دخلت الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران منعطفاً سياسياً جديداً، بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مساء الأحد 10 أيار/ مايو 2026، رفضه الصريح للرد الإيراني على المقترح الأميركي الهادف إلى إنهاء الحرب وفتح مسار تفاوضي جديد، قائلاً عبر منصة تروث سوشال إن الرد “لم يعجبه” واصفاً إياه بأنه “غير مقبول إطلاقاً”. ونقلت بلومبيرغ نص منشور ترامب الذي قال فيه: “قرأت للتو رد ممثلي إيران المزعومين. لا يعجبني — غير مقبول إطلاقاً”.
وجاء موقف ترامب بعد ساعات من تسليم طهران ردها الرسمي عبر الوسيط الباكستاني، في خطوة كانت تُنتظر باعتبارها اختباراً حاسماً لمدى قابلية تحويل الهدنة الهشة إلى تفاهم سياسي أوسع. ووفق وكالة رويترز، فإن إيران أرسلت ردها على المقترح الأميركي عبر باكستان، التي تلعب دور الوسيط بين الطرفين، فيما تركز المرحلة الحالية من الاتصالات على وقف الأعمال القتالية وتأمين المرور في مضيق هرمز، قبل الانتقال إلى ملفات أكثر تعقيداً مثل البرنامج النووي والعقوبات.
وقال ترامب لمنصة أكسيوس “المفاوضات مع إيران مسؤوليتي وليس أي شخص آخر وناقشت مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رد إيران”.
وبحسب ما أوردته وكالة تسنيم الإيرانية شبه الرسمية، فإن الرد الإيراني شدد على ضرورة إنهاء الحرب فوراً، وتقديم ضمانات بعدم الاعتداء مجدداً على إيران، ورفع العقوبات، وإنهاء الحصار البحري، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، إضافة إلى إلغاء عقوبات مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأميركي المتعلقة ببيع النفط الإيراني خلال 30 يوماً. كما ربطت طهران أي تفاهم أولي بوقف الحرب في جميع الجبهات، وبقاء إدارة أمن مضيق هرمز بيد إيران.
غير أن القراءة الأميركية للرد بدت مختلفة تماماً. فقد أفادت صحيفة وول ستريت جورنال، نقلاً عن مصادر مطلعة، بأن الرد الإيراني لم يلبِّ المطالب الأميركية الأساسية المتعلقة بالحصول على تعهدات واضحة بشأن البرنامج النووي ومخزون اليورانيوم عالي التخصيب. ووفق هذه المصادر، تقترح طهران إنهاء القتال وفتح مضيق هرمز تدريجياً مقابل رفع الحصار الأميركي، مع استعدادها لترقيق جزء من اليورانيوم عالي التخصيب ونقل جزء آخر إلى دولة ثالثة، لكنها ترفض تفكيك منشآتها النووية وتطالب بضمانات لإعادة اليورانيوم المنقول إذا فشلت المفاوضات أو انسحبت واشنطن مستقبلاً من أي اتفاق.
وتكشف هذه المعادلة عن جوهر الخلاف بين الطرفين: واشنطن تريد اتفاقاً يبدأ من النووي، بينما تريد طهران اتفاقاً يبدأ من وقف الحرب ورفع العقوبات وتأمين الملاحة بشروطها. فالإدارة الأميركية ترى أن أي تفاهم لا يتضمن قيوداً صارمة على البرنامج النووي الإيراني سيكون اتفاقاً ناقصاً، في حين تعتبر إيران أن وضع ملفها النووي في مقدمة المفاوضات من دون ضمانات سياسية واقتصادية وأمنية يعني تكرار تجارب سابقة انتهت بانسحاب واشنطن أو بفرض عقوبات جديدة.
وفي خطابه التصعيدي، لم يكتف ترامب بوصف الرد بأنه مرفوض، بل شن هجوماً واسعاً على إيران، متهماً إياها بـ”التلاعب” بالإدارات الأميركية السابقة على مدى عقود. وقال في منشورات وتصريحات نقلتها وسائل إعلام أميركية إن طهران مارست سياسة “المماطلة والتأجيل”، وإنها “لن تضحك” على الولايات المتحدة بعد الآن، كما عاد إلى انتقاد الاتفاق النووي لعام 2015 وإدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما، متهماً إياها بمنح إيران أموالاً ضخمة من دون ضمانات كافية.
وتزامن الرفض الأميركي مع تصعيد في لغة التهديد العسكري. فقد قال ترامب في مقابلة نقلتها وسائل إعلام دولية إن الإيرانيين “هُزموا عسكرياً”، لكنه استدرك بأن ذلك “لا يعني أنهم انتهوا”، ملمحاً إلى أن الجيش الأميركي يمكنه، إذا لزم الأمر، أن يتدخل لأسبوعين إضافيين لضرب أهداف أخرى داخل إيران، بعد أن قال إن القوات الأميركية قصفت “نحو 70%” من الأهداف المحددة سابقاً.
في المقابل، تحاول طهران تقديم ردها باعتباره “واقعياً وإيجابياً”، لا بوصفه رفضاً للمقترح الأميركي. وتقول مصادر إيرانية إن الرد يستند إلى “مصالح البلاد العليا” وإلى مشاورات مع دول المنطقة، ويهدف إلى التوصل إلى تفاهم مرحلي يوقف الحرب ويعيد فتح مسارات الملاحة، على أن تُرحَّل الملفات المعقدة، وفي مقدمتها الملف النووي، إلى مفاوضات لاحقة بضمانات دولية واضحة.
