رواية " أطياف" للكاتبة وفاء شاهر داري في اليوم السابع

بقلم: ديمة السمان

أطياف.jpg

ناقشت ندوة اليوم السابع الثقافية المقدسية الأسبوعية رواية " أطياف" للكاتبة وفاء شاهر داري، والتي صدرت عام 2025 عن دار الرعاة للدراسات والنشر. تقع الرواية في 212 صفحة من القطع المتوسط، صمم غلافها الفنان التشكيلي ناصيف سليمان، ودققها لغويا ميادة سليمان.. وقام بتنسيق الكتاب الكاتب والشاعر أحمد كزارة، كما تمت طباعة الكتاب في مطبعة أبو خليل.

ديمة جمعة السمان


افتتحت الندوة مديرتها ديمة جمعة السمان، حيث رحبت برواد الندوة وعرّفت بالكاتبة قالت:

يسرّنا في هذه الأمسية الثقافية أن نلتقي لنقاش رواية أطياف، للكاتبة وفاء شاهر داري.. هذا العمل الذي يفتح أبواب الذاكرة والأسئلة والوجع الإنساني على مصراعيها، ويقودنا إلى عوالم تتقاطع فيها الذات الفردية مع الهمّ الوطني، والحياة الخاصة مع التاريخ الجمعي الفلسطيني.

ضيفتنا اليوم هي الكاتبة وفاء شاهر داري، وهي واحدة من الأصوات الفلسطينية التي جمعت بين البحث الأكاديمي والمعرفة والتجربة الإنسانية.

وفاء شاهر داري كاتبة وباحثة مقدسية من فلسطين، وباحثة دكتوراة في تخصص التعليم والتعلّم في جامعة النجاح الوطنية، وأكاديمية متخصصة في القضايا التربوية والأدبية والنقدية. نشرت العديد من الدراسات العلمية المحكمة التي تناولت قضايا معاصرة، من بينها توظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم، والهوية الثقافية، والخطاب السردي. كما نشرت ثمانية مؤلفات تنوعت بين النقد الأدبي، وأدب الأطفال، والنصوص الأدبية، والشعر الحر، والرواية، وشاركت إصداراتها في أكثر من عشرة معارض دولية بين الأعوام 2023 و2026.

وهي عضو في عدد من الأندية والمؤسسات الثقافية العربية والدولية، كما شاركت في محافل علمية وثقافية دولية وحصلت على تكريمات متعددة، من أبرزها إدراجها ضمن أفضل مئة شخصية عربية لعام 2024، إلى جانب حصولها على شهادة الإبداع والتميّز الأدبي من مركز السنابل للدراسات والتراث الشعبي في فلسطين لعام 2025.

وأضافت السّمان:

رواية أطياف تندرج ضمن الأعمال التي تراهن على الحسّ الداخلي وعلى الذاكرة بوصفها بطلًا خفيًا يوجّه السرد.

 من أبرز إيجابيات الرواية عمقها النفسي اللافت؛ إذ تنجح الكاتبة في الغوص داخل وعي الشخصية الرئيسة، مقدّمةً طبقات من المشاعر: الخذلان، الوحدة، الحنين، والتردّد. هذا الاشتغال على الداخل جاء عبر تداعيات متلاحقة تمنح القارئ إحساسًا بالمشاركة في التجربة.. وتتعزز هذه القوة عبر لغة عالية الحساسية، شفافة ومشحونة في آن واحد، كما تميل إلى الإيحاء والتكثيف، وتقترب في بعض المقاطع من الشعر دون أن تفقد سرديتها.

كما تُحسب للرواية قدرتها على توظيف الذاكرة كآلية بنائية؛ فالعنوان "أطياف" يجد صداه في بنية النص، حيث تتداخل الأزمنة داخل وعي الشخصية، وتتحول الذكريات إلى قوة فاعلة تعيد تشكيل الحاضر. هذا التداخل يمنح العمل بعدًا تأمليًا عميقًا، ويُعبّر عن طبيعة الوعي الإنساني حين يثقل بالتجارب.

ومن نقاط القوة في الرواية أيضًا حضور البعد الوطني بصورة غير مباشرة؛ فالقضية الفلسطينية طرحت عبر تفاصيل الحياة اليومية، عبر القلق والخسارات الصغيرة، وعبر الإحساس الدائم بالهشاشة. هذا التقديم الهادئ يمنح النص صدقًا أكبر، ويجنّبه الوقوع في المباشرة.

كذلك، تبرز قدرة الكاتبة على رسم شخصية نسوية مركّبة ومعقّدة، تتأرجح بين القوة والانكسار، بين الرغبة في الحياة وثقل التجربة. مما يمنح الشخصية حيوية، ويجعلها قابلة للتأويل من أكثر من زاوية.

غير أن هذه الإيجابيات تصطدم بخلل واضح في إدارة الزمن الروائي، وهو ما ينعكس سلبًا على مصداقية العمل. فالرواية تقع في تناقضات زمنية يصعب تبريرها فنيًا؛ من ذلك الإشارة إلى تلقي دعوة عبر البريد الإلكتروني في سياق يُفترض أنه سابق لانتشار هذه الوسيلة في فلسطين، التي لم تدخل فعليًا إلا في تسعينيات القرن الماضي، ويتعزز هذا الخلل مع عدم انسجام المسار التعليمي للبطلة أطياف، حيث يشار إلى أنها درست الإعلام في جامعة النجاح الوطنية، رغم أن هذا التخصص لم يتبلور إلا في التسعينيات، في حين أن عمر الشخصية—كما يُفهم من السياق—يقترب من العقد الثامن. هذا التداخل بين الأزمنة يطرح إشكالًا في دقة البناء.

كما يظهر تناقض في البنية الاجتماعية للشخصيات، خاصة في صورة الأب، الذي يُقدَّم بوصفه محافظًا إلى درجة رفض خاطب لابنته " أطياف" بسبب لقاء سابق معها، ثم يبدو أقل تشددًا في مواقف أخرى دون تفسير درامي واضح، فلم يظهر رفضه لمنحة تدريب إعلامي لابنته في باريس.. بل صافي هو من رفض ذلك. هذا التباين يضعف من تماسك الشخصية.

كما يبرز أيضًا خلل في تصوير الواقع التاريخي للقدس؛ إذ توحي بعض المقاطع بوجود قيود على دخول الفلسطينيين إلى القدس من الضفة الغربية تشبه الواقع الحالي، بينما كان الوضع قبل التسعينيات مختلفًا نسبيًا من حيث سهولة الوصول والتنقل.. أو حتى بعد الانتفاضة. هذا الإسقاط غير المبرر لواقع معاصر على زمن سابق يزيد من الإرباك.

في الختام.. أطياف عمل قوي في لغته وعمقه النفسي، وناجح في التقاط هشاشة الإنسان الفلسطيني عبر كتابة تأملية صادقة، لكنه يتعثر في دقة الزمن والتفاصيل الواقعية، ما يؤثر في تماسكه العام. وبين هذه القوة والخلل، تبقى الرواية تجربة أدبية لافتة، تستحق القراءة، لكنها تستدعي أيضًا نقدًا يقظًا يوازن بين الإعجاب والمساءلة.

وقالت د. روز اليوسف شعبان:

هي رواية تجمع في أطيافها، كفاح المرأة ونضالها، أسوة بالرجل، فلكلّ طريقته في الكفاح والنضال، هي رواية المقاومة والتحدّي، والنجاح، والعقوق، وقساوة الاحتلال، والإذلال في الحواجز، والحرمان، والتهجير، وأرشفة النكبة، وقصص التهجير، ولعلّ القرية المهجّرة لفتا، تتصدّر قائمة القرى المهجّرة، خاصّة أنّ والد صافي زوج أطياف هُجِّر منها. هي رواية المرأة "الّتي تكتب كي لا يمحى صوتها، امرأة ذات وجع وذات حلم، ذات وطن مثقل بالحكايات كي لا يقال لاحقًا أنّنا متنا صامتات"(ص 186). وهي رواية الأبناء الّذين يصبحون أطيافًا في حياة والدتهم، تتمنّى قربهم، وتتوق إلى كلمة طيّبة، أو زيارتها بين الفينة والأخرى. لكنّهم يحرمونها من كلّ ذلك، فتبقى أطيافهم الذكرى الّتي ترافق بطلة الرواية حتّى مماتها.

تهدي الكاتبة روايتها إلى المرأة الّتي تمشي داخل المعنى، وتحمل على كتفيها ما لا يقال، وإلى كلّ امرأة عربيّة، وفي القلب، تلك الفلسطينيّة الّتي تتقن أن تمشي حافية على حافّة التاريخ دون أن تنكسر.

نستشفّ من هذا الإهداء، أنّ الرواية تطرح قضايا تتعلّق بالمرأة بشكل عام، والفلسطينيّة بشكل خاصّ، وذلك من خلال قصّة المرأة الفلسطينيّة المقدسيّة أطياف، هذه المرأة التي يُقتل زوجها صافي برصاص جنود الاحتلال وهم داخل مطعم، إلّا أنّها لا تستسلم للحزن، بل تتابع دراستها في موضوع الصحافة وتحصل على لقب الدكتوراه، وتعمل محاضرة في الجامعة، إضافة إلى كتابتها للمقالات يوميًّا، وترهن نفسها لأولادها، تربّيهم، وتبني لكلّ واحد شقّة، وتعلّمهم، فيتعلّم نجم في أمريكا العلوم السياسيّة ويتزوّج أمريكيّة، ويعيش هناك، وابنتها زهرة تتعرّف على شاب يعيش في سويسرا، يأتي لزيارة الأقارب، فيقع في حبّها، ويتزوّجان رغم معارضة أطياف في بادئ الأمر. أما بكرها ورد، فلم يتعلّم ولم يفلح في أيّ شيء، وليس ذلك فحسب، فهو رجعيّ في أفكاره، عارض زواج أخته زهرة من سيف، لأنّه اعتبر هذه العلاقة بينهما مسًّا بشرفه، فامتدّت يده إلى أخته ليضربها، عندها وقفت أطياف كلبؤة تدافع عن ابنتها، ولم تسمح بمشهد الذكورة العمياء داخل بيتها. ولعلّ دلال أطياف الزائد لابنها ورد، جعله بهذه الصفات، فهو كسول، لا يعمل، والدته تلبّي له جميع طلباته، وكان يكره أن يُعرّف بأنّه: ابن إنجازات أمّه"(ص 125).

من خلال قصّة أطياف، نقف على وضع المرأة الفلسطينيّة، الّتي تقيّدها الأعراف والتقاليد، فتخسر أطياف منحة للاشتراك في دورة تدريب عالميّة للصحفيين، والّتي أقيمت في باريس لمدّة ثلاثة أشهر، بعد أن عارض زوجها سفرها إلى الخارج، بحجّة الأعراف والتقاليد قائلا لها:" هناك أعراف لا تُناقش، إنّها كالسيوف المعلّقة في الهواء لا تراها، لكنّك تعرف أنّها قد تهوي متى شاءوا، وأنا لا أريد أن أكون هدفهم، ولا أن تكوني أنت الذريعة"(ص 68).  عندها كتبت أطياف في دفترها بحرقة ما يلي:" كان الحلم نافذة لكنّ المدينة أغلقتها، لا لشيء سوى أن اسمي أنثى"(ص 68). على الرغم من هذه الأعراف والقيود، إلّا أنّ المرأة تشارك في النضال الوطنيّ، مثل مي الكرمي صديقة أطياف وزميلتها في الجامعة، التي ترابط في الأقصى، وتعتقل.

وهكذا تتجلّى في الرواية صور عديدة ومتنوعّة للمرأة الفلسطينيّة، المرأة المتعلّمة في الجامعات، المشاركة في النضال الوطنيّ والسياسي، المرأة الحكيمة الذكيّة مثل والدة صافي الّذي رفض والد أطياف تزويج ابنته من صافي، لأنهما تقابلا في حديقة عامّة، فتبدي أم صافي حكمة وعقلانيّة وتقنع والد أطياف بتزويج ابنته من ابنها.

إلى جانب ذلك، تطرح الكاتبة موضوع عقوق الأبناء، فعلى الرغم من التضحيات الّتي قدّمتها أطياف من أجل أبنائها، إلّا أنهم تنكّروا لها، ولم يسألوا عنها إلّا نادرًا. أمّا ابنها ورد فكان أكثر أبنائها عقوقًا، وبعد زواجه أسكن زوجته في بيت والدته على الرغم من معارضة والدته، بينما أجّر شقّته، فاضطرّت أطياف إلى مغادرة بيتها، والعيش عند عمّها، ثمّ اشترت شقّة صغيرة سكنت فيها حتّى مماتها، ولم يكلّف ورد نفسه بزيارة أمّه أو السؤال عن أحوالها.

لقد توسّمت أطياف في أولادها أن يكونوا سندًا لها في شيخوختها، وأن يعوّضوها عن تعبها وتفانيها في تربيتهم وتعليمهم وتوفير حياة كريمة لهم، لكنّهم خيّبوا ظنّها، وأحسّت "أنّ أبناءها مثل أطيافها، أصبحوا أشباحًا تمرّ بها الحياة دون أن تمسكهم بيدها"(ص 88). فتتساءل أطياف: هل كان الوفاء جرمي؟ وهل يكون الهجران عقوبة من تخلص أكثر من اللازم؟ (ص 125-126).

في نهاية الرواية يحضر لزيارتها حفيدها صافي ابن نجم، بعد أن استلم وظيفة ضمن بعثة الأمم المتحدة في رام الله، هذا الأمر أسعد أطياف، وأدخل البهجة إلى قلبها. وتقرّر أن تكتب وصيّة، فتوصي بيتها الذي تعيش فيه لحفيدها صافي، أمّا بيتها الذي سكنه ابنها ورد وعائلته فقد أوصت أن يتحوّل إلى مركز توثيق صحفيّ لعمل مكتبة أو دار أرشيف تحفظ سرديّات النكبة، وهو المشروع الذي كان يحلم بتحقيقه زوجها صافي. وتوصي ألّا يودّعها ورد، ولا يحقّ له أن يحمل نعشها، ولا أن يطلّ بعينيه على وجهها الراحل.

