عاد اسم فيروس “هانتا” إلى الواجهة الصحية عالمياً، بعد تسجيل إصابات ووفيات مرتبطة بسفينة سياحية كانت قد أبحرت من الأرجنتين، وسط تحقيقات دولية لمعرفة مصدر العدوى، واشتباه في انتقال بعض الحالات عبر الاحتكاك القريب بين البشر، خصوصاً أن السلالة المطروحة في هذا التفشي هي من نوع “أنديز”، وهي من الأنواع النادرة القادرة على الانتقال من شخص إلى آخر في ظروف محددة.
وفي مقابلة عبر قناة “المملكة” تابعتها "وكالة قدس نت للأنباء"، قال مستشار الوبائيات ورئيس جمعية الصحة العامة الأردنية، الدكتور بسام حجاوي، إن فيروس هانتا ليس فيروساً جديداً، بل معروف منذ عقود، ولا يشبه في خصائصه فيروسات كورونا أو الإنفلونزا القادرة على الانتشار الواسع والسريع بين البشر. وأوضح أن ما يجري حالياً هو تفشٍّ محدود مرتبط ببيئة مغلقة، هي سفينة سياحية، ما يجعل التعامل معه ممكناً من خلال التتبع والعزل والمراقبة الصحية.
وبحسب منظمة الصحة العالمية، بلغ عدد الحالات المرتبطة بالسفينة حتى 7 مايو/أيار 2026 ثماني حالات، بينها ثلاث وفيات، فيما تم تأكيد خمس إصابات مخبرياً بفيروس هانتا. وأكدت المنظمة أن الوضع لا يمثل بداية جائحة جديدة، ولا يستدعي فرض قيود عامة على السفر أو التجارة، لكنها شددت في الوقت نفسه على ضرورة مواصلة التحقيق الوبائي ومراقبة المخالطين، نظراً إلى خطورة المرض في بعض الحالات.
وينتقل فيروس هانتا في العادة من القوارض المصابة، مثل الفئران والجرذان، إلى الإنسان عبر التعرض لبولها أو برازها أو لعابها، خصوصاً عند استنشاق غبار ملوث بإفرازات القوارض في أماكن مغلقة أو سيئة التهوية. وقد تحدث العدوى أيضاً عبر لمس أسطح ملوثة ثم لمس الفم أو الأنف أو العينين، بينما تُعد العدوى عبر العض أو الخدش أقل شيوعاً.
وتكمن خصوصية سلالة “أنديز” في أنها، بخلاف معظم فيروسات هانتا، يمكن أن تنتقل نادراً من شخص إلى آخر، لا سيما عبر مخالطة قريبة ومطولة لشخص مصاب. وتؤكد المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها أن فيروس أنديز يمكن أن ينتقل عبر القوارض أو الأسطح الملوثة، ونادراً عبر الاتصال القريب مع مريض يحمل الفيروس. كما توثق دراسات منشورة حالات انتقال بشري محدود في الأرجنتين وتشيلي، غالباً داخل العائلات أو بين المخالطين المقربين.
وأوضح حجاوي أن السفن السياحية تمثل بيئة تحتاج إلى رقابة صحية دقيقة، لأنها تجمع عدداً كبيراً من الأشخاص لفترات طويلة، وتحمل مخزونات غذائية قد تجذب القوارض إذا لم تكن إجراءات المكافحة محكمة. وأشار إلى أن احتمال تسلل القوارض إلى السفينة مع الأغذية أو البضائع أو أثناء عمليات التحميل والتفريغ يفسر كيف يمكن لفيروس مرتبط بالقوارض أن يظهر في بيئة بحرية متنقلة تقطع مسافات طويلة بين القارات.