ويبدو أن مضيق هرمز بات الورقة الأكثر حساسية في هذا المسار. فإيران، التي قيدت حركة الملاحة عبر المضيق خلال الحرب، تطرح فتحه تدريجياً ضمن تفاهم متبادل، بينما تصر واشنطن وحلفاؤها على حرية الملاحة الدولية وعدم إخضاع الممر البحري الحيوي لمنطق الضغط السياسي. ويمر عبر مضيق هرمز جزء كبير من تجارة النفط والغاز العالمية، ما جعل أي اضطراب فيه ينعكس فوراً على أسواق الطاقة وعلى اقتصادات دول عدة.
وفي مؤشر على محاولة اختبار التهدئة ميدانياً، عبرت ناقلة الغاز القطرية “الخريطيات” مضيق هرمز بسلام في طريقها إلى باكستان، في أول عبور من هذا النوع منذ اندلاع الحرب في 28 شباط/ فبراير، وفق ما أفادت به صحيفة فايننشال تايمز. وحظي العبور بدلالات سياسية واقتصادية، إذ عُدّ خطوة لبناء الثقة مع قطر وباكستان، اللتين تلعبان دوراً في الوساطة، كما يخفف جزئياً أزمة الطاقة في باكستان.
لكن التطورات الميدانية في الخليج أبقت المشهد قابلاً للانفجار. فقد أشارت وكالة أسوشيتد برس إلى أن الرد الإيراني جاء في وقت شهدت فيه المنطقة هجمات أو تحركات بطائرات مسيرة طالت محيط قطر والإمارات والكويت، ما زاد الشكوك بشأن قدرة الهدنة القائمة على الصمود. كما حذرت إيران من أي وجود بحري بريطاني أو فرنسي في مضيق هرمز تحت عنوان حماية الملاحة، معتبرة أن ذلك سيُقابل برد عسكري.
وتسعى باريس ولندن إلى بلورة مهمة دولية لتأمين الملاحة في المضيق إذا استقرت الأوضاع، لكن طهران ترى في ذلك محاولة لتدويل أمن الممر البحري على حساب نفوذها الإقليمي. وقد نقلت وسائل إعلام غربية أن إيران هددت برد “حاسم وفوري” على أي تمركز عسكري أوروبي في المنطقة، فيما قالت فرنسا إن أي تحرك سيكون منسقاً ويهدف إلى ضمان الملاحة لا إلى التصعيد.
إسرائيلياً، زاد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من الضغط على المسار الدبلوماسي، مؤكداً أن الحرب “لم تنته بعد” ما دام اليورانيوم المخصب داخل إيران، وما دامت منشآت التخصيب قائمة. وقال نتنياهو في مقابلة مع شبكة “سي بي إس” إن المطلوب هو إخراج اليورانيوم عالي التخصيب وتفكيك مواقع التخصيب، معتبراً أن بقاء هذه القدرات يعني أن أهداف الحرب لم تكتمل بعد.
وتضع هذه المواقف المتشددة المفاوضات أمام مأزق واضح: إيران تريد تفاهمات مرحلية تبدأ بوقف الحرب ورفع العقوبات وفتح المضيق تدريجياً، بينما تصر الولايات المتحدة وإسرائيل على أن جوهر أي اتفاق يجب أن يكون النووي أولاً، وأن يتضمن معالجة مباشرة لمخزون اليورانيوم والمنشآت وقدرات التخصيب. وبين هذين السقفين، تبدو الوساطة الباكستانية والقطرية أمام مهمة صعبة لإيجاد صيغة تمنع عودة الحرب المفتوحة.
وتزداد الضغوط على إدارة ترامب مع اقتراب زيارته المرتقبة إلى الصين، في ظل أزمة طاقة عالمية وارتفاع كلفة الوقود وتردد حلفاء واشنطن في المشاركة عسكرياً في إعادة فتح مضيق هرمز من دون تفويض دولي أو اتفاق سياسي يوقف الحرب. وتشير تقارير أميركية إلى أن المزاج الداخلي في الولايات المتحدة بات أكثر حساسية تجاه استمرار الحرب، خصوصاً مع انعكاساتها الاقتصادية على أسعار الوقود وسلاسل الإمداد.
وفي المحصلة، لا يبدو الرد الإيراني نهاية للمسار الدبلوماسي بقدر ما هو بداية مواجهة سياسية حول ترتيب الأولويات: هل يبدأ الاتفاق من وقف الحرب ورفع العقوبات وفتح هرمز، كما تريد طهران، أم من تفكيك التهديد النووي وضمان إخراج اليورانيوم عالي التخصيب، كما تطالب واشنطن وتل أبيب؟ وبينما يقول ترامب إن الرد “غير مقبول إطلاقاً”، تلوّح إيران بأن أي اتفاق لا يحترم ضماناتها الأمنية والاقتصادية لن يكون قابلاً للحياة.
وهكذا تقف المنطقة أمام لحظة شديدة الحساسية: فإما أن تنجح الوساطات في تحويل الرد الإيراني إلى مادة تفاوضية جديدة، أو يتحول الرفض الأميركي إلى مقدمة لجولة تصعيد أخرى، يكون مضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني وجبهات المنطقة كلها في قلبها.
