غزة بين خروقات وقف إطلاق النار وخطر انهيار الاتفاق: شهداء وجرحى وتحذيرات من مجاعة شاملة وسط دفع إسرائيلي لتقليص المساعدات

ودّع الفلسطينيون جثمان محمد عنابة في خان يونس جنوب قطاع غزة في 11 مايو/أيار 2026، بعد استشهاده في غارة جوية إسرائيلية شرق المدينة. صورة: طارق محمد

تواصلت، يوم الإثنين 11 مايو/أيار 2026، خروقات قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، عبر القصف وإطلاق النار وعمليات الاستهداف الميداني، ما أسفر عن استشهاد فلسطينيين اثنين وإصابة آخرين، بالتزامن مع انتشال جثماني شهيدين من منطقة “نتساريم” جنوبي مدينة غزة، في وقت تتفاقم فيه الأزمة الإنسانية بفعل الحصار وإغلاق المعابر والقيود المفروضة على دخول المساعدات. وتفيد تقارير فلسطينية بأن هجمات اليوم شملت حي الزيتون جنوب شرقي مدينة غزة، وشرق خان يونس، وبيت لاهيا شمال القطاع، إضافة إلى اعتقال ستة صيادين قبالة شاطئ مدينة غزة.

وحسب التقارير، استشهد محمد خضر طوطح برصاص قوات الاحتلال في حي الزيتون جنوب شرقي مدينة غزة، فيما استشهد محمد عناية قرب دوار بني سهيلا شرق مدينة خان يونس جنوبي القطاع، وتم انتشال جثماني الشهيدين منير عيد محمد الجطلي  وعلاء ابراهيم سليم عياد من منطقة “نتساريم”. كما أصيب عدد من المواطنين إثر إلقاء طائرة إسرائيلية مسيّرة من نوع “كواد كابتر” قنبلة على مجموعة من الفلسطينيين في شارع فتوح شرقي حي الزيتون، بينما أصيب شاب برصاص قوات الاحتلال قرب مفترق السامر بمدينة غزة.

وفي شمال القطاع، أصيب ستة فلسطينيين، بينهم أم وطفلها، جراء قصف مدفعي استهدف منطقة تل الذهب في بلدة بيت لاهيا، فيما أصيب طفل آخر برصاص قوات الاحتلال في البلدة ذاتها. وتزامنت هذه الهجمات مع إطلاق نار كثيف من الدبابات والآليات الإسرائيلية باتجاه المناطق الشرقية من قطاع غزة، ولا سيما شرق مدينة خان يونس، إضافة إلى قصف مدفعي طال مناطق قريبة من خطوط التماس.

وفي البحر، اعتقلت قوات الاحتلال ستة صيادين أثناء عملهم قبالة شاطئ مدينة غزة  وهم: معتز فتحي الدبجي، مازن فتحي الدبجي، سليمان أبو شلوف ، سعيد عادل أبو رياله، معاذ سعيد أبو رياله، براء سعيد أبو رياله، وذلك في استمرار للاستهداف المتكرر للصيادين، رغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025. وتؤكد مصادر فلسطينية أن الاحتلال يواصل فرض قيود مشددة على حركة الصيد والتنقل والبضائع والمساعدات، بالتوازي مع عمليات نسف وتدمير داخل ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”.

وتأتي هذه التطورات بينما تشير بيانات وزارة الصحة في غزة إلى ارتفاع عدد الشهداء منذ بدء سريان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي إلى 854 شهيداً، إضافة إلى 2453 إصابة، فضلاً عن تسجيل 770 حالة انتشال. كما بلغت الحصيلة الإجمالية لضحايا الحرب الإسرائيلية على غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 نحو 72,740 شهيداً و172,555 إصابة.

إنسانياً، حذّر المكتب الإعلامي الحكومي في غزة من أن القطاع يعيش “كارثة إنسانية شاملة وغير مسبوقة”، نتيجة استمرار الحصار والإغلاق شبه الكامل للمعابر. وقال مدير عام المكتب، إسماعيل الثوابتة، إن أكثر من 2.4 مليون فلسطيني يُحرمون من الغذاء والدواء والمياه والوقود والخدمات الأساسية، معتبراً أن استمرار منع دخول الإمدادات الإنسانية يشكل “عقاباً جماعياً” وسياسة تجويع بحق المدنيين.