وتحقق الأرجنتين حالياً في احتمال ارتباط مصدر العدوى بها، خصوصاً أن السفينة السياحية “MV Hondius” انطلقت من أوشوايا، وأن فيروس أنديز معروف في مناطق من جنوب أميركا. وذكرت تقارير دولية أن الأرجنتين، وهي من الدول التي تسجل إصابات هانتا في أميركا اللاتينية، تعمل على تتبع نقاط التعرض المحتملة وتحليل مسار السفينة والمخالطين.
وتشير المعطيات الأوروبية إلى أن التفشي ما زال محدوداً لكنه خطير؛ فقد أفاد المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها بأنه حتى 6 مايو/أيار 2026 جرى الإبلاغ عن سبع حالات في عنقود مرتبط بالسفينة، بينها ثلاث وفيات وحالة حرجة وحالتان عرضيتان، مع التأكيد أن التقييم أولي وقابل للتحديث مع تطور التحقيقات.
وتبدأ أعراض الإصابة غالباً بأعراض تشبه الإنفلونزا، مثل الحمى والصداع وآلام العضلات والإرهاق، وقد تترافق أحياناً مع اضطرابات هضمية. وفي الحالات الشديدة، يمكن أن تتطور الإصابة إلى متلازمة رئوية خطيرة تشمل ضيقاً في التنفس وتدهوراً سريعاً في وظائف الرئتين، وقد تصل إلى الصدمة أو الوفاة. ولا يوجد علاج نوعي مباشر أو لقاح واسع الاعتماد لعدوى هانتا، لذلك يعتمد التدخل الطبي على الرعاية الداعمة المبكرة، مثل الأكسجين، السوائل، المراقبة المكثفة، ودعم وظائف الأعضاء عند الحاجة.
وشددت منظمة الصحة العالمية على أن التفشي الحالي “ليس كوفيد وليس إنفلونزا”، وأنها لا تتوقع وباءً واسعاً، لأن نمط انتقال هانتا مختلف ويحتاج غالباً إلى تعرض مباشر أو قريب للقوارض أو مخالطة لصيقة في حالة سلالة أنديز. لكنها قالت إن تسجيل حالات إضافية يبقى ممكناً بسبب فترة الحضانة التي قد تمتد لأسابيع، وبسبب تحرك بعض الركاب أو نزولهم قبل اكتمال إجراءات العزل والتتبع.
وبحسب حجاوي، فإن فترة الحضانة قد تمتد من نحو أسبوع إلى عدة أسابيع، ما يجعل المراقبة الصحية ضرورية للمخالطين والمسافرين الذين كانوا على متن السفينة أو تعاملوا مع مصابين. وتكمن الصعوبة في أن الأعراض الأولى قد تبدو عادية وتشبه أمراضاً تنفسية أو فيروسية موسمية، قبل أن تتدهور بعض الحالات بسرعة.
وتوصي الجهات الصحية بالوقاية من فيروس هانتا عبر مكافحة القوارض، وتجنب تنظيف مخلفاتها بطريقة جافة تثير الغبار، واستخدام التهوية والمواد المطهرة عند تنظيف الأماكن الملوثة، والابتعاد عن مشاركة الأدوات الشخصية أو الطعام أو الشراب مع شخص يُشتبه بإصابته بسلالة أنديز، إضافة إلى طلب الرعاية الطبية فوراً عند ظهور حمى أو ضيق تنفس بعد مخالطة محتملة.
وبينما أثارت الوفيات المرتبطة بالسفينة مخاوف من تكرار سيناريو جائحة كورونا، تؤكد المعطيات العلمية حتى الآن أن فيروس هانتا لا يمتلك نمط الانتشار المجتمعي السريع نفسه. فالخطر قائم وجدي بالنسبة للمصابين والمخالطين القريبين، لكنه لا يعني أن العالم أمام جائحة جديدة. والأولوية الآن، وفق الخبراء، هي تحديد مصدر العدوى، عزل الحالات، مراقبة المخالطين، وفحص بيئة السفينة وما إذا كانت القوارض أو مخازن الغذاء لعبت الدور الأساسي في بدء التفشي.
