قدّم رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، خلال جلسة مغلقة للجنة الخارجية والأمن في الكنيست، تقديرات وُصفت في الإعلام الإسرائيلي بأنها من بين الأكثر قتامة منذ اندلاع الحرب متعددة الجبهات، محذرًا من أن الجيش يقترب من نقطة حرجة في أزمة القوى البشرية، وأن منظومة الاحتياط قد تواجه خطر “الانهيار الداخلي” إذا لم تُتخذ قرارات عاجلة بشأن التجنيد وتمديد الخدمة.
وبحسب ما أوردت قناة i24NEWS، قال زامير أمام أعضاء اللجنة إن الجيش الإسرائيلي سيخسر، اعتبارًا من كانون الثاني/ يناير 2027، آلاف المقاتلين الإضافيين بسبب تقصير فترة الخدمة الإلزامية إلى 30 شهرًا، محذرًا من أن ذلك سيضع ضغطًا غير قابل للاستمرار على وحدات الاحتياط. وأضاف أن الجيش لا يطرح صيغة سياسية محددة لقانون التجنيد، لكنه يطلب من المستوى السياسي تشريعًا يضمن توفير العدد الكافي من المقاتلين للمهام المتزايدة.
وتعكس هذه التصريحات عمق الأزمة التي يواجهها الجيش الإسرائيلي بعد سنوات من القتال على أكثر من جبهة، في غزة ولبنان وإيران والضفة الغربية، مقابل تراجع القدرة على تعويض النقص في الوحدات النظامية والقتالية. ووفق تقرير “يديعوت أحرونوت”، قال زامير إن الجيش “في الحد الأدنى” من حيث القوى البشرية، وإن القتال يخلّف أثمانًا ثقيلة من القتلى والجرحى والمصابين بصدمات المعارك، إضافة إلى استنزاف متواصل للجنود النظاميين والاحتياطيين.
وفي عرض موازٍ داخل الجلسة، حذّر العميد شاي طايب، رئيس شعبة التخطيط وإدارة القوى البشرية في الجيش، من أن عدم تمديد الخدمة سيُبقي مقاتلي الاحتياط أمام عبء سنوي كبير، يتراوح بين 80 و100 يوم خدمة في السنة، من أجل سد الفجوات العملياتية. وترى قيادة الجيش أن استمرار هذا النمط يهدد قدرة جنود الاحتياط على الصمود اجتماعيًا واقتصاديًا ونفسيًا خلال السنوات المقبلة.
وبحسب القناة 12 الإسرائيلية، شدد زامير على ضرورة الدفع الفوري بثلاثة مسارات تشريعية: قانون تجنيد جديد، وقانون ينظم خدمة الاحتياط، وتمديد الخدمة النظامية إلى ثلاث سنوات بصورة ثابتة. وقال إن منظومة الاحتياط “ستنهار داخل نفسها” إذا بقي العبء موزعًا بالطريقة الحالية، محذرًا من أن المقاتلين لن يتمكنوا من تحمّل الضغط في السنوات القادمة من دون تغيير جذري في بنية الخدمة وتوزيع الأعباء.
وتأتي تحذيرات زامير في قلب أزمة سياسية داخلية متفاقمة حول تجنيد الحريديم، إذ يحاول الائتلاف الحكومي الدفع بتشريعات تراعي مطالب الأحزاب الدينية، في وقت يطالب الجيش بزيادة فورية في أعداد المجندين. وتشير التقديرات الأمنية الإسرائيلية إلى وجود فجوات بآلاف الجنود داخل الوحدات القتالية، بينما تعتبر قيادة الجيش أن تجنيد الحريديم لم يعد مسألة “مساواة في العبء” فقط، بل “حاجة وجودية” للجيش الإسرائيلي.
