من قاعات الجامعات إلى الأرصفة.. خريجو غزة عالقون في اقتصاد الباعة المتجولين

في الأول من مايو/أيار 2026، قام شبان فلسطينيون بأداء حركات استعراضية مثيرة باستخدام الدراجات النارية والسيارات على طول شارع الرشيد، غرب مدينة غزة. (صورة: بلال أسامة )

مع ساعات الصباح الأولى، يدفع عبد الله الخواجة عربته الصغيرة عبر أحد الأزقة المزدحمة في سوق خان يونس جنوب قطاع غزة، متجنباً الحفر وبقايا الركام التي خلفتها الحرب.

وما أن يصل إلى بقعة ترابية ضيقة بين البسطات، حتى ينحني ليفرش بضاعته بعناية، ويرص أكياس التوابل في صفوف متناسقة، ثم يقف خلفها مترقباً أول الزبائن.

وقبل السابع من أكتوبر 2023، كان هذا المشهد بعيداً تماماً عن يومياته، حين كان طالباً في كلية الهندسة الكهربائية، يحمل كتبه وينشغل بحسابات الدوائر، واضعاً نصب عينيه مستقبلاً مهنياً في قطاع الطاقة.

لكن اليوم، يجد نفسه واحداً من آلاف خريجي الجامعات الذين دفعتهم الحرب إلى العمل كباعة متجولين في الأسواق الشعبية، في ظل انهيار غير مسبوق في سوق العمل.

ويقول الخواجة لوكالة أنباء (شينخوا) بينما يتابع حركة السوق بعينين متعبتين "كنت أعتقد أن الدراسة هي الطريق الوحيد لمستقبل أفضل، لكن الحرب غيرت كل شيء، لم يعد هناك مكان للعمل في تخصصنا، ولم يعد أمامنا سوى البحث عن أي مصدر دخل".

ويضيف بشيء من الحسرة أن خسارته لم تكن مادية فقط، بل "خسارة سنوات من الجهد والطموح".

ويعد الخواجة واحداً من بين آلاف الخريجين الجامعيين الذين تقطعت بهم سبل الحياة في قطاع غزة، واضطروا إلى العمل كباعة متجولين بحثاً عن مصدر دخل يؤمن الحد الأدنى من احتياجاتهم اليومية.

ولم تعد ظاهرة انتقال خريجي الجامعات إلى هذا النوع من العمل استثناء، بل تحولت إلى سمة بارزة من ملامح المرحلة الراهنة.

ففي الأسواق الممتدة من خان يونس إلى دير البلح ومدينة غزة، يبرز حضور لافت لشبان يحملون شهادات جامعية في تخصصات متعددة، من المحاسبة والإدارة إلى الهندسة والعلوم الإنسانية، وقد وجدوا أنفسهم يعملون في بيع مواد غذائية أو سلع بسيطة، بدخل محدود لا يكاد يغطي متطلبات المعيشة الأساسية.

غير بعيد عن بسطة الخواجة، يقف أيهم النجار، وهو خريج محاسبة، خلف طاولة خشبية بسيطة يصف عليها الحلويات وعبوات المشروبات، وينادي بصوت مرتفع على بضاعته في محاولة لجذب الزبائن وسط منافسة شديدة في السوق.

ويقول لـ(شينخوا) "كنت أحلم بوظيفة في شركة أو مؤسسة، وأن أبدأ تدريجياً في بناء مستقبلي خطوة خطوة، كما كنا نخطط دائماً بعد التخرج. لكن الحرب أوقفت كل شيء، ولم يعد هناك وظائف أصلاً، ولا حتى فرص تدريب يمكن أن نبدأ منها".

ويضيف النجار أن التحول إلى العمل في السوق لم يكن خياراً سهلاً، بل جاء تحت ضغط الظروف المعيشية الصعبة، موضحاً "اضطررت للعمل هنا لمساعدة أسرتي بعد أن فقدنا مصدر دخلنا، هذا ليس المجال الذي درسته، ولا الحياة التي كنت أتخيلها لنفسي، لكنه الخيار الوحيد المتاح في ظل هذه الظروف".

ويتابع "أحياناً أشعر أن كل ما تعلمناه في الجامعة أصبح بلا قيمة في هذا الواقع، نقف لساعات طويلة في السوق، ننتظر من يشتري، وقد يمر يوم كامل دون أن نحقق ما يكفي، الأمر مرهق جسدياً ونفسياً".

ويشير إلى أن تراجع القدرة الشرائية للسكان زاد من صعوبة العمل، قائلاً "الناس نفسها تعاني، وكل واحد يحسب ما في جيبه قبل أن يشتري، حتى السلع البسيطة لم تعد تُباع كما في السابق، وهذا ينعكس مباشرة على دخلنا".

ويختم حديثه بنبرة يغلب عليها الإحباط "كنا نحلم بحياة مستقرة، بوظيفة ومكانة اجتماعية، لكن اليوم كل ما نريده هو أن نتمكن من الاستمرار، وأن نجد طريقة نعيش بها يوماً بيوم".

