لبنان بين حراك دبلوماسي حساس وتصعيد عسكري متواصل مع إسرائيل

شاب يمرّ بجوار خيام داخل استاد مدينة كميل شمعون الرياضية، الذي تحوّل إلى مأوى مؤقت في بيروت، لبنان. 8 أيار 2026. (رويترز).jpeg

تشهد الساحة اللبنانية، خلال الأسابيع الأخيرة، حراكًا دبلوماسيًا غير معلن يرتبط بملف العلاقة مع إسرائيل، وسط نقاشات داخلية شديدة الحساسية بشأن مستقبل أي مسار محتمل للتقارب، وانعكاساته على التوازنات السياسية والأمنية في البلاد، ولا سيما في ما يتصل بسلاح «حزب الله» ودوره في المعادلة اللبنانية.

وبحسب مصادر لبنانية نقلتها صحيفة «رأي اليوم»، فإن السعودية تلعب دورًا غير مباشر في تشجيع بلورة حوار داخلي لبناني واسع قبل الإقدام على أي خطوات سياسية قد تُفهم على أنها تمهيد لمسار تطبيع محتمل مع إسرائيل. غير أن هذه المعطيات لم تُؤكد رسميًا من أي من الأطراف المعنية.

وتشير المصادر إلى أن الرياض تدفع باتجاه مقاربة تقوم على أولوية التوافق الداخلي اللبناني، وتجنب أي خطوات متسرعة قد تؤدي إلى توتر سياسي أو أمني، خصوصًا في ظل حساسية ملف سلاح «حزب الله» وموقعه في المعادلة الداخلية والإقليمية.

وتركز النقاشات الجارية، وفق المصادر ذاتها، على ضرورة عدم طرح الملفات الخلافية بصورة مباشرة قد تؤدي إلى تصعيد داخلي، مع إبقاء القنوات السياسية والدبلوماسية ضمن أطرها التقليدية في المرحلة الحالية، إلى حين توافر ظروف أكثر ملاءمة لأي نقاش وطني واسع.

كما تحدثت التقارير عن وجود تواصل سياسي غير مباشر بين أطراف لبنانية وإقليمية، يهدف إلى احتواء التوترات ومنع انزلاق الوضع الداخلي نحو مواجهة سياسية حادة، في ظل الانقسام اللبناني حول قضايا السيادة والدور الإقليمي للدولة ومستقبل العلاقات الخارجية.

وتؤكد مصادر متابعة أن أي تطور في هذا الملف سيبقى مرهونًا بتوازنات داخلية وإقليمية دقيقة، وبقدرة القوى اللبنانية المختلفة على إدارة الخلافات دون دفع البلاد نحو مزيد من الانقسام.

ميدانيًا، تزامن هذا الحراك السياسي مع تصعيد عسكري متواصل على الجبهة اللبنانية ـ الإسرائيلية، حيث انطلقت صفارات الإنذار مرتين في شمال إسرائيل منذ صباح السبت 09 مايو/أيار 2026، وسط مخاوف من تسلل مسيرات أُطلقت من لبنان، في وقت تكثف فيه إسرائيل هجماتها على الأراضي اللبنانية رغم سريان هدنة هشة منذ 17 نيسان/ أبريل الماضي.

وأعلن الجيش الإسرائيلي، وفق ما أوردته القناة 12 العبرية، انطلاق صفارات الإنذار في مستوطنة «برعام» في الجليل الأعلى. كما تحدثت صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن مخاوف من تسلل طائرات مسيرة أُطلقت من جنوب لبنان باتجاه المنطقة.

وفي وقت سابق، أفادت وسائل إعلام عبرية بانطلاق صفارات الإنذار في شمال إسرائيل، فيما قالت القناة 13 إن منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية اعترضت صاروخًا أُطلق باتجاه هدف وهمي في الشمال، مشيرة إلى إعلان حالة تأهب لفترة زمنية على خلفية إطلاق صواريخ وقذائف من لبنان، وسط مخاوف من تسلل مسيرات.

في المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه شن غارات على ما وصفها بأنها «مستودعات ووسائل قتالية ومنصة إطلاق» استخدمها «حزب الله» لإطلاق مسيرات باتجاه قواته العاملة في جنوب لبنان. كما ادعى أنه استهدف منصتي إطلاق مجهزتين ومعدتين للإطلاق في الجنوب اللبناني.

وخلال 24 ساعة، قال الجيش الإسرائيلي في بيان منفصل إنه قصف أكثر من 85 موقعًا في مناطق عدة من لبنان، زاعمًا أنها تابعة لـ«حزب الله»، بينها مستودعات أسلحة ومنصات إطلاق ومبانٍ استخدمت لأغراض عسكرية. كما أعلن أنه أغار في منطقة البقاع شرقي لبنان على موقع «تحت أرضي»، مدعيًا أن الحزب استخدمه لإنتاج وسائل قتالية.