هكذا تعاقب أطياف ابنها العاقّ، وتحرمه من ميراثها، وفي ذلك إشارة من الكاتبة إلى القوّة التي تتمتّع بها المرأة الفلسطينيّة، حتّى في شيخوختها، فتموت بهدوء، دون ضجيج، ويصل الندم بورد حدًّا يجعله يفقد حياته فيموت قبل أن تنزل دموعه. 

تميّز السرد في الرواية ب "الرؤية من الخلف": يتميّز السارد فيها بكونه يعرف كلّ شيء عن شخصيّات عالمه، بما في ذلك أعماقها النفسانيّة، مخترقًا جميع الحواجز كيفما كانت طبيعتها، كأن ينتقل في الزمان والمكان من دون صعوبة، ويرفع أسقف المنازل ليرى ما في داخلها وما في خارجها، أو يشقّ قلوب الشخصيّات ويغوص فيها ليتعرّف إلى أخفى الدوافع وأعمق الخلجات. (بوطيّب، 1993، ص. 72.). هذا السرد يروى بضمير الغائب. ورغم ذلك فقد جاء بعض السرد ذاتيًّا على لسان بطلة الرواية أطياف، مطعّمًا بتقنيّات الاسترجاع والمونولوج والتذكّر.

من الأمثلة على السرد الذاتيّ:" أغمض عينيّ أحاول أن أرى وجه الوطن في ظلام الجفنين لكن كلّ ما أراه: أطفال يلعبون فوق أنقاض حلم، وزوج يمسك بيديه ترابًا وما يزال الصوت يهمس لي: لا تحزني يا أطياف نحن لا نموت (ص 16).

:" في ذلك الظهر الغامض، مررنا بشارع صلاح الدين في قلب القدس العامرة، حيث جنود الاحتلال يملؤون الأفق كجراد، وشرطة تعبر الأرصفة كغول جاثم على الصدور"(ص 70).

من الأمثلة على الحوار الداخلي(المونولوج) ما يلي:" تساءلت في نفسها:" هل تبكي كوابيسي في الأحلام؟ :" قالت في نفسها: لا بأس. ما تزال ملامحك تحتفظ ببعض القَبول"(ص 6).

ومن الاسترجاعات ما يلي:" استرجعت بذاكرتها أكثر من ثلاثين عامًا، تذكّرت طقوسها اليوميّة ومظهرها الّذي كان يبدو أصغر بكثير من عمرها الحقيقيّ، تذكّرت ذلك الصباح الهادئ حين أعدّت كوب النعناع و..(ص 9).

:" استعادت مشهد آخر يوم جمعهم في السقف ذاته، الشارع الضيّق في القدس: أطفالها الصغار، يد صافي تمسك بكتفها، وهو يبتسم مطمئنًّا رغم تهديدات الغول الغاشم"(ص 14).

رغم تقنيّات الحداثة التي استخدمتها الكاتبة، إلّا أنّ السرد بضمير الغائب أفقد الرواية عمقًا في المشاعر. من وجهة نظري، لو جاء السرد ذاتيًّا، لكان للرواية وقع أكبر على نفس القارئ، ذلك أنّ السرد الذاتيّ، يأخذ القارئ إلى العالم الذاتيّ لبطلة الرواية، فنطّلع على اختلاجاتها وهواجسها ومخاوفها وتحدّياتها بعمق أكبر.

في الختام أتساءل: هل الدلال الزائد يؤدّي إلى عقوق الأبناء وتمرّدهم؟ وهل منح الأبناء كلّ شيء يجعلهم أطيافًا في حياة والديهم؟ ولماذا تحرم الأرملة نفسها من حقّها في الحبّ والزواج، وتضحي بشبابها من أجل أبنائها، في حين لا يقدّر المجتمع ولا الأبناء هذه التضحية؟

وقالت نزهة أبو غوش:

حين تتحوّل الذاكرة إلى كائن حي ليست رواية «أطياف» مجرد سرد لحكاية إنسانية عابرة، بل هي بناء شعوري كثيف، تتداخل فيه الذاكرة مع الواقع، ويتحوّل فيه الغياب إلى حضورٍ أشدّ إيلامًا من الوجود ذاته. إنها رواية تُكتب بحبر الفقد، وتُقرأ بنبض القلب، حيث لا يعود الزمن خطًّا مستقيمًا، بل دائرة من الحنين، تتسع كلما حاولت الشخصية الخروج منها. تتمحور الرواية حول شخصية أطياف، التي لا تُقدَّم بوصفها فردًا معزولًا، بل كمرآة لوجعٍ جمعيّ، تختزن في داخلها ذاكرة وطنٍ وامرأةٍ في آنٍ معًا. فهي الأم، والأرملة، والصحفية، لكنها قبل كل شيء كائن يعيش على حافة الانكسار دون أن يسقط. يتجلّى عمقها النفسي في ذلك التوتر المستمر بين التماسك الخارجي والانهيار الداخلي، حيث تتحول الدموع إلى لغة بديلة، والصمت إلى خطابٍ أكثر فصاحة من الكلام. في مقابلها، يبرز صافي، الذي، رغم غيابه الجسدي، يحضر بوصفه ضميرًا حيًّا، وصوتًا للذاكرة الجماعية. إنه لا يمثل شخصًا بقدر ما يجسد فكرة: فكرة المقاومة عبر الحكي، والتمسك بالذاكرة في وجه النسيان. ومن خلاله، تنفتح الرواية على بعدها السياسي، دون أن تقع في المباشرة، إذ يتحول التوثيق إلى فعل مقاومة، وتصبح الحكاية شكلًا من أشكال البقاء. أما الشخصيات الأخرى، كـعاصم ووَرْد، فتشكّل امتدادًا لهذا العالم المتشظي؛ حيث يمثل الأول الوعي المثقل بتاريخ لم يعشه بالكامل، بينما يجسد الثاني أزمة الجيل الذي وُلد في ظل هذا الإرث، دون أن يمتلك أدوات التكيف معه. وهنا، تتجلى براعة الكاتبة في رسم صراع الأجيال، ليس بوصفه خلافًا عابرًا، بل كاختلال عميق في البنية النفسية والاجتماعية.

العاطفة في الرواية ليست عنصرًا مكمّلًا، بل هي النسيج الذي تُبنى عليه الأحداث. إنها عاطفة مشبعة بالحزن، لكنها ليست حزنًا سطحيًا، بل حزنٌ وجودي، يتسلل إلى التفاصيل الصغيرة: إلى الوسادة، إلى الرسائل، إلى الصمت الطويل. وهذا ما يمنح النص طابعه الشعري، حيث تتحول اللغة إلى مساحة تأمل، لا مجرد أداة نقل. أما من حيث البناء السردي، فإن الرواية تنتمي إلى السرد النفسي، حيث يتقدّم الداخل على الخارج، ويتحوّل الاسترجاع إلى تقنية مركزية. فالزمن هنا ليس إطارًا للأحداث، بل موضوعًا في حد ذاته، إذ يتأرجح بين ماضٍ لا يمضي، وحاضرٍ عاجز عن الاكتمال. وهذا التداخل الزمني يمنح النص عمقًا، ويعكس الحالة النفسية للشخصيات التي تعيش في أكثر من زمن في آنٍ واحد. وعلى المستوى التصنيفي، يمكن القول إن الرواية اجتماعية بامتياز، لأنها تنفذ إلى بنية المجتمع من الداخل، كاشفةً عن تشققات العلاقات الأسرية، وهيمنة القيم التقليدية، واستمرار أنماط القمع عبر الأجيال. لكنها، في الوقت ذاته، تتجاوز هذا التصنيف، لتلامس السياسي والوجودي، حيث يصبح الوطن ليس مجرد مكان، بل حالة شعورية، ويغدو الفقد قدرًا يوميًا. أما الصراع، فهو القلب النابض في هذا العمل، وهو صراع متعدد المستويات: داخلي، يتمثل في مواجهة الذات مع ذاكرتها؛ وعائلي، يتجسد في العلاقة المتوترة بين الأم وأبنائها؛ واجتماعي، يعكس تصادم الفرد مع منظومة القيم؛ وسياسي، يتخفّى خلف تفاصيل الحياة اليومية. غير أن أعمق هذه الصراعات يظل ذاك الذي يدور بين الذاكرة والنسيان: هل يمكن للإنسان أن ينجو من ماضيه، أم أنه محكوم بأن يعيش في ظلاله إلى الأبد؟ في النهاية، لا تقدّم «أطياف» إجابات جاهزة، بل تترك القارئ في مواجهة أسئلته الخاصة. إنها رواية لا تُغلق أبوابها عند الصفحة الأخيرة، بل تظل مفتوحة في الوعي، كأنها تهمس: هل نحن من نمتلك ذاكرتنا… أم أن الذاكرة هي التي تمتلكنا؟

أطياف.jpg


 

وقال بسام داوود طراوة:

الرواية اجتماعية تطرقت للكثير من قضايا المجتمع بلغة سهلة واسلوب شيق .

تدور احداثها حول عائلة اطياف المكونة منها ومن زوجها صافي وابناءها ورد ,نجم ,زهرة .

تبدأ احداث الرواية منذ هجوم المستوطين على بلدة لفتا في ضواحي القدس وتعرضها للتدمير وقتل سكانها او تهجيرهم من البلدة التي كانت تضم المسيحين والمسلمين معا وحولها الاحتلال فيما بعد لمحمية طبيعية وقد اضطر من بقي من السكان على قيد الحياة للهروب واللجوء لمخيم اقيم في منطقة البقعة تنقصه كل الخدمات الاساسية وكان من بين اللاجئين والد ووالدة صافي وبنتهم ليلى المريضة التي توفيت بسبب نقص العلاج الطبي ,اقاموا فترة في هذا المخيم ثم انتقلوا لحي الشيخ جراح وهناك رزقا بطفلهم الاول (صافي) ولعدم توفر الامان بسب اعتداءات المستوطنين انتقلوا حفاظا على طفلهم الى ضاحية البريد .

تمر السنين ويكبر صافي ويلتحق بجامعة بيرزيت ليدرس العلوم الانسانية هذه الجامعة التي احتضنت اجيالا من الشباب درسوا فيها المعارف الاكاديمية وحملوا معهم اعباء القهر والحرية .

لمع اسم صافي هناك اصبح يقود مظاهرات ضد الاحتلال اهتم باقامة ارشيفا لروايات كبار السن في القرى المهجرة قبل ان تختفى ذاكرتهم وتولى منصب رئيس اتحاد الطلبة وتسلح بدستور الجامعة الذي ينص على حرية الفكر واظهار الحقيقة التي لا تحيد فالحياد ازاء الظلم خيانة ليتم اعتقاله من قبل سلطات الاحتلال التي اتبعت هذه السياسة في الاقدام على اعتقال الشباب محاولة منها لقمع الذاكرة لاخماد جذوة تتقد في قلوبهم نتيجة الظلم والقهر .

امضى صافي عدة شهور داخل السجن ليتم الافراج عنها ويعود يمارس نشاطاته الوطنية من جديد والتقى فكره بفكر زميله عاصم السعدي حول المقاومة الثقافية واتفقا لتأسيس ارشيف القرى المنكوبة الا ان السعدي اعتقل ونفي فيما بعد خارج الوطن .

اما اطياف ابنة حي الشيخ جراح التي سكنت عائلتها في هذا المخيم بعد الهجرة وكانت عائلتها تقيم علاقة قوية مع عائلة صافي قررت بعد الانتهاء من الثانوية العامة الالتحاق بجامعة النجاح بتشجيع من عائلتها التي صممت لتعليم ابنتهم ومجابهة الاقاويل التي ترى ان تعليم الفتاة يعتبر ترف وغير ضروري فالتعليم في المجتمعات القروية لم يكن اولوية بل مجرد عبور مؤقت نحو الزواج .

قررت دراسة الصحافة هي وصديقتها مي الكرمي ابنة القدس وقررن ان لا يكن صحفيات فقط بل حافظات للذاكرة .

وشاءت الاقدار ان يشاهد صافي في احد الاعراس الطالبة الجملية الجاذبة اطياف لتدخل قلبه ويتعلق بها وقرر ان تكون زوجة له فكافح وصارع من اجل الوصول اليها متحد جميع العقبات والعراقيل والعادات والتقاليد البالية متخطيا طريقة الزواج التقليدي الذي كان سائدا في تلك الايام ونجح في الوصول اليها ليتزوجا ويشكلان اسرة جميلة لتكمل اطياف دراستها الجامعية ويرزقهم الله ثلاثة اطفال ورد ,نجم ,زهرة .

في احد الايام دخلت الاسرة لتناول وجبة طعام في احد المطاعم في شارع صلاح الدين في القدس قام جنود الاحتلال بمهاجمة المطعم كما هي سياستهم العدوانية العنصرية واطلقوا الرصاص وقنابل الغاز داخل المطعم لتصيب رصاصة قلب صافي ويسقط شهيدا لتصبح اطياف ارملة وهي في عز شبابها .ان استشهاد زوجها هو نموذج حي من الروايات الفلسطينية اليومية التي تكابد الظلم والقهر والمعاناة وتقول اطياف ان ذلك لا يكسر اقلامنا بل تلملم شتات ارواحنا وتبعث من الركام قصائد .

تحدت اطياف الظروف وصممت لان تتفرغ لتربية ابناءها وتعليمهم كدت وتعبت وتحملت الامرين اشترت قطعة ارض تحملت الديون بنت لها شقة ثم وسعت البناء لتبني لكل واحد منهم شقة خاصة به ليعيشوا بالقرب منها داخل الوطن فلا تريد لهم الغربة على الرغم من قسوة الاحتلال فهي المرأة التي لا تستكين تواصل عملها تكتب مقالاتها تزور والديها ووالدي صافي وتصلي في الاقصى تكمل دراستها العليا لتحصل على الدكتوراة .