أما مصطفى صلوح، الذي يبيع مواد التنظيف على بسطة متواضعة، فهو خريج إدارة الأعمال من إحدى جامعات قطاع غزة، وقد أنهى دراسته قبل سنوات قليلة وهو يأمل بالعمل في شركة أو مؤسسة خاصة.

ويصف صلوح تجربته بأنها "تحول قاسٍ من الحلم إلى البقاء"، مشيراً إلى أن حياته تغيّرت بشكل جذري خلال فترة قصيرة.

ويقول لـ(شينخوا) "درست لسنوات طويلة حتى أحصل على شهادة في إدارة الأعمال، وكنت أعتقد أنها ستكون المفتاح لحياة مستقرة، لكن في النهاية وجدت نفسي أبيع على بسطة في السوق. لم نتخيل يوماً أن نصل إلى هذا الوضع، ولا أن تضيع كل تلك السنوات بهذه الطريقة".

ويضيف أن ما يعيشه اليوم لا يقتصر على تغيير طبيعة عمله فحسب، بل يمتد إلى شعور عميق بعدم الاستقرار والقلق المستمر، مضيفاً "نستيقظ كل يوم دون أن نعرف ماذا سنجني، أحياناً نبيع بالكاد ما يغطي تكلفة البضاعة، الناس نفسها لم تعد قادرة على الشراء كما في السابق، وكل شيء أصبح يعتمد على المساعدات أو الديون".

ويتابع "أصعب ما في الأمر ليس العمل بحد ذاته، بل الإحساس بأنك فقدت المسار الذي كنت ترسمه لنفسك. كنا نحلم بوظائف في تخصصاتنا، بمستقبل واضح، أما الآن فنحن نحاول فقط أن نؤمن قوت يومنا".

ويشير إلى أن تراجع القدرة الشرائية للسكان وانخفاض حركة السوق زادا من صعوبة الأوضاع، قائلاً "الدخل غير مستقر إطلاقاً، وقد تمر أيام دون أن نحقق شيئاً يُذكر، وهذا يجعل الحياة أكثر قسوة، خاصة لمن يعيلون أسرهم".

وتعكس هذه القصص الفردية واقعاً أوسع يشهده قطاع غزة، حيث تشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى ارتفاع معدلات البطالة إلى نحو 68% خلال فترة الحرب، مع تراجع نسبة المشاركة في القوى العاملة إلى نحو 25 %، مقارنة بنحو 40 % قبل اندلاعها.

ويظهر هذا التراجع الحاد مدى الانكماش الذي أصاب سوق العمل، خاصة مع تدمير عدد كبير من المنشآت الاقتصادية وتوقف معظم الأنشطة الإنتاجية.

كما ارتفعت أسعار السلع الأساسية بنسبة 37.9 % خلال فبراير 2026، ما زاد من الأعباء المعيشية على الأسر، ودفع المزيد من الأفراد إلى البحث عن أي مصدر دخل، حتى وإن كان في القطاع غير الرسمي، بحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.

وفي هذا السياق، يقول الخبير الاقتصادي سمير أبو مدلله لـ((شينخوا)) إن انتقال الخريجين إلى العمل كباعة متجولين يعكس "اختلالاً عميقاً في بنية الاقتصاد"، مشيراً إلى أن السوق فقد قدرته على استيعاب العمالة المؤهلة.

ويضيف أن الاقتصاد في غزة دخل مرحلة "شلل شبه كامل"، حيث تراجعت القدرة الإنتاجية، وانخفضت مستويات الاستثمار، وتقلصت فرص العمل بشكل حاد.

ويوضح أن ما يحدث حالياً لا يتعلق فقط بارتفاع البطالة، بل بتغير طبيعة العمل نفسه، حيث أصبح القطاع غير الرسمي الملاذ الرئيسي لآلاف الأسر.

ويشرح "نحن أمام اقتصاد بقاء، يعتمد على أنشطة بسيطة لتوفير الحد الأدنى من الدخل، دون أي ضمانات أو استقرار".

من جهتها، حذرت وزارة العمل في قطاع غزة من "انهيار غير مسبوق" في سوق العمل، مشيرة إلى أن غالبية السكان باتوا يعتمدون على المساعدات الإنسانية، في ظل توقف سلاسل الإنتاج وتعطل المنشآت.

كما قدّر تقرير مشترك للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي احتياجات إعادة الإعمار بنحو 71.4 مليار دولار، في وقت انكمش فيه اقتصاد غزة بنسبة 84 %، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه أي محاولة لإنعاش الاقتصاد.

وبالنسبة لعبد الله الخواجة، لا تبدو هذه الأرقام مجرد إحصاءات، بل واقعاً يومياً يعيشه بكل تفاصيله. ومع نهاية اليوم، يبدأ في جمع بضاعته القليلة، ويحصي ما كسبه، وغالباً ما يكون بالكاد كافياً لتغطية احتياجات أسرته الأساسية.

ورغم ذلك، يقول إنه لا يزال متمسكاً بشيء من الأمل، حتى وإن بدا بعيداً "نحن لا نبحث عن الرفاهية الآن.. نريد فقط فرصة لنعيش بكرامة، وأن نعود يوماً إلى العمل في مجالاتنا التي تعبنا من أجلها". 

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - غزة (شينخوا)