ساحلي ضيق ويقوض فرص قيام إدارة فلسطينية مستقرة أو إعادة إعمار فعلية.

داخلياً، لا ينفصل النقاش الإسرائيلي حول غزة عن حسابات سياسية وانتخابية. فقد نقلت الأناضول عن محلل عسكري إسرائيلي في صحيفة «هآرتس» تحذيره من أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قد يسعى إلى إبقاء جذوة الحرب مشتعلة، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات العامة، وأن التسريبات المتكررة حول تعاظم قوة «حماس» قد تكون جزءاً من تهيئة الرأي العام لهجوم جديد على القطاع. وفي المقابل، يرى منتقدون داخل إسرائيل أن استئناف الحرب قد لا يحقق هدف «النصر الكامل» الذي رفعه نتنياهو منذ بداية الحرب، بل قد يزيد عزلة إسرائيل ويعمق أزمتها العسكرية والدبلوماسية.

إنسانياً، يتزامن بحث استئناف الحرب مع استمرار الخروقات الميدانية في غزة، حيث تقول وزارة الصحة في القطاع إن مئات الفلسطينيين استشهدوا وأصيبوا منذ بدء سريان وقف إطلاق النار. وتتهم الجهات الفلسطينية إسرائيل بالتنصل من التزاماتها في المرحلة الأولى، بما يشمل فتح المعابر وإدخال المساعدات الغذائية والطبية ومواد الإيواء، في ظل وجود نحو 1.9 مليون نازح من أصل 2.4 مليون نسمة في القطاع، وفق ما أوردته الأناضول استناداً إلى بيانات فلسطينية.

وبذلك، يبدو اجتماع الكابينيت المرتقب محطة اختبار لثلاثة مسارات متوازية: الأول عسكري، يتعلق بمدى استعداد إسرائيل للعودة إلى القتال الواسع أو الاكتفاء بعمليات محدودة؛ والثاني سياسي، يرتبط بقدرة الحكومة الإسرائيلية على انتزاع موافقة أميركية أو على الأقل تفهم أميركي لأي تصعيد؛ والثالث تفاوضي، يتصل بمصير المحادثات الجارية مع الوسطاء حول نزع السلاح، والانسحاب، والإغاثة، وإعادة الإعمار، وترتيبات الحكم في غزة.

وفي ظل هذه المعادلة، لا تبدو عودة الحرب قراراً إسرائيلياً داخلياً صرفاً. فإسرائيل تواجه قيوداً أميركية ودولية، وجبهات مفتوحة أو قابلة للاشتعال في لبنان وإيران، ومأزقاً ميدانياً داخل غزة، بينما تحاول «حماس» ربط ملف السلاح بسلة سياسية وأمنية أوسع. وبين تهديدات الكابينيت، وتحفظات واشنطن، وتعثر «مجلس السلام»، تبقى غزة عالقة بين وقف إطلاق نار هش واحتمال تصعيد جديد قد يعيد القطاع إلى دائرة الحرب المفتوحة.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - القدس