تمر السنين يكبر الاولاد يقرر نجم السفر لامريكا لاكمال دراسته العليا في موضوع العلوم السياسية آمن بحرية الفكر والتنوير السياسي وهي ادوات لا تقل اهمية عن الكفاح المسلح للدفاع عن قضيته حصل على الدكتوراة واصبح قريبا من دائرة صنع السياسات تعرف خلال دراسته الجامعية على فتاة امريكية اسمها سارة مناهضة للظلم والقهر امنت بقصية الشعب الفلسطيني اقتربا من بعض احبها واحبته وتوج ذلك بزواجهما .

اما زهرة بعد الثانوية قررت دراسة الصيدلة وتعرفت على شاب فلسطيني قدم من النمسا اعجبت به احبها واحبته واتفقا على الزواج وان تسافر معه الى النمسا لكن امها عارضت فلا تريد لها الغربة لكن زهرة صممت وقالت ان القرار قرارها وهذا امر يخصها لا يخص احدا غيرها فهي تربت على الحرية وعليها ان تطبق حريتها مما ارجع اطياف بذاكرتها للماضي كيف كانت النساء تخضع للعادات والتقاليد ولسلطة الاب والمجتمع وتم زواج سارة حسب رغبتها فهي غير مجبرة ان تعيش حسب رغبات الاخرين ورغبة المجتمع وسافرت مع زوجها الى النمسا .

اما ورد بقي عند والدته معتمدا عليها لكنه لم يتقن فن الحوار والتواصل معها وبقي منشغلا بعالمه الخاص وسيطرت عليه الذكورية العمياء واخذت امه تشعر بالغربة معه فهو الغريب البعيد فلا احد يتقاسم معها حرارة الروح واصبح خصما لها خاصة عندما فكر بالزواج من بنت جيرانهم هدوب واراد ان يسكن هو وزوجته عندها في نفس الشقة متجاهلا خصوصيتها ومتجاهلا ما قد ينشأ من خلاف بين الحماة وكنتها المعروف في المجتمع مما سبب لها الضيق والنفور منه فطلبت منه ان يعيش في شقته لكنه رفض فاتسعت الفجوة بينهما واشتد الخلاف لدرجة شعرت انه ولد عاق فاخذ ينكد عليها عيشتها فبدأ بمراقبتها يبحث عن اي خطأ لها ليجد في احد الايام رسالة من صديق لها على جهازها المحمول طالبا منها الزواج ليثور ويهيج واخذ يهدد ويتوعد وابلغ اخوته والعائلة واتهمها بالخيانة واعتبر ذلك مساسا بشرف العائلة فكيف لارملة ان تفكر بالزواج وكأن ذلك محرما متناسي ان الزواج قرارا شخصيا ومتناسي الشرع والدين فارتجفت العائلة خوفا من الالسن في مجتمع تسوده العادات والتقاليد البالية على حساب ما احل الله وشرع .

تعبت اطياف كيف يحدث هذا معها وهي مدافعة عن حقوق المرأة وتمكينها واصبحت عارية من كل القيم التي نادت بها شعرت انها امراة فلسطينية عربية تقف عند ثلاث ظلمات المجتمع ,الجندر ,الاحتلال فهربت الى محرابها المقدس الى الكتابة حين يخونها المجتمع .

ازداد الامر تعقيدا عندما حاول الاخوة التفكير لتقسيم الارث بينهم وهي على قيد الحياة تسائلت كيف لو لم اربيهم جيدا او لو لم اعلمهم او لو تزوجت وتركتهم ضاقت الدنيا بعينيها شعرت بالغربة القاتلة فقررت ترك البيت لتذهب عند صديقتها مي الكرمي قضت عندها عدت ايام ثم ذهبت عند عمها لتجده يعاني من نفس الوحدة والغربة بسبب هجرة ابناءه للخارج فقررت شراء بيت بسيط انتقلت اليه وبقيت فيه بقية عمرها الى ان وصلت لعمر الثمانين .

كتبت وصيتها بان وهبت شقتها لتكون مكتبة للارشيف وان لا يودعها او يراها ورد عند وفاتها ليبقى في الغياب وقالت افوض امري الى الله اما الكلام الذي لا ينسى من اطياف الام الصادقة الصابرة المضحية لابناءها يا ورد يا نجم يا زهرتي انتم مهج القلب اردت ان اكون وطنكم لكن الوطن طرد من بابه فمات غريبا سامحكم الله لنا لقاؤنا تحت ظلال رحمة الله وفاضت روحها بهدوء ,ورد لم يودعها ,نجم وزهرة لم يكلفا نفسهم بالحضور لوداعها وكأن الوداع رفاهية لا ضرورة يقول ورد ماذا ساقول لله حين القاه لقد حاربت فكرة زواجها ساومتها على حقها طردتها من بيتها تخيل صوتها يقول انت خصمي امام الله يوم القيامة فسقط ومات .

تطرقت الرواية الى المواضيع التالية :

-تدمير القرى والمدن الفلسطينية من قبل الاحتلال وتهجير اهلها (لفتا مثال على ذلك ) وغيرها الكثير من القرى والمدن الفلسطينية .

-نكبة لفتا التي سمعنا عنها تكرر الان في غزة التي نشاهدها مباشرة وبنفس اليد .

-سياسة الاحتلال تقوم على اعتقال الشباب بشكل مستمر في محاولة لقمع الذاكرة لاخماد جذوة تتقد في قلوبهم نتيجة الظلم والقهر .

-الكثير من الشباب يهاجر من الوطن لسبب قسوة الاحتلال .

-اشارت الى قضية عقوق الوالدين .

-معاناة كبار السن من الوحدة والعزلة والتهميش .

-ضرورة التواصل مع كبار السن لاقامة ارشيفا لرواياتهم في القرى المهجرة قبل ان تختفي ذاكرتهم .

-تعرضت الرواية للزواج التقليدي وما تنتج عنه من خلافات تؤدي للطلاق .

-الارملة وما تتعرض له من معاناة في المجتمع .

-الصراع بين الحماة والكنة وما ينتج عنه من مشاكل اسرية .

-قضايا الشرف وتجريم المرأة .

-الذكورية العمياء في المجتمع وظلم الانثى نتيجة عادات وتقاليد بالية .

-المرأة الفلسطينية تعاني من ثلاث ظلمات المجتمع ,الجندر , الاحتلال .

-الخلافات التي تنشأ بين الاقارب بسبب النزاع على الارث .

-صراع الاجيال (الماضي والحاضر ).

-ضرورة تعليم البنت باعتباره ضرورة وليس رفاه .

-بسبب العادات والتقاليد السائدة اصبحت الناس تخاف من الالسن على حساب ما احل الله وشرع .

الف مبارك للاديبة وفاء داري .

وقالت رجاء حمدان:

تعرض رواية «أطياف» صورة إنسانية مؤلمة للعلاقة بين الأمهات وأبنائهن في زمن الشتات؛ فالأبناء لا يكرهون أمهم، لكنهم يبتعدون عنها تدريجيًا تحت ضغط الغربة والحياة الجديدة، حتى تشعر أطياف أن أبناءها أصبحوا غرباء عنها، تمامًا كما أصبحت فلسطين غريبة عن أبنائها المهجرين. وهذا البعد الإنساني منح الرواية عمقًا إضافيًا في تناول فكرة "الاغتراب الداخلي".

تمتلك الكاتبة حسًا شعريًا واضحًا، وتكتب بجمل مشحونة بالعاطفة والصور البلاغية، حتى إن بعض المقاطع بدت كأنها قصائد نثرية أكثر منها سردًا روائيًا تقليديًا

كما نجحت الراوية في تصوير الحياة الإنسانية . رغم تعب الجسد مع الشيخوخة، وبرودة الأبناء، والوحدة، واستمرار الإنسان في الوقوف رغم الانكسار. وهذا العمق في رسم الشخصيات جعلها قريبة من القارئ وقادرة على ملامسة مشاعره

وظفت الكاتبة القضية الفلسطينية بذكاء عاطفي، خصوصًا من خلال فكرة مشروع «أرشيف القرى المنكوبة»، وهي فكرة مؤثرة وذكية تربط المقاومة بحفظ الحكاية والذاكرة، لا بالسلاح فقط.

وأخيرًا

 أرى أن الرواية، وقعت أحيانًا في كثافة التشابيه والاستعارات، مما جعل بعض الجمل مثقلة بالزخرفة الأدبية على حساب المعنى البسيط، وقد يشعر القارئ أحيانًا بشيء من التكرار

أشكر الكاتبة على هذا الجهد الواضح، وأثمن قدرتها على السرد وإيصال الفكرة للقارئ بطريقة إنسانية مؤثرة.

وقالت د. رفيقة أبو غوش:

رواية أطياف تُعد من الأعمال الأدبية التي تجمع بين البعد الإنساني والوطني، حيث تقدّم صورة عميقة لمعاناة الإنسان الفلسطيني، وتُجسّد الصراع بين الذاكرة والنسيان، وبين الفقد والأمل.

من حيث المكان والزمان، تتوزّع أحداث الرواية بين أماكن متعدّدة تحمل دلالات رمزية واضحة، وتمحورت أحداث الرّواية في مدينة القدس، وذكر أماكن عديدة دارت فيها أحداث الرّواية مثل: حيّ الشّيخ جرّاح، وزقاق المدينة؛ وبيت الشرق، والمسجدالأقصى، وقرية لفتا. كذلك ورد ذكر بير زيت، ونابلس.  

   إنّ التّركيز على المكان، وخاصّةً مدينة القدس - زهرة المدائن- وقرية لفتا المهجّرة، وجامعة بيرزيت. هذه الأمكنة لا تشكّل مجرد خلفية للأحداث؛ بل تتحوّل إلى عنصر حيّ يعكس الهوية والانتماء. أما الزمان، فيأتي متداخلًا بين الماضي والحاضر، حيث تعتمد الكاتبة على تقنية أسلوب الاسترجاع، فتعود بالأحداث إلى النكبة وما تلاها، مما يُظهر استمرارية الألم في الزمن الفلسطيني.

  أما اللغة، فتتميّز بطابع شعري مكثّف، حيث توظّف الكاتبة الصور البلاغيّة والاستعارات؛ لتعبّرعن الحالة النفسيّة للشخصيّات، مثل تصوير الحنين والألم بطريقة حسيّة مؤثّرة؛ وتجمع اللّغة بين الجماليّة الأدبيّة والواقعيّة، خاصّة في المقاطع التي تتناول القضايا السياسيّة والاجتماعيّة. برأيي الشّخصي: إنّ اللّغة المُكثّفة في الرّواية طغت على النّصوص، وأعاقت تسلسل الأحداث بسلاسة عند القراءة.

اختارت الكاتبة عنوان الرّواية؛ نسبةً لاسم بطلة الرّواية الأساسيّة، فمعنى كلمة أطياف لغويًّا وفق المعاني الجامع: " أطياف إسم وهو جمع لكلمة طيف، والمعنى: الغضب، والجنون، وقوس قزح وألوانه: (البنفسجي، والنيلي، والازرق، والأخضر، والبرتقالي، والأصفر، والأحمر؛ ومعنى آخر لأسم أطياف أيضًا: طيف الخيال: ما يراه الشّخص في النّوم، او الخيال". (مصدر إلكتروني).

   يبدو أنّ شخصيّة البطلة أطياف، تحلّت بجميع الصّفات المذكورة أعلاه؛ اتّسمت حياتها بالتّقلّبات والتّغييرات الاجتماعيّة؛ كألوان قوس قزح، بما عانته من آلام فقد الزّوج صافي الشّهيد، واغتراب الابن الأكبرنجم، وابنتها زهرة؛ بعد الزّواج والحياة خارج الوطن، ومن ثمّ عقوق الابن الأصغر ورد، والتّصدّي لوالدته، ومحاولاته الاستيلاء على بيتها، دون مراعاة خصوصيّاتها.    إنّ رواية أطياف تحمل دلالات رمزيّة عميقة، إذ تشير إلى الغائبين الذين يظلّون حاضرين في الذّاكرة منها مهما طال غيابهم، وإلى الماضي الذي لا يغيب رغم مرور الزمن. وهو يعكس الحالة النفسيّة للبطلة التي تعيش بين الواقع وذكريات من فقدتهم.

    تتمثل رسالة الرواية في التّأكيد على أن الذّاكرة شكل من أشكال المقاومة، وأن الإنسان رغم الفقد والخذلان قادرعلى الاستمرار. كما تسلّط الضّوء على معاناة المرأة الفلسطينية، التي تتحمّل عبء الفقد وتواصل الحياة بقوة وصبر.

  فيما يخص الشخصيات، تعدّدت الشّخصيّات، وتبرز شخصية "أطياف" كبطلة رئيسية تمثل المرأة الصامدة، التي تعيش بين الألم والواجب. أما "صافي" الزّوج، فيجسّد نموذج المناضل الذي يستمر حضوره رغم غيابه. كما تعكس الشخصيات الأخرى، مثل الأبناء: زهرة، ونجم، أبعاد الاغتراب والنّضال والوعي الثقافي. بينما يُمثّل الحفيد صافي، شخصيّة ممتدّة للجد صافي، عند عودته للوطن، ومساندة جدّته، وتشجيعها على مواصلة النّضال، والكتابة الصحفيّة؛ وتحقيق أمنياتها في إظهار العدالة، وتوثيق الأحداث بصدق. البن الأصغر عاصم، ظهر شخصيّة الإبن العاق، والمناهض لمخطّطات والدته أطياف، وإظهار أطماعه في الاستحواذ على ممتلكاتها؛ ومحاولاته السّيطرة على خصوصيّاتها، مُظهرًا العداء، والطمع. إنّ شخصيّة مي من مدينة نابلس؛ صديقة أطياف منذ أيام الدّراسة، كانت ملاذًا للأمان والرّاحة، والتّفاهم المشترك، والّلجوء إليها عندما تضيق بها الدّنيا.

