أرجأ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مناقشة مشروع قانون يهدف إلى إلغاء اتفاقيات أوسلو الموقعة مع منظمة التحرير الفلسطينية، في خطوة كشفت حجم التوتر داخل اليمين الإسرائيلي بين الرغبة في دفن الاتفاق رسميًا، والحسابات السياسية والدولية التي تدفع نتنياهو إلى التريث وعدم الذهاب سريعًا نحو مواجهة مفتوحة حول أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة مع الفلسطينيين.
وجاء مشروع القانون بمبادرة من عضو الكنيست ليمور سون هار ميليخ، نائبة رئيس الكنيست وعضو حزب “عوتسما يهوديت” الذي يتزعمه إيتمار بن غفير، ويدعو إلى إلغاء اتفاقيات أوسلو، واتفاق الخليل، واتفاق “واي ريفر”، باعتبارها، وفق خطاب اليمين المتطرف، اتفاقات “جلبت الإرهاب بدل السلام”. وكان من المقرر أن تبحث اللجنة الوزارية الإسرائيلية لشؤون التشريع المشروع، قبل أن يُطلب تأجيل مناقشته.
ويقرأ الوزير الفلسطيني السابق والخبير في الشؤون الإسرائيلية سفيان أبو زايدة التأجيل على أنه قرار سياسي من نتنياهو لتفادي الكلفة المباشرة لمثل هذه الخطوة، لا تعبيرًا عن تمسك حقيقي باتفاقيات أوسلو. وقال إن إسرائيل، عمليًا، لم تُبقِ من أوسلو إلا “القليل الذي يخدم مصالحها”، بينما تجاوزت في الميدان معظم الالتزامات المتعلقة بالانسحابات، وتصنيفات المناطق، وحدود صلاحيات السلطة الفلسطينية.
وبحسب أبو زايدة، فإن اليمين الإسرائيلي حاول منذ توقيع الاتفاق تعطيله وإفراغه من مضمونه، سواء عبر العنف الاستيطاني أو عبر مشاريع قوانين ومبادرات سياسية متكررة داخل الكنيست. وأشار إلى أن مجزرة الحرم الإبراهيمي عام 1994، التي نفذها المستوطن باروخ غولدشتاين، كانت من أوائل المحاولات الدموية لتخريب أوسلو قبل أن تتبلور المعارضة السياسية المنظمة للاتفاق داخل إسرائيل.
ويرى أبو زايدة في حديث تلفزيوني تابعته "وكالة قدس نت للأنباء" أن الجديد في هذه المحاولة لا يتمثل فقط في طرح القانون، بل في وجود أغلبية يمينية يمكنها، نظريًا، تمرير المشروع إذا أراد نتنياهو ذلك. فحزب “عوتسما يهوديت” يقف خلف المبادرة، لكن جزءًا واسعًا من الليكود، وفق تقديره، لم يعد يختلف كثيرًا عن خطاب بن غفير في الموقف من الفلسطينيين وأوسلو والضفة الغربية.
مع ذلك، يرجّح أبو زايدة أن نتنياهو لا يريد في هذه المرحلة تحويل الرغبة اليمينية إلى قانون نافذ، لأن إلغاء أوسلو رسميًا سيستدعي ردود فعل سياسية ودبلوماسية، خصوصًا من الولايات المتحدة وأطراف دولية لا تزال تتعامل مع الاتفاق بوصفه الإطار القانوني والسياسي للعلاقة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. وتشير تقارير إسرائيلية إلى أن التأجيل جرى بطلب من نتنياهو نفسه، رغم أن المشروع يحظى بدفع من اليمين المتطرف داخل الائتلاف.
ويرى مراقبون أن مشروع القانون يحمل بعدًا رمزيًا وسياسيًا يتجاوز نصه القانوني؛ فإسرائيل، وفق هذا الطرح، تسعى إلى تثبيت واقع تجاوز أوسلو فعليًا، خصوصًا في الضفة الغربية، حيث تستمر السيطرة الأمنية الواسعة، والاقتحامات، وتوسيع المستوطنات، وفرض قيود على الحركة، مقابل بقاء السلطة الفلسطينية في موقع إدارة الشؤون المدنية للسكان من دون سيادة فعلية.
ويقول أبو زايدة إن اتفاقيات أوسلو كانت في الأصل اتفاقات انتقالية يفترض أن تقود إلى تسوية دائمة خلال خمس سنوات، أي بحلول عام 1999، لكنها تحولت مع الوقت إلى إطار مؤقت دائم، ثم إلى اتفاق متآكل احتفظت إسرائيل بما يفيدها منه، وتخلت عن البنود التي تقيّد حركتها في الضفة وغزة والقدس.
ومن زاوية داخلية إسرائيلية، يربط أبو زايدة طرح القانون بالمرحلة السياسية التي تعيشها حكومة نتنياهو، معتبرًا أن اليمين المتطرف يتصرف وكأنه “يلعب في الوقت الضائع”، ويحاول تمرير أكبر عدد من القوانين والإجراءات التي تخدمه انتخابيًا، خصوصًا مع تصاعد الحديث عن انتخابات مبكرة خلال الأشهر المقبلة. وفي هذا السياق، يصبح طرح إلغاء أوسلو أداة لتعبئة جمهور اليمين، حتى لو لم يذهب نتنياهو إلى تمريره نهائيًا.
أما فلسطينيًا، فإن خطورة المشروع لا تكمن فقط في احتمال إقراره، بل في أنه يكشف نية سياسية متراكمة لتصفية ما تبقى من مرجعية تفاوضية. فإذا أُقر القانون مستقبلًا، فسيعني ذلك إعلانًا إسرائيليًا رسميًا بأن مرحلة أوسلو انتهت، بما قد يفتح الباب أمام خطوات أوسع في الضفة الغربية، من ضم زاحف للمناطق المصنفة “ج”، إلى شرعنة بؤر استيطانية، وتكريس الفصل بين الضفة وقطاع غزة.
وفي المقابل، يرى أبو زايدة أن إسرائيل حققت خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا في ظل الحكومة الحالية، ما هو أبعد من إلغاء أوسلو نصيًا، من خلال التوسع الاستيطاني ونهب الأراضي وتعزيز السيطرة العسكرية في الضفة الغربية. ولذلك فإن إلغاء الاتفاق رسميًا، إن حدث، سيكون أقرب إلى إعلان سياسي عن واقع قائم، لا بداية لتحول جديد.
وتبقى المفارقة أن اتفاق أوسلو، الذي وُقّع عام 1993 باعتباره بوابة إلى تسوية سياسية ومرحلة انتقالية نحو الحل النهائي، صار بعد أكثر من ثلاثة عقود موضوعًا لمشروع قانون إسرائيلي يسعى إلى دفنه رسميًا. وبين تأجيل نتنياهو للمناقشة ورغبة اليمين في الإلغاء، يظهر أن الصراع لم يعد فقط حول مستقبل الاتفاق، بل حول شكل السيطرة الإسرائيلية على الفلسطينيين بعد انتهاء مفعول التسوية عمليًا.