في المقابل، يدفع الجيش الإسرائيلي والمؤسسة الأمنية في إسرائيل، وفق تقارير إسرائيلية، نحو تقليص حجم المساعدات الإنسانية التي تدخل إلى قطاع غزة بشكل كبير، بزعم أن “التصور الذي ساد في الأيام الأولى للحرب لم يعد ذا صلة”، وأنه “لا يوجد اليوم نقص حقيقي في القطاع يبرر دخول نحو 600 شاحنة يومياً”. كما نقلت تلك التقارير عن مصادر أمنية إسرائيلية ادعاءها أن جزءاً كبيراً من المساعدات يصل إلى حركة حماس أو يُستخدم لتعزيز نفوذها الاقتصادي والإداري.

وتزعم المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، بحسب هذه التقارير، أن حماس تفرض ضرائب على التجار في غزة بنسب تتراوح بين 15 و30 في المئة، وأن المساعدات تحولت إلى “محرك اقتصادي” يعزز قدرة الحركة على إعادة ترسيخ سيطرتها داخل القطاع. غير أن لجنة الطوارئ الحكومية في غزة نفت استغلال المساعدات لتحقيق مكاسب شخصية أو فئوية، مؤكدة أنها تتابع دخول الشاحنات الإنسانية والتجارية عبر الجهات المختصة، وتتعامل مع أي مخالفات أو مواد مهربة وفق الإجراءات القانونية.

سياسياً، لا تزال الجهود المبذولة للانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار تراوح مكانها، في ظل خلاف جوهري حول ملف “سلاح المقاومة”. ولم تسفر زيارة الممثل السامي لـ”مجلس السلام” نيكولاي ملادينوف إلى تل أبيب عن تقدم ملموس، وفق مصادر فلسطينية، بينما تقول إسرائيل إن حماس تنتهك الاتفاق وترفض الالتزام بشرط نزع السلاح. وكانت خطة ترامب الخاصة بغزة قد تضمنت إنشاء “مجلس سلام” لإدارة المرحلة الانتقالية، إلى جانب ترتيبات تتعلق بالانسحاب الإسرائيلي ونزع السلاح وإعادة الإعمار.

وبحسب تقرير للقناة 12 الإسرائيلية، فإن ملادينوف يقترب من إعلان قد يفيد بأن إسرائيل لم تعد ملزمة باتفاق وقف إطلاق النار، في ظل مزاعم إسرائيلية بأن حماس تنتهكه “بشكل فاضح”. غير أن التقرير أشار أيضاً إلى أن الدول الوسيطة تمارس ضغوطاً لمنع انهيار الاتفاق وإيجاد صيغة تسوية تحول دون العودة إلى مواجهة واسعة.

من جهتها، حمّلت حركة حماس إسرائيل مسؤولية التصعيد، معتبرة أن استمرار استهداف المنظومة الشرطية في قطاع غزة يهدف إلى إدامة الفوضى وإعاقة جهود التعافي وإعادة مظاهر الحياة الطبيعية. وطالبت الحركة الوسطاء والضامنين بالضغط على إسرائيل لوقف هجماتها اليومية، مؤكدة أن ملف سلاح المقاومة “شأن داخلي” لا يمكن بحثه إلا ضمن اتفاق شامل ينهي معاناة الشعب الفلسطيني والاحتلال.

وتحذر مؤسسات حقوقية فلسطينية من خطورة التغييرات الميدانية التي تفرضها إسرائيل داخل قطاع غزة، سواء عبر توسيع “الخط الأصفر” أو الحديث عن “خط برتقالي” يستحوذ على مساحات واسعة من القطاع. وترى هذه المؤسسات أن مثل هذه الإجراءات تمثل محاولة لفرض واقع جغرافي وديمغرافي جديد، وتكرّس عزل المناطق وتقييد حركة المدنيين، بما يهدد بتقويض أي تفاهمات مستقبلية ويفتح الباب أمام مزيد من التدهور الإنساني.

وبين الخروقات الميدانية، وتعثر المسار السياسي، وتفاقم الأزمة الإنسانية، تبدو غزة أمام مرحلة شديدة الحساسية؛ إذ يهدد استمرار القصف والحصار وتقليص المساعدات بانهيار الاتفاق الهش، في وقت يحتاج فيه السكان إلى فتح المعابر بشكل عاجل، وضمان تدفق الغذاء والدواء والوقود، وتثبيت وقف إطلاق النار كمدخل لأي ترتيبات سياسية أو إنسانية لاحقة.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - قطاع غزة