  أما الأسلوب، فيتميّز بالسّرد النّفسي العميق، حيث تعتمد الكاتبة على المونولوج الدّاخلي، إلى جانب الوصف التّفصيلي، وتوظيف تقنية الاسترجاع. كما يتداخل السرد الروائي مع التأمل الفلسفي والخطاب الوطني، مما يمنح النص بعدًا فكريًا إلى جانب بعده الأدبي. " أكتب كي لا يُمحى صوت امرأة كانت هنا، ذات وجع، وذات حلم. ذات وطن مثقل بالحكايات كي لا يقال لاحقًا إنّنا متنا صامتات". ص 186. اعتمدت الكاتبة على المقالات الصحفيّة، للبطلة أطياف، في سرد الأحداث. "كتبت مئات المقالات عن الحب، والعزلة، والفقد، ووجع الوطن، والمُهجّرين، والمُغتربين" ص 78.

    انتصرت الكاتبة لدور المرأة الفلسطينيّة، ووصفتها بالعنقاء، رغم الألم والفقدان، والعقبات الّتي تجابهها في المجتمع؛ إلّا أنها تنهض من جديد؛ لتوصل صوتها وصوت باقي النّساء في المجتمع القامع من قِبل التقاليد الاجتماعيّة من جهة، ومن قِبل الاحتلال من جهة أخرى. " فلن أكون ضحيّة، سأبقى من الشّامخات من نسل العنقاوات". ص147. يظهر الانتماء للمرأة جليًّا، في كلمة الإهداء في بداية الرّواية: "إلى كلّ امرأة عربيّة... وفي القلب، تلك الفلسطينيّة الّتي تُتقن أن تمشي حافية على حدّ التّاريخ، دون أن تنكسر". ص 3.

  استخدمت الكاتبة صوت الراوي بصوت الأنا، لبطلة الرّواية أطياف؛ لدرجة تُدخل القارئ في تفكير نحو السّيرة الذّاتيّة للكاتبة؛ خاصّةً عند ذكر التّفاصيل الصّغيرة والهامّة في الحياة اليوميّة لأهل القدس وتفاصيل الأحداث. ربّما كلمة أطياف، بمعنى الظّل، تعكس حياة الكاتبة نفسها كطيف يرافقها؛ وإنّ خير من يُعبّر عن مشاعر المرأة، هي المرأة الّتي عاشت نفس الظّروف، والمعاناة، والصّمود. كذلك استخدمت أصوات رواة للشّخصيّات المذكورة أعلاه. برأيي الشّخصي: من الممكن اعتبار هذه الرّواية كسيرة جمعيّة أيضًا.

  لا أدري ربّما من محض الصّدفة، بتواجد رواية أخرى بعنوان "أطياف" للرّوائيّة: رضوى عاشور؛ الصّادرة عام 1999 لاوّل مرّة، وهي تُعد من أهم الرّوايات العربيّة الّتي تمزج بين السّيرة الذّاتيّة والخيال الرّوائي، حيث تتداخل حياة الكاتبة مع حياة بطلة أخرى تُدعى "شجر عبد الغفّار"؛ تحمل رسالة الذّاكرة كوسيلة مقاومة للنسيان، ودور المرأة المثقّفة في المجتمع، وأثر السّياسة على الحياة اليوميّة، فهي رواية فكريّة وإنسانيّة؛ فهي توثيق لذاكرة جيل كامل عاش هزيمة 1967. برأيي الشّخصي: حبّذا لو تداركت الكاتبة هذا التّكرار للعنوان، واختيار عنوان آخر مختلف.

  في الختام، يمكن القول إن رواية " أطياف" للكاتبة وفاء داري المقدسيّة، ليست مجرد حكاية فرديّة، بل هي مرآة لذاكرة جماعية، تنقل معاناة شعب وتؤكد أن الأمل يبقى قائمًا رغم كل الظروف؛ وقد نجحت الكاتبة في تحويل الألم إلى نصّ حيّ ينبض بالإنسانية والمقاومة. هذه الرّواية تعتبر إضافة نوعيّة؛ للذّاكرة الجمعيّة، وخاصّةً لشؤون وقضايا المرأة الفلسطينيّة.

وقال د. سرمد تايه:

أصرَّت الكاتبة والاديبة المقدسية وفاء داري ان تُقحمنها في (طقوس الانطفاء البطيء) لبطلة روايتها (أطياف).

أطياف لغةً تعني الخيالات أو الأوهام أو الأحلام، ومفرده طيف وهو ما يُرى في النوم أو الخيال كما جاء في معجم المعاني. وهنا، وكأن الكاتبة تُريد منا أن نتحسس مكنونات وخبايا وخفايا روايتها، ونستشعر كُنهها قبل الغوص بها والإبحار بين أمواجها؛ فمن ناحية تُلقي لنا بالاسم وتترك لنا حُريه إعمال الفكر للتَّعرف على المقصود، ومن ناحية ثانية تضعنا أمام صورة الغلاف التي تحدَّثت صمتاً عن الرواية بكل تفصيلاتها وما جاءت به، إلا أنها لم تكتفِ إلى هنا حتى القت الينا بسطرٍ من رسالةٍ مجهولةٍ في اول صفحةٍ من صفحاتها لتقول لنا: ها انا قد وضعتكم على اول الطريق، إن كنتم تهوون هذا النوع من الحكايات، فلتُكملوا طريقكم، وإن كنتم لا ترغبون بمثل تلك الروايات التي تحكي وتُنبئ عن قصص الجحود والخذلان، فلتنسحبوا بهدوء وتتركوا المجال لمن يُريد أن يستقي اكثر في هذا المضمار.

ولأننا ارتضينا أن نُسافر سويَّةً وطواعيةً مع الروائية وفاء داري في رحلتها مع بطلة روايتها أطياف، فلنتحمل إذاً عناء ومشاقّ السفر، ولهيب التَّشويق، وغضبة الرافضين للواقع؛ علَّنا في النهاية نتحصَّل على الشهد من بين لسعات الغربة القاتلة، والصمت المُريب، والعقوق الكاوي على وقع التَّشظي والتَّخلي والخذلان.

دعونا أولاً نغوص بسيمائية الغلاف والذي يُشعر القارئ من الوهلة الأولى بفحوى الرواية، فيكاد يكتفي بما تم استنباطه من معاني ومضامين من تلك الخطوط والألوان التي تتربَّع على صدر الغلاف بكل رصانة وبساطة وهدوء؛ ليظهر لنا صورة لامرأة فلسطينية في عقدها السابع أو الثامن وقد اعتمرت كوفيتها الفلسطينية وأظهرت علامات القوة، والصلابة، والتَّحدي بنظراتها الثاقبة دون أن تتمكن من إخفاء خيباتها وانكسارها التي ساهم كل من ملامح عيونها وأخاديد وجهها العميقة من فضحها! غير أنها راحت تستظل بأغصانٍ من شجرة زيتون في الخلفية أملاً منها في أن يُرى بأسها وقوتها بانعكاس أوراق الزيتون خلفها.

لقد تم تأكيد ما تم استشفافه من الرسائل الواضحة والمضامين الجليّة التي جاءت به تلك اللوحة الباسطة وجودها على الغلاف بما كان من الألوان المُتناثرة بين جنباتها؛ فمن ناحية، بدا قطر الدم بلونيه الأحمر والبني واضحاً مُنساباً دون قيودٍ أو حدود، كما ظهر جلياً معالم البُؤس والظُلم والقهر من خلال اللون الأسود أيضاً. أما الفرح المُقتَضَب، فقد بان على أطراف وبين حيثيات الحياة بلونه الأخضر المُتواضع، وفيما يتعلق باللون الرمادي الطاغي المُنفرد بهالته الواضحة حول المرأة المُتربِّعة على عرش الغلاف، فإنما هو إشارة إلى المستقبل الرمادي المُشوَّش وغير واضح الرؤيا والمعالم، وكأن قَدَر الفلسطيني أن يبقى في غمامةٍ، وتيهٍ، ورؤيةٍ مُبهمة لمستقبلٍ لا يدري أين، وكيف، ومتى الخلاص!

للوهلة الأولى، يظن القارئ أنَّ " أطياف" قصة من قصص المقاومة الفلسطينية للمُحتل الإسرائيلي من خلال تجلّي امرأة فلسطينية عنيدة ما فتئت تُقاوم المُحتل وتُجابهه بكل ما أُوتيت من قوةٍ وجبروتٍ كما هو مُعتادٌ عليه من النساء الفلسطينيات الشامخات، الباسقات، الباسلات، واللواتي كثيراً ما وقفن يداً بيد، وزنداً بزند، وذراعاً بذراع مع أبنائهن، وأزواجهن، وإخوانهن الفلسطينيين الفدائيين في تلك المهمة الشريفة العادلة عبر مفاصل العمل الوطني المُقاوم منذ فجر التاريخ المُعاصر حتى يومنا هذا. إلا أنَّ من يغوص بين أروقة الرواية من البداية حتى النهاية، يُدرك أنه قد يكون وقع في فخ السيميائية، وانزح باتجاهٍ لا يُريده، وإلى مسارٍ ليس هو المقصود بحدِّ ذاته دون حَوْلٍ منه أو إرادة؛ فبينما هو آخذٌ بالسير يخطو خطواته على قارعة الراوية، يكتشف جوانب غير مُتوقعة راحت تُلقي بظلالها العميقة على مُفترقات هذه الرواية ومكنوناتها! وهنا يُدرك أنَّ ليس للاحتلال وحده الذَّنب لما آلت اليه ظروف ويوميات بطلة الرواية، وإنما كان هناك ما هو ومن هو أشدُّ إيلاماً وقسوةً واعتصاراً لحالها وقد تمثَّل في الجحود، والعقوق، والهجران من تلك الأغصان التي تم الاعتناء بها ورعايتها حتى إذا ما اشتدَّ عودها، فاذا بها تنسلخ عن جذعها وجذرها دون رحمةٍ منها أو نظرة امتنان لماء سُقي، وحليب رُوي في فترة الحاجة والنُّمو والتَّبرعُم.  

عند ولوجنا الأول للعتبة الأولى للرواية من خلال الفصل الأول (طقوس الانطفاء البطيء)، نرى أنَّ الروائية "داري" كانت مُوفَّقة عندما ألقت بسنارتها لنا لتُخبرنا في صفحة (4) عن وصول رسالةٍ مجهولةِ المصدر لبطلة روايتها أطياف، وهذا ما جعلنا نتشوَّق لمعرفة من يكون صاحب الرسالة، وما قصدُه ومقصده عندما أرسل بتلك الرسالة قوية المضامين والتي استفزَّتها قبل أن تستفزنا نحن القُراء أيضاً.

لقد كانت تلك الرسالة المُرسلة والمُستقبلة عبر الهاتف المحمول قوية بما يكفي لتُرسل إشاراتٍ وصعقاتٍ كهربائيةٍ إلى قلب أطياف لتُذكرها بما لم تكن قد نسيته أو غاب عن بالها وفِكرها أبداً؛ فجاءت كلمات تلك الرسالة البادية في صفحة (5) غامضة المعاني كما غموض مُرسلها لتُؤكد الوجع الذي لم يندثر والألم الذي لم يبرأ، ولتلقي بشذرات أمل وذلك عندما قالت وأخبرت: (لا أحد يعود من الغياب، حتى أطياف النور تحمل ظلاً لم يُولد بعد)، إلى أن وصلتها رسالة جديدة في ذات مساء بدا عادياً استثنائياً في صمته، إلا أنها هذه المرَّة لم تكن مُبهمة، بل كانت تلمع من سطح الشاشة لتقول: (حفيدك صافي اختار أن يعود، يُريد أن يبدأ من حيث تنتهي الحكايات في حُضنك)، وكأن الغياب نفسه يطلب الإذن بالعودة. صفحة (182). وهنا، تُحاول أطياف أن تتنبأ بمصدر الرسالة لتُلقي بسؤالها لذاتها: (هل تكون من أحدٍ من أولئك الذين غادروا وصاروا أطيافاً كما يُوحي اسمها؟ أم من الذين وعدوا بالعودة ثم خذلوها بصمتهم؟) صفحة (5). وكأنها تُريد هنا أن تقول لنا: هذا هو محور قصتي وحكايتي؛ الخذلان بالصمت!

السؤال الذي يدور في خلجنا الآن رداً على بطلتنا: هل هناك خذلان بالكلام، وإن كان كذلك، فأيهما أقوى وأشدُّ وقعاً ووجعاً وإيلاماً؟

السؤال هنا برسم الإجابة تركته لنا الكاتبة وفاء لنستطلع بأنفسنا عندما نعبر تضاريس الرواية، حتى إذا ما وصلنا للنهاية، واستطعنا الإجابة عن السؤال، نكون مُتأكّدين ومُتيقّنين وبلا أدنى شك أنَّ للخُذلان وجوهٌ ومظاهر وهيئات مُتعدِّدة، وإنَّ أصعبها وأشدَّها فتكاً هو ذلك الذي يأتي من أقرب المُقرَّبين.