وفي ما يتعلق بتهديد المسيرات، أعلن الجيش الإسرائيلي، السبت، إصابة ضابط وجنديين بجروح خطيرة ومتوسطة جراء انفجار مسيرة قال إن «حزب الله» أطلقها في جنوب لبنان. وذكر في بيان أن جنديًا أصيب بجروح خطيرة، فيما أصيب ضابط احتياط وجندي آخر بجروح متوسطة.

ولم يحدد الجيش نوع المسيرة المستخدمة، غير أن المسيرات التي تعتمد على تقنية الألياف الضوئية باتت تثير قلقًا متزايدًا في إسرائيل، بسبب صعوبة رصدها أو التشويش عليها. وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد وصفها سابقًا بأنها «تهديد رئيسي»، داعيًا الجيش إلى تطوير وسائل للتصدي لها.

وتعتمد هذه المسيرات على خيط ألياف ضوئية رفيع ينفلت تدريجيًا من بكرة مثبتة عليها خلال الطيران، ما يسمح بنقل الأوامر والصور مباشرة عبر الخيط بدلًا من موجات الراديو القابلة للتشويش. كما أنها لا تحتاج إلى نظام تحديد المواقع العالمي أو إلى إشارات لاسلكية، ما يجعل بصمتها الرادارية منخفضة ويصعّب رصدها.

وادعى الجيش الإسرائيلي أن سلاح الجو اعترض عدة مسيرات مفخخة أطلقها «حزب الله» باتجاه قواته العاملة في جنوب لبنان، معتبرًا ذلك «انتهاكًا إضافيًا» لاتفاق وقف إطلاق النار.

في المقابل، أعلن «حزب الله» تنفيذ ما لا يقل عن 17 عملية استهدفت آليات وتجمعات ومواقع للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، إضافة إلى التصدي لمسيرة إسرائيلية. وقال الحزب، في بيانات منفصلة، إن عملياته تأتي ردًا على خروقات وقف إطلاق النار والاعتداءات الإسرائيلية على البلدات اللبنانية الجنوبية.

ويواصل الحزب الرد على الهجمات الإسرائيلية المتصاعدة، التي تشمل القصف المدفعي والغارات الجوية وعمليات نسف المنازل وإنذارات الإخلاء والاشتباكات الحدودية، في ظل استمرار التوتر على طول الجبهة الجنوبية.

ووفق رصد أعدته وكالة الأناضول استنادًا إلى بيانات وكالة الأنباء اللبنانية حتى الساعة الخامسة مساء بتوقيت غرينتش، أسفر التصعيد الإسرائيلي منذ صباح السبت عن مقتل 21 شخصًا وإصابة آخرين في 84 هجومًا إسرائيليًا.

وتأتي هذه الهجمات ضمن عدوان إسرائيلي بدأ في 2 آذار/ مارس الماضي، وأسفر، وفق أحدث معطيات رسمية لبنانية، عن مقتل 2759 شخصًا وإصابة 8512 آخرين، إضافة إلى نزوح أكثر من 1.6 مليون شخص.

ورغم سريان وقف إطلاق النار منذ 17 نيسان/ أبريل، يواصل الجيش الإسرائيلي توغله في جنوب لبنان، إلى جانب عمليات النسف والتدمير الممنهج للمنازل والمباني وتهجير السكان قسرًا من عشرات القرى، بذريعة استهداف ما يصفه بأنه «بنى تحتية عسكرية وعناصر لحزب الله».

وتستند إسرائيل في تبرير هجماتها إلى بند في اتفاق وقف إطلاق النار تقول إنه يمنحها «حق اتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن النفس» في أي وقت ضد هجمات مخطط لها أو وشيكة أو جارية، وهو بند ترى فيه أطراف لبنانية مدخلًا تستخدمه تل أبيب لتوسيع عملياتها وتكريس واقع عسكري جديد في الجنوب.

وتحتل إسرائيل مناطق في جنوب لبنان، بعضها منذ عقود، وأخرى منذ الحرب السابقة بين عامي 2023 و2024، فيما توغلت خلال العدوان الحالي لمسافة تقارب 10 كيلومترات داخل الحدود الجنوبية.

وبين الحراك الدبلوماسي غير المعلن والتصعيد العسكري المتواصل، تبدو الساحة اللبنانية أمام مرحلة شديدة التعقيد، حيث تتقاطع الضغوط الإقليمية والدولية مع الانقسامات الداخلية، في وقت يبقى فيه الجنوب ساحة مفتوحة على احتمالات التصعيد، رغم الحديث عن قنوات تهدئة ومسارات سياسية خلفية.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - وكالات