وتجاوزت تصريحات زامير البعد المهني إلى رسائل ذات طابع سياسي واضح، إذ قال، وفق “يديعوت أحرونوت”، إنه لن يسمح بـ“تفكيك الجيش” أو إدخال السياسة إليه، محذرًا من أن الجيش “سيتفتت” إذا أصبح كل طرف يخدم فقط وفق شروطه الخاصة. كما رفض محاولات تقليص خدمة النساء في الجيش، معتبرًا أن النساء جزء أساسي من قوة الجيش وقدرته على تنفيذ مهامه.
وفي الجانب العملياتي، أبلغ زامير اللجنة أن الجيش لا يزال في حالة تأهب عالية وجاهزية فورية لمواصلة الحرب، بما في ذلك احتمال العودة إلى القتال ضد إيران “عندما يصبح ذلك ممكنًا”، بحسب ما نقلته “يديعوت أحرونوت”. وهذا الربط بين أزمة القوى البشرية واتساع الجبهات يعكس المعضلة الأساسية أمام المؤسسة العسكرية: جيش يواجه مهامًا أكبر، لكنه يعتمد على قاعدة بشرية آخذة في التآكل.
وسرعان ما تحولت تصريحات رئيس الأركان إلى مادة مواجهة سياسية داخل إسرائيل. فقد هاجم رئيس الأركان الأسبق ورئيس حزب “يشر”، غادي آيزنكوت، حكومة بنيامين نتنياهو، معتبرًا أنها تتهرب من المسؤولية وتفضّل الحسابات السياسية على أمن الدولة. وقال إن حكومة لا تطالب بالتجنيد للجميع في “ساعة مصيرية” لا تستحق الاستمرار يومًا إضافيًا في منصبها، داعيًا إلى ائتلاف “صهيوني وطني” يفرض التجنيد على الجميع ويؤسس لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات الحرب.
وتعيد الأزمة الحالية إلى الواجهة ملف قانون التجنيد الذي يثير انقسامًا حادًا بين الجيش والمعارضة من جهة، والأحزاب الحريدية وشركائها في الائتلاف من جهة أخرى. ففي حين ترى المؤسسة العسكرية أن النقص في المقاتلين بات خطرًا مباشرًا على قدرة الجيش على العمل، تعتبر الأحزاب الدينية أن أي قانون يتضمن عقوبات أو تجنيدًا واسعًا للحريديم يمسّ نمط حياتهم ومؤسساتهم الدينية.
وتزيد قرارات المحكمة العليا الإسرائيلية بشأن تجنيد الحريديم من الضغط على الحكومة، بعدما طالبت التماسات سابقة بوقف الامتيازات والدعم عن مؤسسات دينية يستفيد منها متهربون من الخدمة. وتُظهر هذه المسألة أن أزمة الجيش لم تعد عسكرية فقط، بل باتت اختبارًا لطبيعة العقد الاجتماعي الإسرائيلي، ولقدرة الحكومة على فرض توزيع متساوٍ للأعباء في زمن الحرب.
وتشير قراءة المشهد الإسرائيلي إلى أن تحذير زامير لا يتعلق فقط بعدد الجنود، بل بمستقبل نموذج “جيش الشعب” نفسه. فاستنزاف الاحتياط، وتزايد أعداد المعفيين أو غير المجندين، وتعدد الجبهات المفتوحة، وتآكل الثقة بين الجيش والمستوى السياسي، كلها عوامل تدفع المؤسسة العسكرية إلى إطلاق إنذار علني وغير مسبوق.
وفي المحصلة، تبدو إسرائيل أمام أزمة مركبة: جيش يطلب آلاف الجنود فورًا، واحتياط يقترب من حد الإنهاك، وحكومة مقيدة بحسابات ائتلافية، ومعارضة تتهمها بتقديم بقاء الائتلاف على الأمن. وبينما يحذر زامير من انهيار داخلي في منظومة الاحتياط، يتضح أن معركة قانون التجنيد قد تتحول إلى واحدة من أكثر المعارك السياسية حساسية في إسرائيل خلال الأشهر المقبلة.