حيثيات الرواية:

تتحدَّث الرواية عن قصَّة أُمٍّ خرجت من رحم النكبة في العام 1948، اقترنت بزوجها الذي خرج هو أيضاً من ذات الرحم وتحديداً من قرية لفتا المُهجَّرة، فكُتب لهما الزواج رغم الاعتراضات العائلية التي كانت وقتئذ. وعندما سار بهما الزمن، وقبل أن يستشهد الزوج بين رحى مدينة القدس، انجبا ثلاثة أطفال (ورد، نجم، وزهرة)، وعندما كبر الأبناء وظنّوا أنهم قد نضجوا، واستوى عودهم، وأصبحوا قادرين الاعتماد على أنفسهم، غدوا مُهاجرين بطموحاتهم إلى بلاد أحلامهم الغريبة بالغُربة المُريبة تاركين أحدهم خلفهم والذي كان هو الآخر مُهاجراً بعقله ونفسه وذاته إلى بلاد ما بعد الغُربة رغم تواجد جسده بالقرب من والدتهم؛ ليكون عقوقه أشدُّ فتكاً من عقوق أخوية؛ وذلك عندما ساومها على بيتها الذي عاشت به بعد أن بنته وبنت طموحاتها وأحلامها به بآهاتها، ودموعها، ودمائها، وعرقها المُتقاطر! فاستولى عليه وعلى ما فيه من ذكرياتٍ كانت جميلة، وتركها في مهبّ الريح لسنواتٍ عديدةٍ تُقاتل وتُجاهد العدو والقريب والبعيد حتى أكل منها الدهر وشرب؛ فتركها عجوزاً هرِمةٍ مُتهدِّمةٍ تتقاذفها الدنيا وتُعاركها الأيام؛ حتى آلت إلى موتٍ يُريحها من كدرها وهمومها وأحزانها، تاركةً لا شيء من إرثها لأبنائها العاقين العاصين والذين أدركوا عند تلك اللحظة أنَّ الزمن إذا سار للأمام لن يعود أبداً! وأنَّ القطار إذا ما قرَّر الرحيل، فلن يتوقَّف إلا في محطته الأخيرة بعد أن يكون قد تشبَّع بالكثير من الذكرى والذكريات عند ولوجه للمحطات المُتتابعة.

 

ثيمات الرواية:

زخرت الرواية بالعديد من الثيمات التي شكَّلت محورها وهيكلها وعمودها الفقري، ورسمت حدودها وأبعادها ونطاقاتها، وقد تجلَّت تلك المكونات الرئيسية بالآتي:

أولاً: قوة شخصية بطلة الرواية واعتمادها على نفسها، وقدرتها على لملمة جراحاتها وتطبيبها اتكاءً على مهنة الصحافة كمنصة انطلاق لها نحو التَّميُّز والسمو والتَّعالي على الأوجاع الداخلية والخارجية:

وقد بدا ذلك واضحاً في الكثير من المحطات، فنذكر على سبيل المثال لا الحصر ما جاء في صفحتي (7،6) عندما (احتضنت جسدها المُبعثر، تُلملم أعضاءه لتنقله إلى الصالة برجلين مُثقلتين)، فأخذت (تتحايل على جسدها فيُطاوعها)، حتى (صارت نقطة التقاء بين المأساة والمُنجز، أرملةً تُحوِّل الفقد إلى حبر، وأُم تنسج من صحافتها درعاً ضد النسيان)، فهي (لا تزال تُزاول الكتابة الصحفية وهي على مشارف عقدها الثامن). صفحة (8)، لتراها (تكتشف أنَّ قوتها لا تكمن في الشهادات، بل في صمود قلمها أمام الطُّغيان، وجهادها في وجه المجتمع والمُحتل معاً). صفحة (81). فها هي قد (ارتدت أجمل ما تملك، لا لتُجامل المكان، بل لتليق بالصدى، جلست بين طلابها في قاعة المحاضرات، لا لتُدرِّس فقط، بل لتُبعث من جديد). صفحة (114)، واخيراً اعترفت وقالت لنفسها: (البيت الوحيد الذي يسعني... هو ذاتي حين احتضنها من جديد). صفحة (154).

ثانياً: وفائها لزوجها الشهيد (صافي) وذكراه الذي لم يغادرها لحظةً واحدةً من حياتها:

نرى أنَّ صفحة (13) راحت تفوح بكل المعاني والمشاعر الصادقة في هذه المضمار حتى انزلقت كلماتها صادقةً لتقول لنا: أنها (أرادت أن تكتب صافي كما عرفته: حياً، مُتمرداً، مُناضلاً يُقاوم النسيان حتى في ظلال الموت). فراحت (تخُطُّ مقالاتها في ذكراه كمن يُؤرشف تاريخ ثورةٍ عربية) حتى (صارت ذكرى رحيل صافي عيداً وطنياً في تقويمها الشخصي)، مُدركةً أنه (قد يصير الورق ضريحاً، وكأن الحروف حُرَّاساً لأرواحهما الضائعة).

ثالثاً: روح الثورة والمقاومة لدى أطياف وعائلتها وأصدقائها، والتَّعلُّق بالوطن المسلوب:

وقد ظهرت هذه الروح الثورية من خلال قولها في صفحة (16): (نحن لا نموت، نحن فقط نزرع أسماءنا في تراب الوطن ليُنبت أجيالاً من العِّزَّةِ والمُقاومةِ والكرامة). وأما الحنين للوطن المسلوب فقد تجلّى بالقول: (لم تكن لفتا مُجرَّد قرية، كانت شكل من أشكال ذاكرة والداه). صفحة (18)، فـ (روى صافي عن بيت والديه الأول في قرية لفتا الذي تحوَّل إلى كومة حجارةٍ صامتةٍ، وعن صور الغائبين التي تحرس يقظة الذاكرة). صفحة (34). فبالنسبة لصافي فقد (ظلَّت القرى المُهجَّرة تسكنه كأبجدية أولى). صفحة (64)، كما أنه (لم يكن بيت والد أطياف في الشيخ جراح مُجرَّد عنوان على خارطة مدينة تُمزقها الجدران والسياسات، بل كان جزءاً من معركة هوية؛ اختياراً واعياً لمواجهة التَّهجير بالصمود، حملت حجارة البيت ذاكرة وطن، لا صدى أُسرة فقط). صفحة (46). ثم قالت في صفحة (28): (ظلَّ صافي يكتب نفسه في دفتر الغياب ويُؤمن أنَّ القيود مهما اشتدت لن تستطيع أن تعتقل الفكرة)، وعاد وقال لزوجته (وكتاباتك تُشبه سيرة وطن يُخزن ذاكرته في الهامش، كي لا تُصادره الصفحة البيضاء). صفحة (32). أما صديقتها مي فقد (وجدت عالماً يُشبه قلبها: طلاب يتقاذفون الأغاني الوطنية بين الأروقة، وأحاديث عن وطنٍ يتآكل تحت الجدران، لكنه يبتسم في العيون). صفحة (40). وهنا تُؤكد لنا أطياف قبل أن تُؤكد لنفسها أنَّ (أقلامنا لا تُكسر، نُلملم شتات أرواحنا، ونبعث من بيت الركام قصائد صمود). صفحة (77)، فـ (الوطن مهما تنكَّر لها، يبقى وجهاً مألوفاً في الزحام، لا يطعن ظهرك حين يشتدّ الحنين). صفحة (156)، فتكون الخلاصة بالقول وهي مُتأكدةً مما تقول: (الغرباء لا يُطيلون المُكوث). صفحة (73).

رابعاً: حُبّ القدس والتَّعلُّق بها:

يبدو لنا من القراءة الواعية المُتعمِّقة لما جاءت به الرواية أنَّ كاتبتها المقدسية وفاء داري وأبطال روايتها: أطياف، صافي، مي، سيف كلهم قد تعلَّقوا بالقدس وسماءها، وترابها، وأحجارها، وأشجارها، وتاريخها، وجغرافيتها كما هي تعلَّقت ذاتها حتى ذابت في وجدانها ووجدانهم وأصبحت جزء لا يتجزأ من تركيبة أنسجتهم وخلاياهم القلبية والعقلية! وقد تم مُعاينة ذلك في أكثر من موقع وأكثر من مكان؛ فرأينا ذلك واضحاً جلياً في صفحة (10) بالقول: (في شرقي القدس، اختارت أطياف أن تبني بيتاً لا جدراناً فحسب، بل وطناً مُصغَّراً لأولادها). كما ظهر أيضا في صفحة (112) حين ظنَّت أطياف (أن صافي يهمس في ذاكرة الزمان أن تقبَّلي الغياب كما تتقبَّل القدس غروبها، وهي تعرف أن الشمس ستعود). أما صديقتها مي، فكانت (تشعر أنَّ القدس تتبعها كظلٍّ وفيّ، كأن بينهما عقد غير مكتوب). صفحة (39)، فـ (كلماتها عن القدس لم تكن تأتيها من دروس التاريخ، بل من أزقة تعرفها قدماً قدماً، ومن مناديل بكت بها أُمهات الشهداء). صفحة (43)، فهي كما قالت لها أُمها في صفحة (40): (القدس ليست جداراً ولا هوية فقط، القدس أُمُّك الثانية). أما سيف الذي شبَّه محبوبته زهرة بالقدس فـبدا (كأنه يحتضن المدينة بأكملها ليقول: أنا أستحقها)، (والقدس لم تعترض، بل كانت ترمق العروسين من فوق، تُبارك اللقاء بشرط أن لا ينسيا أنَّ تحت كل حجرٍ حنين).

خامساً: جحود الأبناء وعقوقهم وغربتهم في ظل خوف أُمهم عليهم واحتضانها لهم:

تم معاينة الجحود القاسي لأطياف من خلال قولها في صفحة (80) وهي تتخوَّف على أولادها من المستقبل المجهول الذي كانت لا تُريد أن يُطلُّ بوجهه عليها: (لن أسمح أن تقسوا عليهم الحياة، ولن أقبل إلا أن أُوفِّر لهم كل سُبل الراحة والرفاه، حتى لا يُفكِّر أحدهم في الغربة). فرغم أنها أحاطت كل واحدٍ منهم بسياجٍ من المحبَّة والاعتناء وقد بدا ذلك في صفحة (90) عندما كان (ورد باكورة أمومتها، بِكرها الذي غمرته بحُبٍّ مُفرط خوفاً عليه حتى كاد أن يختنق، ونجم الحُلم المُؤجل الذي حملت له أملاً أن يُكمل رسالتها ورسالة والده، وزهرة، زهرة البيت التي أورقت في ظلّ جراح أمها، فكانت شعاعاً بين الرُّكام)، فعادت وأكَّدت هذا الاعتناء بالقول في صفحة (100): (زهرة حصلت على كل ما تمنته وأخويها ورد ونجم من دلالٍ وتعليمٍ ومحبَّة). ورغم كل هذا، إلا أنها كانت تلاحظ هذا الشعور – العقوق- يتسلل إلى أعماقها، تُبصره جيداً لكنها تُدير ظهرها له وقلبها عنه متظاهرةً بالإنكار؛ فلطالما (أوهمت نفسها أنَّ ما تشعر به سراب). صفحة (122)، وهنا نرى كيف تحقَّقت نبوءتها التي لا تُريد؛ فـ (ابنتها الوحيدة زهرة اختارت الزواج والسفر إلى النمسا مع زوجها وأولادها، ذلك البلد البارد الذي أثَّر على دمها حتى صار تواصلها مع أمها بنفس البرودة)، (كذلك ابنها نجم الذي سبق اخته وسافر بعد الثانوية العامة إلى الولايات المتحدة الامريكية، فتزوَّج من أمريكية واستقرَّ هناك، وسار على نهج اخته في التواصل البارد المُتباعد)، (أما ورد، فخذلها بطريقته الخاصة. فكلما تذكَّرته اعتصر قلبها وتقيأت ذكرى تضحياتها، لتشمئز من روائح جحود الأبناء) صفحة (8). وهنا، ورغم كل ما اعتراها، إلا أنها كانت تتشبث بخيطٍ أوهن من خيوط بيت العنكبوت وذلك عندما قالت لنفسها مُتسائلة في صفحة (177): (كيف لرجُلٍ – نجم- يحمل قضية شعب، أن ينسى قضيته الأولى... أُمه؟) لكنها في النهاية قد تجرَّعت كأس المرار وعاشته وعايشته عن قُرب، فراحت تلوم نفسها وتقول:( هل كان الوفاء جُرمي؟ وهل يكون الهُجران عقوبة من تُخلص أكثر من اللازم؟). صفحة (125)، ثم قالت في صفحة (203): (أُدوِّن ما يُشبه بيتاً أخيراً لامرأةٍ قضت عُمرها تزرع المعنى وتُؤمن أنَّ الصوت لا يموت إذا حمل الحقيقة)، ثم أردفت: (هذه كلماتي الأخيرة، لا لأُقسِّم ما أملك، بل لأُثبت ما أؤمن به). وختاماً قالت: (ما أصعب أن تكتب أُم غيابها). صفحة (213)، واستكملت في صفحة (214): (أردتُ أن أكون وطنكم، لكن الوطن طُرد من بابه فمات غريباً)، حتى رأيناها في صفحة (198) قد (أغمضت عينيها للحظةٍ طويلةٍ، كأنها تُراجع في داخلها كل الرسائل التي لم تُكتب، وكل الأجوبة التي لم تصل. لم تكن تنام، بل كانت تغفو بين سطرين: سطرٍ من ذاكرة، وسطرٍ من الحنين).

جماليات اللغة في معزوفة وفاء داري:

استطاعت وفاء داري أن تتحرر من كل القيود التي تُحيط بكلمات روايتها حتى راحت تعزف بخفَّةٍ ورشاقة على آلتها اللغوية بسمفونيةٍ تجلَّت فيها المشاعر الفيَّاضة والفكر المُنضبط العارف طريقه لإيصال القارئ إلى مرفأه بخفَّةٍ، وأمانٍ، ومُتعة في آن واحد بعد أن يكون قد تشبَّع من مُحتوى الرواية التي تغلغلت بين خلجاته حتى راح يعيشها على أرض الواقع وكأنه واحد من أبطالها. وكل هذا بسبب القدرة العالية على إجادة استخدام مفردات اللغة من كاتبتها وربطها مع بعضها البعض بصورةٍ جميلةٍ وأسلوبٍ لغويٍ راقٍ وكأنها تقوم بخلق حِكَم ومواعظ قد يتم تداولها في المستقبل على ألسن القارئين لهذا العمل الجميل.

لا يتسع المقام لذكر كل ما جاء من جمال التعبير اللغوي الذي أودعته داري في روايتها، فنكتفي هنا برصد وسرد بعض تلك المعزوفات الناضجة كجزء يُعبِّر عن الكُّل، فنذكر بعضها باقتضاب ونقول: لقد أبهرنا ما رصدناه في صفحة 130) عندما قالت: (ثمَّة لُغات لا تٌحكى، بل تُلمس بين نبرات الصمت) وأيضاً: (جلس قربها مُتردداً كعاشقٍ يقترب من حافة قصيدة)، وفي صفحة (131): (لا أحد ينتصر في معارك الوحدة)، ثم في صفحة (152): (الرحيل ليس خيانة، إنما خلاص مُتأخر). وعن الجدران بدا في صفحة (136): (بعض الجدران أقسى من النفي)، وأيضاً (البيت الذي نشأ فيه، قرر أن يتحول من جدارٍ إلى فكرة). صفحة (203). وفي الصمت قالت: (صمتٌ طويل ظل يتغذى على الغياب). صفحة (189)، فـ (كان في صمته شراسة، وفي قسوته عناد لا يعرف الرحمة). صفحة (173). كما اطلَّ علينا ما أباحت به الكاتبة من خلاصة مشاعرها بالقول في صفحة (172): (بعض النساء يُولدن ليكُنَّ أوطاناً، ولا أحد يسكُنهن بالكامل)، وفي قولها بصفحة (180): (ذلك الدفتر الذي لا يُطوى إلا بعد أن تجفّ المودة)، وفي صفحة (195) أيضاً: (إنك إن قرّرت أن تعود، لن تُقابل بالعتب... بل بظل زيتونةٍ تُحبَّك حتى وأنت تقطع جذورها)، وفي صفحة (199): (انزلقت يدها عن ذراع المقعد كزهرةٍ أفرطت في الإزهار)، وأخيراً وليس آخراً: (الختم الأحمر يعلو الوصية كنزفٍ وثَّقه الزمن). صفحة (202). إضافة إلى الكثير الكثير من تلك الجماليات التي يصعب إدراجها في هذا المقال.

إشكاليات الرواية:

ولأن كل جميلٍ لا يخلو من الثغرات، ولأن ما يُكتب ليس بقرآن، وأن َّالكاتبة انسان يُصيب ويُخطأ، ولأن المُتبحر قد يكون له نظرة مختلفة عن نظرة الكاتب والروائي، فقد لاح أمام أعيننا بعض الإشكاليات التي لم تُؤثر في جوهر الرواية، ولكنها قد تكون أضعفتها في بعض الأحيان ولكن دون انتقاص من كنهها؛ فنرصد هنا بعض تلك الملاحظات كالآتي:

  1. تكرار للكثير من الالفاظ والمصطلحات بين الفينة والأخرى:

إنَّ المُستطلع المُتفحِّص لجزيئيات الرواية يرى أنَّ الروائية (داري) قد أكثرت من استخدام لبعض الكلمات والمصطلحات بصورةٍ مُبالغ بها قد يكون دون وعي منها ودون سبق إصرار وتعمُّد وإنما بسبب ما يفيض به عقلها الباطن بهذا الشأن؛ فنرى أنها قد قامت بتكرار كلمة ياسمين خمس مرات وخاصة الياسمين الحزين على وجه التحديد، وذلك حينما قالت في صفحة (26): (ليلة مُثقلة برائحة الياسمين الحزين)، و(أوراق الياسمين اليابسة) كما جاء في صفحة (196)، وفي صفحة (111):( تحت قوس من ياسمين مقدسي)، وصفحة (197): (نافذة تُطلُّ على أشجار الياسمين)، و(رائحة ياسمين ذابلة). صفحة (201).

أما مصطلح الضوء الخافت والظل الخافت، فقد تكرر ست مرات، وقد تم رصده حينما قالت في صفحة (118): (ظِلّ خافت)، و(ضوء مصباح خافت). صفحة (183)، و(صالة خافتة الضوء). صفحة (193)، و(ضوء يُشبه العمر). صفحة (196)، و(أضواء ذهبية خافتة). صفحة (110)، وأخيراً (يتسلل في صمت الأيام كضوء خافت لا يُطفأ). صفحة (118).

والمرآة أيضا كان لها نصيبها الوافر من ذلك التكرار، فقد تكرر ذكرها عشر مرات بالقول: (مرآة لذاته)، و(مرآة للزمن) وذلك كما جاء في صفحة (28). وفي صفحة (35) وصفحة (43) على التوالي: (وجد في عاصم مرآة أخرى للجرح)، كما (وجدت أطياف فيها مرآة لأحلامها المؤجلة)، فـ (نظرت إلى المرآة) في صفحة (70) و(كأنها وضعت المرآة وغابت) في صفحة (205). وأيضاً (شظية من مرآتها المُتعددة) صفحة (99)، و(وقفت زهرة أمام المرآة تُرتِّب طرحتها). صفحة (114)، و(يرى فيها مرآة فشله) صفحة (123)، والخلاصة بالقول: (الأرض تحولت إلى مرآة تعكس قذارة نفوسهم). صفحة (168).

وفيما يتعلق بالعادات والتقاليد والأعراف، فقد اشبعتها الكاتبة بصورةٍ مُبالغ بها حتى نراها قد تطرَّقت لها عشر مرات، وليت الأمر بقي مرهوناً بالحديث عن العادات والتقاليد بإيجابياتها وسلبياتها، إنما للأسف كان محور الحديث عن السلبيات فقط دون الإيجابيات، فجاءت بالقول في صفحة (48): (فتنهال عليه أسواط ثقافة العيب) و(شخصية صافي لا تقبل بزواج الصالونات). صفحة (49). وفي ذات السياق قالت: (عقلية والد أطياف الذي لا يزال يُعاني من الأعراض الجانبية للتفكير الرجعي). صفحة (58)، وكل ذلك حسب رأيها (لأجل عادات وتقاليد بالية وثقافة عيب). صفحة (59)، فـ (نحن بسبب عاداتنا وتقاليدنا نُعقِّد الأمور) صفحة (59). وترى الكاتبة من وجهة نظرها ما قالت بطلة روايتها في صفحة (69): (أنا لا أحتقر تقاليدنا، لكني أمقت ما يعمي البصيرة) وهذا بسبب ما كان من (المراوغة بين تقاليد رثَّة وتطلعات جيل جديد). صفحة (58)، فراحت تتبنى الحكمة وتقول في صفحة (134): (كعادة الشيوخ في حضرة عناد الشباب، آثر الصمت والعجز)، لتنتصر لرؤيتها بهذا السياق وتقول في صفحة (71): (ذلك الألم الذي لم تهزمه الأعراف). وهنا تكون وصيتها في النهاية بالقول لابنتها وزهرتها: (إن كبرتِ فلتكبري حُرَّة، لا رهينة لمخالب المعتقدات، ولا أسيرة لمجتمع يربط رضا الله برضا الأعراف الرثة). صفحة (152). وفي هذه الأجواء، نرى التغيير الجلي في فِكر أطياف التي كانت تحارب التقاليد لتعود وتمارس ما كان يُمارس عليها في أوج شبابها؛ فيظهر لنا أن كيف هاتَفَ نجم أُمه ليُخبرها بنيَّته الزواج من سارة، زميلته في الجامعة، فكان وقع الخبر عليها كحجرٍ سقط في ماءٍ راكد) صفحة (96)، ليكون المُبرر لها كما جاء على لسان الراوية: (أطياف لم تكن ضد الحداثة، لكنها عرفت تماماً أي هويةٍ تسقط حين تُغسل بماء العولمة). صفحة (96).

 

  1. النظرة الانثوية المقهورة في أجواء النظرة الذكورية:

وهنا نتحسَّس إسقاطات النظرة الأنثوية المُضطهدة التي أبرزتها الكاتبة وفاء داري بإرادة منها أو دون إرادة، فنراها أنها قد بالغت في طرح هذا المفهوم على طول صفحات الرواية وعرضها، فتبيَّن لنا ما جاءت به حينما قالت في صفحة (53): (عزمت العائلة منذ نعومة أظافرها على تعليمها، ومُجابهة أقاويل القرية التي لم تر في تعليم المرأة إلا ترفاً غير ضروري)، وما جاء في صفحة (69): (إنَّ الرجولة ليست صوت الجموع، بل ضمير لا يحتاج تصفيقاً). ثم قالت على لسان بطلتها في صفحة (70): (كان الحلم نافذة، لكن المدينة أغلقتها.. لا لشيء سوى أن اسمي انثى). وأيضاً في صفحة (107): (أدركت أطياف حينها أنَّ هذا النمط من الذكورية القمعية يُورَّث عبر الأجيال، وأنَّ العادات الرثَّة لا تندثر بسهولة)، و(هي ذاتها ترفض السكن مع حماة، وكل ذلك تحت عباءة الذكورة). صفحة (136). أما في صفحة (108)، فقد بالغت بالتعبير – رغم أنَّ ذلك واقعي في كثير من الأحيان-، فجاء بقولها: (خانته يده فامتدت إلى أخته في لحظة فقد فيها رجولته الحقيقية، عندها وقفت أطياف كلبؤة، لن تسمح بمشهد الذكورة العمياء داخل بيتها)، وما جاء بصفحة (140): (شعرت أنها تُعاقب لأنها امرأة فلسطينية وعربية تقف تحت ظلمات ثلاث: المجتمع، الجندر، والاحتلال)، كيف لا وهي (تُجلد بسياط المجتمع، وتُقصى من حقٍ حلالٍ باسم الموروث، وكأن الكرامة للنساء الأرامل تَرَف لا يُستحق).

في الختام، لقد أطلَّت علينا الروائية وفاء داري بهذه الرواية من شُرفات قلبها، فكتبتها بكل مصداقية وعاطفة مُخلصة حقَّة حتى راحت كلماتها تلامس شغاف القلب بعد أن دخلته مُرحبٌ بها بكل صدرٍ رحب، فشخَّصت الواقع كما هو دون مواراة، أو مواربة، أو إخفاءٍ، أو إقصاءٍ، أو تُقية، أو تدليس. وهذا من طباع الكاتب والروائي الذي يحمل هَمَّ قضيته وشعبه، وفِكره، وألمه، وأمله.

وقالت هدى أبو غوش:

رواية اجتماعية عن  الصحفية الأرملة "أطياف" التي تعاني مرارة الوحدة،والخذلان من قبل أبنائها. تصرح الكاتبة في الصفحات الأولى من الرّواية عن المضمون،على يد الرّاوي"وتقيأت ذكرى تضحياتها،لتشمئز من روائح جحود الأبناء".

العنوان"أطياف" يحمل اسم بطلة الرّواية، الأبناء هم الظلال،هم طيفها التي كانت تتوقع أن يكونوا في حضرتها ومعها  بعدما كبروا."فتلمع على جدران الغرفة أطياف الراحلين: رجل يبتسم من إطار مغبر،وأولاده يركضون في حديقة لم تعد موجودة"

تجري أحداث الرّواية في القدس من خلال تقنية الإسترجاع الفني عند "أطياف"التي تستعيد ذكرياتها مع زوجها صافي الذي استشهد،مرورا بأبنائها.في رواية "أطياف"الأماكن في الرواية،ليس كمكان عابر؛وإنما لتبرز أهميته في الذاكرة الفلسطينية، وعدم غياب النكبة مع الزمن.فنجد قرية"لفتا"المهجرة حاضرة من خلال صورة والد صافي في "لفتا"وأيضا استرسلت الكاتبة في استعادة عدة قرى مهجرة من خلال الشخصيات،وذكريات النزوح.حضور الذاكرة يشكل الوعي الفلسطيني والمقاوم"الاحتلال يخاف من ذاكرة نصنعها بأيدينا....."،"حين تُنسى الحكاية،يُنتزع الوطن من الذاكرة"كما ورد على لسان صافي في مسيرة الطلاب في الجامعة.فالرّواية تنتصر للأماكن المهجرة،إلى الغائب الحاضر في المكان،فالغياب هو وطن لم يُنس،والذاكرة رئة  حرّة  لم تمت أيضا، تنتصر للهوية الفلسطينية.فالرّواية تبحث في الذاكرة الذاتية (أطياف)والذاكرة الجمعية.

تعزز الكاتبة من أهمية الرّسالة التي يحملها الصحفيون في ترسيخ الذاكرة الفلسطينية."لن نكون صحفيات فقط...بل حافظات للذاكرة".على لسان ميّ الكرمي.

تعزز الرّواية إلى أهمية توثيق الرواية الشفوية،نجد صافي هو رمز الفلسطيني حارس الذاكرة كي لا تُنسى،فهو الذي يوثقها.

الصراع في الرّواية هو صراع بين النفس،في الأعماق(مونولوج داخلي)صراع أطياف مع أعماق نفسها حول الأبناء، وكأنها تتساءل هل يحق للأبناء هجرة الأهل دون الاهتمام والتواصل معهم،هي صرخة أرملة متعبة تطالب بحقوقها البسيطة من قبل أبنائها الجاحدين، في تواصلهم وعدم إنكارها كشجرة لم تعد تثمر،هي تبحث عن ذاتها الممزقة بين معاني وفائها الأمومي،وبين خذلان الأبناء.تقول"هل كان الوفاء جرمي؟ وهل يكون الهجران عقوبة من تُخلص أكثر من اللازم؟".

تقول "أطياف":"من أي بوابة خرجت،ومن أنا بعد هذا الفقد؟".

 ويكمن أيضا صراعها الخارجي مع المجتمع في بعض الأفكار والقيّم التي تنتقدها وتراها سلبية من وجهة نظرها.وصراعها حول الوطن والأماكن.لذا  نجد الكثير من التساؤلات التي ترددها أطياف.

الصراع عند ورد،هو صراع نفسي ،يعاني من عقدة فشله في الحياة،بالمقابل نجاح أمه،فيحاول أن يضطهدها.

الصراع عند صافي هو صراع حول حفظ الذاكرة،وإحيائها.

غلب على السّرد الوصف الذي كان يوجز ما الحدث،فجاء الحوار بشكل أقل.فمثلا تفتقر الرّواية إلى الحوار بين صافي وأطياف خلال تعارفهما، وأيضا الشخصيات الثانوية مثل:نجم وزهرة تمّ التطرق إليهما بشكل مختصر من خلال حوار  أو سرد وليس بعمق.

لقد اختارت الكاتبة مصير أبناء أطياف أن يظلوا في الغربة (نجم،زهرة) هذا الإختيار هو لتصوير حالة هجرة الشباب بعيدا عن وطنهم،في رسالة خفية تقول لا تتركوا الوطن،وطن الأرض،والعائلة.تطرح الرّواية حالة عقوق الأبناء،وتمردهم،دون الأخذ بعين الاعتبار تضحيات الأهل لأجلهم،باب الحنين والوحدة،لكبار السّن الذين يحتاجون أبناءهم حولهم لمساندتهم أو الجلوس معهم .رغم أن الرواية مليئة بالوجع،الفقد،الحنين والخيبة،إلا أن الأمل كان في نهاية الرّواية من خلال الحفيد صافي الذي أراد العودة إلى وطن الأهل والأجداد.

تصور الكاتبة بصورة سردية واقع الفلسطيني خاصة بمدينة القدس، الإعتقالات، والتدخل في المقدسات. وتنتصر للأماكن (الشيخ جرّاح، بير زيت، والقرى المهجر كفر سبت، ولفتا ). هناك تكرار لمفردة الذاكرة لتوثيق الأماكن. الزمن في الرّواية هو ما بين الحاضر والماضي، يمرّ عبر الذاكرة(نكبة، والواقع المقدسي وغيرها).

اللغة في الرّواية مدهشة، وجميلة، تجذب القارئ منذ البداية حيث كلمات الإهداء التي تنبض بالشاعرية، ومن خلال قراءة الرواية نلامس جماليات حروفها، من المحسنات البديعة. وكذلك العناوين الفرعية. جاءت الرواية بضمير الغائب (الراوي العليم)،وأيضا بضمير المتكلّم بلسان أطياف.

استخدمت تقنية "الفيس بوك"، والرسائل، والكتابة من خلال دفتر أطياف، والقصيدة النثرية.

الرسائل الغامضة التي كانت تصل لبريد أطياف غير معنونة وبلا توقيع ممكن أن تكون طيفها في اللاوعي، الذي يشتاق لعودة الغائبين.

وقالت وجدان شتيوي:

رواية أطياف...رواية لإحياء الذّاكرة الفلسطينيّة وحراستها.

إذ بدأ مسرح أحداثها من القرى المهّجرة كقرية لفتا وكفر سبت.

ودارت الأحداث الرّئيسيّة بين القدس ونابلس ورام الله.

تتحدّث الرّواية عن الصّحفيّة المتميّزة أطياف التّي ترمّلت في نهاية عقدها الثّالث، فكرّست

 حياتها من أجل أبنائها الثّلاثة نجم وزهرة وورد، وتأمين حياة كريمة لهم، فكانت الصّدمة أن آل

بها المطاف أن تكون رفيقة الجدران.

نجم يكمل دراسته العليا في واشنطن ويتزوّج هناك، وزهرة يختار قلبها فلسطينيًّا يعيش في

النّمسا، فلم تعد تحظى منهما إلا باتّصال بارد، أو رسالة عابرة كواجب قوميّ لا أكثر، وورد

الذي لا يفصل بينها وبينه إلا جدار بنفس البيت، تقيم الغربة بينهما أعلى الأسوار. حين يقرّر

 متأخّرًا الزّواج يصرّ على العيش معها في شقّته، رغم أنّها جهّزت له شقّته الخاصة، لكنّه أراد

أن يستحوذ على كلّ شيء، يؤجّر شقّته، ويمارس سلطته الذّكوريّة على شقّة أمّه. فحين

عارضت رغبته أخذ يشكّ بها، ويراقب بريدها الإلكترونيّ.

أحسّت أطياف التي طالما كتبت عن الحقوق، وتمكين المرأة ومساندتها بالخذلان، ووجدت نفسها

عارية من كلّ القيم التي نادت بها، فرأت أنّ التّنازل في هذه الحالة ليس فضلا وسخاء بل خيانة

لكلّ فكرة دوّنتها بمداد الصّبر، لذلك غادرت بيتها في القدس لتنجو بذاتها ومبادئها، وتوجّهت

لزيارة صديقتها المقرّبة أيّام الجامعة في بيتها في نابلس، ففتحت لها ذراعيها كما تفتح الحياة

نافذتها بعد عاصفة. وهنا تكمن أهميّة الصّداقة الحقيقيّة التي توصل حالا بعد أيّ نقطة انقطاع.

استمدّت منها الأمل والثّبات، ومن ثمّ توجّهت لبيت عمّها الحنون في القدس، الذي كان ما تبقّى

من عائلتها، وأقامت معه وزوجته، وخفّفت عنهم وطأة وحدتهم بعد هجران الأبناء.

وبعد عقد من الزّمن والكدّ اشترت شقّة في رام الله، وانتقلت للعيش فيها، وقدّمت امتنانها لعمّها

الذي أوصى أن يبقى بيته مرتعًا لها حتّى بعد وفاته ووفاة زوجته، فكان مثال العائلة الحقيقيّة

بالنّسبة لها.

بينما كان ابنها ورد -الأقرب جغرافيًّا- هو الأكثر جحودًا، فلم يكلّف نفسه بالسّؤال عنها أبدًا،

وحتّى حين أرسلت له رسالة لم يقرأها إلا بعد وفاتها.

وظهر في النّهاية بريق أمل بقدوم حفيدها صافي للعمل في رام الله وإقامته معها وهنا قالت له

عبارة لخّصت مشاعرها : "البيوت ترمّم من الدّاخل، وأنت لبنة الرّجاء التي لم تسقط".

وكانت محقّة في وصيّتها بمنع ابنها ورد من تكفينها أو وداعها، وتحويل بيتها إلى مكتبة أو

أرشيف لحفظ سرديّات النّكبة مكملة بذلك مشوار زوجها وحلمه الذي كان قد بدأ به منذ أيّام

الجامعة حتّى استشهاده. إذ قال يومًا: "حين تنسى الحكاية ينتزع الوطن من الذّاكرة قبل أن

ينتزع من الأرض"

 

إنّ اختيار اسم أطياف كان متّسقًا مع موضوع الرّواية فالأطياف لغة هي الخيالات، وهذا المعنى

ينسجم مع وجود أولاد أطياف في حياتها، إذ لطالما كان حضورهم باهتًا عابرًا، كحلم سريع، أو

طيف شمس يظهر سريعًا في السّماء بعد المطر، إلى جانب طيف زوجها الرّاحل، وطيف البلاد

المهجّرة.

 

أطياف ليست مجرّد شخصيّة على ورق، إنّما هي صورة حيّة لكثير من النّساء الفلسطينيّات

والعربيّات بشكل عام اللّواتي يعانين من مرارة العقوق بعد العطاء المتفاني ممّا يجعلهنّ يتساءلن

 كأطياف: " هل كان الوفاء جرمي؟ وهل يكون الهجران عقوبة من تخلص أكثر من اللازم؟"

ذاك الإخلاص الذي قد ينغرس مقابله عتاب الأبناء كسكّين في القلب كما في قول ابنة أطياف

:"ليس علينا نحن الأبناء أن ندفع ثمن وفاء الأهل رغم امتناننا، فالتّضحيات كانت من اختياراتكم لا مطالبنا".

وكم من أطياف في مجتمعاتنا لم تكن بحظّ أطياف هذه، لم تكمل تعليمها، وتحصل على أعلى

الشّهادات، فالتهمتها الوحدة والأمراض من ندوب الجحود والنّكران، فقد كان مصدر قوّة

أطياف، وما ينتشلها من بئر الأوجاع تمسّكها بالقلم، والعمل وترك الأثر في النّاس منفّذة وصيّة

أمّها: "يا بنيّتي كلّ شجرة مصيرها الفناء، لكن بعض الأغصان يدوم ظلّها طويلا...كوني من

الذين لا تذبل آثارهم حتّى بعد الغياب."

وهنا رسالة قويّة للمرأة ألا تنسى نفسها في خضّم الحياة، وتتمسّك بهدف يخصّها، يكون مظلّتها

التي تحتمي بها من لهيب الزّمن، أو سيل جور البشر.

وحين تكون الرّواية فلسطينيّة لا يمكن أن تقتصر على التّطرق للجانب الاجتماعي بمعزل عن

تسليط الضّوء على ما يعانيه الفلسطينيّ جرّاء الاحتلال من مضايقات، وتهجير، واعتقال يكون

ضريبة فعل مقاومة أو حتّى كلمة.

والقارئ للرّواية سيتنشّق الحنين بين أبجديّاتها، حنين للأماكن كما جاء في :"نحن أبناء

الخسارات المتلاحقة، ومع ذلك لم نمت ولن نموت...أصابغي مازالت تشمّ رائحة القمح

المحروق في كفّي، "لفتا...لم تكن مجرّد قرية، كانت شكلا من أشكال ذاكرة والديه، حين

يتحدّثان عنها لا يصفان مكانًا بل يستعيدان طريقة في النّظر إلى العالم".

كما لم تخل من حنين للأصدقاء والزّوج والأبناء.

لغة الرّواية انسيابيّة، ولم تخل من رمزية عميقة، وصور جميلة مثل:

*لكن ثمّة ارتباك خفيف لم تفهمه مثل رجفة ضوء في عين غيمة. *جاء المساء على أطياف

كعاصفة قلعت وردة مروجها من الجذور.

*وصل خبر رفض صافي إلى أمّه فاعتصرت حكمتها في قارورة ذكاء التّصرّف.

* كأنّ الزّمن قرّر أن يعيد نسج نفسه على نول مملّ.

هذه الرّواية تجربة أدبيّة مميّزة نجحت الكاتبة وفاء الدّاري من خلالها رسم عالم إنسانيّ عميق،

يجمع بين نبض الوطن وغور النّفس البشريّة للشّخصيّات، ممّا جعلها عملا يستحقّ القراءة.

وقال عبد الباسط الرازم:

تَحِيَّةُ إِجْلَالٍ وَتَقْدِيرٍ نَزُفُّهَا إِلَى الرِّوَائِيَّةِ المَقْدِسِيَّةِ الصَّابِرَةِ، الأُسْتَاذَةِ وَفَاء شَاهر دَارِي، عَلَى هَذَا العَمَلِ الأَدَبِيِّ الرَّصِينِ الَّذِي يُعَدُّ إِضَافَةً نَوْعِيَّةً لِلمَكْتَبَةِ الفِلَسْطِينِيَّةِ. إِنَّ رِوَايَةَ "أَطْيَاف"  لَيْسَتْ مُجَرَّدَ سَرْدٍ لِحِكَايَةِ امْرَأَةٍ، بَلْ هِيَ مَلْحَمَةُ صُمُودٍ تُلَخِّصُ حَالَ مَدِينَةٍ بِأَكْمَلِهَا. نُشَجِّعُ الكَاتِبَةَ عَلَى هَذِهِ الجُرْأَةِ فِي طَرْحِ قَضَايَا شَائِكَةٍ، وَنَشُدُّ عَلَى يَدِهَا لِلِاسْتِمْرَارِ فِي هَذَا النَّهْجِ التَّوْثِيقِيِّ الَّذِي يَمْزُجُ بَيْنَ الذَّاتِيِّ وَالوَطَنِيِّ بِبَرَاعَةٍ.

أَمَّا بَابُ النَّقْدِ، وَهُوَ بَابُ المَحَبَّةِ وَالتَّقْوِيمِ، فَنَقُولُ بِكُلِّ شَفَافِيَّةٍ: إِنَّ العَمَلَ رَغْمَ عُمْقِهِ، قَدْ شَابَتْهُ بَعْضُ الهَنّاتِ الَّتِي نَرْجُو تَدَارُكَهَا فِي الطَّبْعَاتِ القَادِمَةِ. فَقَدْ لُوحِظَ وُجُودُ تَكْرَارٍ فِي بَعْضِ الأَحْرُفِ وَالكَلِمَاتِ بِشَكْلٍ يَبْدُو أَنَّهُ خَطَأٌ فِي التَّنْسِيقِ أَوِ الجَمْعِ الطِّبَاعِيِّ، مِمَّا أَرْبَكَ انْسِيَابِيَّةَ القِرَاءَةِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ. كَمَا أَنَّ الرِّوَايَةَ تَحْتَاجُ إِلَى مُرَاجَعَةٍ لُغَوِيَّةٍ وَنَحْوِيَّةٍ أَكْثَرَ دِقَّةً؛ فَقَدْ وَقَعَتْ هَفَوَاتٌ فِي مَوَاقِعِ الإِعْرَابِ وَبَعْضِ القَوَاعِدِ الإِمْلَائِيَّةِ، خَاصَّةً فِي الهَمْزَاتِ. وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، نَجِدُ أَنَّ عَلَامَاتِ التَّرْقِيمِ لَمْ تُوضَعْ دَائِمًا فِي أَمَاكِنِهَا الصَّحِيحَةِ، مِمَّا أَثَّرَ عَلَى النَّفَسِ السَّرْدِيِّ وَفَصْلِ الجُمَلِ عَنْ غَايَاتِهَا المَعْنَوِيَّةِ. أَيْضًا، كَانَ هُنَاكَ إِفْرَاطٌ فِي السَّودَاوِيَّةِ وَالأَلَمِ؛ فَرَغْمَ قَسْوَةِ الوَاقِعِ، إِلَّا أَنَّ القَارِئَ قَدْ يَشْعُرُ بِالِاخْتِنَاقِ مِنْ كَثَافَةِ الحُزْنِ المُتَوَاصِلِ الَّذِي هَيْمَنَ عَلَى الفُصُولِ الأُولَى، وَكَانَ بِمَقْدُورِ الكَاتِبَةِ بَثُّ نَسْمَاتٍ مِنَ الأَمَلِ المَرْحَلِيِّ لِتَخْفِيفِ حِدَّةِ التَّوَتُّرِ الدَّرَامِيِّ. كَمَا أَنَّ الِاعْتِمَادَ المُكثَّفَ عَلَى "الفَلَاش بَاك" أَدَّى إِلَى بَعْضِ التَّشَتُّتِ الزَّمَنِيِّ لَدَى القَارِئِ غَيْرِ المُتَمَرِّسِ.

وَلَكِنْ، وَبِالِانْتِقَالِ إِلَى مَوَاطِنِ القُوَّةِ وَالإِبْدَاعِ، فَهِيَ الَّتِي تَجْعَلُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَمَلًا بَاقِيًا. لَقَدْ بَرَعَتْ وَفَاء دَارِي فِي نَحْتِ لُغَةٍ شَاعِرِيَّةٍ فَرِيدَةٍ، حَيْثُ نَجِدُ الصُّورَةَ البَيَانِيَّةَ تَتَحَوَّلُ إِلَى كَائِنٍ حَيٍّ يَنْبِضُ بِالوَجَعِ. إِنَّ قُدْرَةَ الكَاتِبَةِ عَلَى رَبْطِ مَأْسَاةِ القُرَى المَهَجَّرَةِ كَقَرْيَةِ (لِفْتَا) بِهُمُومِ البَيْتِ المَقْدِسِيِّ هِيَ بَرَاعَةٌ تُحْسَبُ لَهَا. لَقَدْ حَوَّلَتْ مَأْسَاةَ (أَطْيَاف) مَعَ أَبْنَائِهَا إِلَى رَمْزِيَّةٍ عَمِيقَةٍ لِلأَرْضِ الَّتِي يُنْكِرُهَا أَبْنَاؤُهَا، أَوْ يَغْرَقُونَ فِي ذَوَاتِهِمْ بَعِيدًا عَنْ جُذُورِهِمْ.

إِنَّ النُّقْطَةَ المِحْوَرِيَّةَ وَالأَكْثَرَ إِشْرَاقًا فِي الرِّوَايَةِ هِيَ لَحْظَةُ التَّمَرُّدِ وَالخَلَاصِ؛ فَبَدَلًا مِنْ أَنْ تَسْتَسْلِمَ (أَطْيَاف) لِلْعُقُوقِ وَالخِذْلَانِ، قَرَّرَتْ أَنْ تَكُونَ أُمًّا لِلذَّاكِرَةِ الوَطَنِيَّةِ بِأَكْمَلِهَا. قَرَارُهَا بِتَحْوِيلِ بَيْتِهَا فِي القُدْسِ الشَّرْقِيَّةِ إِلَى مَرْكَزِ تَوْثِيقٍ صَحفِيٍّ وَأَرْشِيفٍ لِلنَّكْبَةِ هُوَ قِمَّةُ الإِبْدَاعِ الفِكْرِيِّ. هُنَا تَنْتَصِرُ الرِّوَايَةُ لِلْقَضِيَّةِ عَلَى حِسَابِ العَاطِفَةِ الخَاصَّةِ، وَتُؤَكِّدُ أَنَّ الوَفَاءَ لِلْوَطَنِ هُوَ المِيرَاثُ الحَقِيقِيُّ. كَمَا أَنَّ شَخْصِيَّةَ الحَفِيدِ (صَافِي)، الَّذِي عَادَ مَحْمُولًا بِحَنِينِ وَالِدِهِ نَجْم، تُعْطِي بَصِيصًا مِنَ الضَّوءِ فِي نِهَايَةِ النَّفَقِ، مُؤَكِّدَةً أَنَّ الجُذُورَ لَا تَمُوتُ مَهْمَا نَأَتِ المَسَافَاتُ.

خِتَامًا، رِوَايَةُ "أَطْيَاف" هِيَ صَرْخَةٌ فِي وَجْهِ النِّسْيَانِ، وَدَعْوَةٌ لِلْمُكَاشَفَةِ مَعَ الذَّاتِ. نُحَيِّي الرِّوَائِيَّةَ وَفَاء شَاهر دَارِي عَلَى هَذَا النَّفَسِ الطَّوِيلِ فِي السَّرْدِ، وَعَلَى هَذِهِ الأَمَانَةِ فِي نَقْلِ صُورَةِ المَرْأَةِ الفِلَسْطِينِيَّةِ الصَّامِدَةِ الَّتِي لَا تَنْكَسِرُ، بَلْ تَعِيدُ بِنَاءَ نَفْسِهَا مِنَ الرَّمَادِ كَطَائِرِ الفِينِيقِ، لِتَظَلَّ القُدْسُ فِيهَا، وَتَظَلَّ هِيَ فِي القُدْسِ، حَافِظَةً لِلْعَهْدِ وَشَاهِدَةً عَلَى العَصْرِ.

وقالت نزهة الرملاوي:

يمثل غلاف رواية "أطياف" المرسوم بريشة الفنان ناصيف سليمان عتبة بصرية موازية للمتن السردي، تؤكد رؤية الكاتبة التي اعتنت في سرد روايتها بإظهار الصراع المتمثل بالبقاء ضد النسيان.

 سيمياء العنوان والخط:

كتبت كلمة "أطياف" بخط حرّ يتسم بالسيولة والانفتاح، ليعكس رمزية الأرواح الهائمة والذكريات التي لا يحدها زمن.

يرمز غلاف الرواية الأبيض الى النقاء والشفافية والوضوح المتمثل برسم سيدة فلسطينية مسنّة في تجاعيد وجهها خارطة وجدانية تجذّرت بها القرى المهجّرة وحكايات الغائبين، تحمل في قسمات وجهها همّ الوطن وعذابات الفقد والاغتراب، تلتف بكوفية ملطّخة بدماء الشهداء. إلى جانب السيدة رسم غصن زيتون أخضر، كرمزية للهوية والارتباط بالأرض، وحفظا للذاكرة ومواجهة التزييف.

 وان دلّ ذلك يدل على تجذر الفلسطيني في أرض أجداده التي يصعب اقتلاعه منها، وإن تعددت وسائل تهجيره، إلا أن الصمود وإرادة البقاء والتحدي من صفات الفلسطيني المنتمي.

 اللون والتشكيل:

 تعتمد اللوحة تقنية الألوان المائية التي تتلاشى عند الأطراف، يعبّر عن اغتراب الذات بين ماضٍ حاضر بقوة ومستقبل يتلاشى.

لماذا اختارت الكاتبة اسم اطياف لبطلة الرواية؟ وما الأطياف التي قصدتها؟

كلمة "أطياف" هي جمع "طيف"، ولها أكثر من معنى حسب السياق:

1. المعنى الحسّي (العلمي):

الطيف هو الضوء أو الألوان الناتجة عن تحليل الضوء، مثل ألوان قوس قزح.

2. المعنى الأدبي:

تدلّ على الذكريات، المشاعر، أو الأشخاص الذين يحضرون في الذهن بشكل غير ملموس.. لذا نجد أن الكاتبة نجحت في اختيار اسم اطياف لبطلة الرواية، التي سردت حكايتها وحبكتها من التذكر والفقد والهوية.

 

الشخصيات في الرواية:

(أطياف) بطلة الرواية سيدة فلسطينية مقدسية مسنّة، ظهرت كأيقونة ورمز للبقاء، وحارسة لذاكرة المكان، حيث ربطت الماضي بالحاضر من خلال ذاكرة اشبعتها بفقد زوجها صافي.

(صافي) الفلسطيني المناضل الذي يمثل عنصر المقاومة والمواجهة، وكان حضوره في الرواية قويا رغم الغياب. وله تأثير  نفسي قوي على أطياف.

أما دور (عاصم السعدي) شريك صافي في مشروع الذاكرة، فقد اتسم بتوسيع البعد الفكري والسياسي في الرواية، وكان له تأثير مباشر في مسار الأحداث.

أما الشخصية التي حملت ثقل العلاقة مع الأم هو ابنها البكر( ورد )، فقد استخدمت الكاتبة شخصيته لإبراز خيبة الأمل والتباعد العاطفي في الرواية عن الأم.

أما زهرة فكان لها حضور في احداث الرواية، وجزء مهم في الأسرة والذاكرة الحميمية.

نجم والحفيد صافي انعكاس للغربة والاغتراب الداخلي والسؤال المفتوح حول القضية الفلسطينية في أروقة الأمم المتحدة والقرار الدبلوماسي وبين المقاومة".

أما حاتم (أبو صافي) مثل في الرواية الجيل الأول الذي اقتلع من أرضه. وجسدت ميسرة (أم صافي) الصبر والصمود للأم الفلسطينية.

أما (ليلى) كان حضورها رمزيا أكثر

من كونه فعليًا، يعمّق مأساة العائلة.

 

مقدمة:

تندرج رواية أطياف ضمن الأدب العربي المعاصر الذي يعالج إشكاليات الإنسان في سياق سياسي وتاريخي مأزوم، حيث تتقاطع التجربة الفردية مع الهمّ الجمعي. لا تكتفي الرواية بسرد حكاية شخصية، بل تنسج فضاء سرديا تتشابك فيه ثيمات ( عناصر) كبرى أبرزها: الذاكرة، الفقد، والهوية. ومن خلال هذه الثلاثية، تطرح الكاتبة رؤية عميقة للوجود الإنساني، خاصة في سياق فلسطيني يتسم بالاقتلاع من وطن الاجداد، وعليه تسعى هذه الإضاءة إلى تحليل مداخل الرواية  بوصفها بنى دلالية متداخلة، تشكّل العمود الفقري للرواية.

 

العرض:

تتجلّى ثيمة الذاكرة في الرواية بوصفها فعل مقاومة قبل أن تكون مجرد استرجاع للماضي. الذاكرة في صفحات الرواية تعمل على حفظ التجربة الفردية، وتصبح أداة لمواجهة محاولات طمس الفلسطيني وإلغاء وجوده. ويتضح ذلك في مشروع توثيق القرى المهجّرة، حيث تتحول الكتابة إلى واجب وطني وتاريخي وديني يوثق وجود الأرض وكيفية الاستيلاء عليها ومصادرتها لإقامة المستوطنات عليها، ويغدو السرد وسيلة لإعادة ترسيخ المكان في الوعي الجمعي. غير أن هذه الذاكرة لا تخلو من التوتر، إذ تظهر أيضا كعبء نفسي ثقيل، خاصة لدى الشخصية المحورية اطياف.

أما ثيمة الفقد، فهي الحاضنة الوجودية التي تتحرك داخلها الشخصيات في الرواية، بنية متجذرة تتعدد مستوياتها، بدءًا من فقد الأحبة، مرورا بفقد الوطن، وانتهاءً بفقد الاستقرار النفسي. ويكتسب الفقد بعدا زمنيا مفتوحا، إذ لا يُختزل في لحظة ماضية، بل يستمر ويتجدد عبر الذكرى والطقوس المرتبطة بها. وهكذا، يتحول الفقد إلى حالة دائمة من حزن داخلي لا يمكن تجاوزه، وتغدو اللغة نفسها محمّلة بإيحاءات الحزن، حيث تصبح الكتابة فعل رثاء متمكن من الذات لا يمكن تهميشه.

وفي ما يتعلق بثيمة الهوية، فإن الرواية تقدمها بوصفها كيانًا غير ثابت، يتشكل ويتفكك تحت تأثير الذاكرة والفقد. فالهوية مشروعا قيد التشكل، يرتبط بقوة بالذاكرة الجمعية. ومن يفقد ذاكرته، يفقد هويته، لذلك، يصبح التوثيق واستحضار الماضي ضرورة وجودية للحفاظ على الذات. في المقابل، تكشف الرواية عن نماذج لهوية ممزقة، خاصة لدى الشخصيات التي تعيش في المنفى أو الاغتراب، حيث تنشأ حالة من الانفصال بين الأصل والانتماء، مما يؤدي إلى تشكل هوية غير واضحة تتأرجح بين الانتماء والقطيعة.

ومن خلال هذا التفاعل، تتداخل الثيمات الثلاث في علاقة جدلية؛ فالذاكرة تسعى إلى حماية الهوية، بينما يعمل الفقد على تقويضها، في حين تحاول الهوية إعادة إنتاج نفسها عبر استدعاء الذاكرة. هذا التداخل يمنح الرواية عمقًا دلاليا، ويجعلها تتجاوز البعد السردي إلى مستوى التأمل في الوجود والغياب.

 

الخاتمة:

في ضوء ما سبق، يمكن القول إن رواية أطياف نجحت في بناء عالم سردي قائم على ثلاثية الذاكرة والفقد والهوية، حيث تتحول هذه الثيمات إلى أدوات لفهم التجربة الإنسانية في سياقها، لذاكرة  مقاومة.

 والفقد حالة مستمرة، أما الهوية فهي كيان يعاد تشكيله باستمرار في مواجهة التحديات. ومن هنا، تكتسب الرواية قيمتها وذلك بطرح أسئلة عميقة حول معنى الانتماء والبقاء في عالم تتنازعه قوى الغياب والنسيان.

التجربة الإنسانية في رواية أطياف تقوم على بنية شعورية معقّدة، حيث تتحوّل الرواية إلى فضاء لاختبار أسئلة وجودية تتعلق بالذاكرة، وكيفية التعايش مع الفقد.

لأشخاص غادروا أجسادهم لكنهم ظلوا مقيمين في الوعي.

أما من الناحية الأسلوبية، كانت لغة الروابة شفافة واضحة، مشحونة بالإيحاء، تعتمد على التداعي الحرّ، والانتقال بين الأزمنة، وكسر السرد التقليدي. وهذا الأسلوب يعكس طبيعة التجربة الإنسانية نفسها، لذا تقدّم الرواية رؤية للتجربة الإنسانية بوصفها:

صراعا مع الذاكرة، تعايشًا مع الفقد

بحثا دائما عن هوية متماسكة.

فالإنسان الفلسطيني لا يعيش في الحاضر وحده، بل في شبكة معقدة من الأطياف والأزمنة المتعاقبة من الانتداب إلى النكبة والاحتلال إلى النكسة والتغير الديموغرافي نتيجة التهجير والتنكيل والحصار والحروب، وتعمل تلك العناصر مجتمعة إلى تشكّل وعي المجتمع وتوجّه مصيره.

 

 

 

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - القدس: من ديمة جمعة السمان