محادثات لبنان وإسرائيل في واشنطن تنهي يومها الأول “بإيجابية” وسط تصعيد ميداني واسع ورفض من حزب الله

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومستشار وزارة الخارجية مايكل نيدهام والمندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى خلال محادثات السلام في واشنطن (د.ب.أ)

انتهت، مساء الخميس 14 أيار/مايو 2026، اجتماعات اليوم الأول من الجولة الجديدة من المحادثات بين لبنان وإسرائيل في العاصمة الأميركية واشنطن، برعاية الولايات المتحدة، وسط أجواء وصفتها الخارجية الأميركية بأنها “مثمرة وإيجابية”، في وقت تواصل فيه التصعيد العسكري على الجبهة اللبنانية، بالتزامن مع اقتراب وقف إطلاق النار الهش من نهايته.

وقال مسؤول رفيع في وزارة الخارجية الأميركية لقناة "الجزيرة" إن وفدي لبنان وإسرائيل أمضيا “يوماً من المحادثات المثمرة والإيجابية”، موضحاً أن النقاشات بدأت قرابة التاسعة صباحاً بتوقيت واشنطن واستمرت حتى الخامسة مساءً، على أن تُستكمل الجمعة كما هو مقرر.

وتأتي هذه الجولة، التي تستمر يومين في مقر وزارة الخارجية الأميركية، في إطار مساعٍ تقودها واشنطن لتمديد وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، وبحث مستقبل الترتيبات الأمنية والعلاقة بين الجانبين، اللذين لا يزالان في حالة حرب رسمية منذ عام 1948.

وسبقت هذه الجولة جولتان من المحادثات في واشنطن، عُقدت الأولى في 14 نيسان/أبريل، والثانية في 23 من الشهر ذاته داخل البيت الأبيض، حيث أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب حينها تمديد وقف إطلاق النار ثلاثة أسابيع، معرباً عن تفاؤله بإمكان التوصل إلى اتفاق تاريخي.

وكان ترامب قد تحدث، في حينه، عن احتمال استقبال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس اللبناني جوزاف عون في واشنطن خلال فترة التهدئة، لعقد قمة هي الأولى من نوعها بين الجانبين، غير أن هذه القمة لم تُعقد بسبب تمسك بيروت بوقف الهجمات الإسرائيلية والتوصل إلى اتفاق أمني قبل أي لقاء سياسي من هذا المستوى.

ويقود الوفد اللبناني في المحادثات السفير السابق لدى واشنطن سيمون كرم، الذي عيّنه الرئيس اللبناني الشهر الماضي رئيساً للوفد المفاوض، وهو محامٍ ودبلوماسي مخضرم يُعرف بدفاعه عن سيادة لبنان. أما الوفد الإسرائيلي فيقوده سفير إسرائيل في واشنطن يحيئيل لايتر، الحليف القديم لنتنياهو والمرتبط بعلاقات وثيقة مع حركة المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة.

وعن الجانب الأميركي، يشارك في الوساطة سفيرا الولايات المتحدة في إسرائيل ولبنان، مايك هاكابي وميشال عيسى، إلى جانب مايك نيدهام، المساعد المقرب من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. ولا يشارك ترامب، الموجود في زيارة إلى الصين، ولا وزير خارجيته، في هذه الجولة من المحادثات.

ميدانياً، تزامنت المحادثات مع تصعيد إسرائيلي واسع في لبنان. فقد جددت إسرائيل، الخميس، غاراتها على جنوب وشرق لبنان بعد توجيه إنذارات بإخلاء عدد من البلدات، معلنة أنها تستهدف ما تسميه “بنى تحتية تابعة لحزب الله”.

ووفق رصد استند إلى بيانات الوكالة الوطنية للإعلام في لبنان، شنت إسرائيل خلال الخميس 92 هجوماً على لبنان، شملت غارات جوية وقصفاً مدفعياً ودبابات وعمليات تمشيط بالأسلحة الرشاشة، ما أسفر عن مقتل 3 أشخاص وإصابة 17 آخرين، بينهم مسعفان.

وشملت الهجمات بلدات في أقضية صور وصيدا وبنت جبيل والنبطية ومرجعيون وحاصبيا، كما سُجل قصف بالقذائف الفوسفورية استهدف حرج علي الطاهر على أطراف بلدة النبطية الفوقا، إضافة إلى تفجير منازل وبنى تحتية في بلدة الخيام، وتحليق طائرات مسيرة فوق بيروت وضواحيها.

وجاءت هذه الغارات بعد يوم دامٍ آخر، الأربعاء، قتل خلاله الجيش الإسرائيلي ما لا يقل عن 30 شخصاً جراء 79 هجوماً على لبنان، في خروقات جديدة للهدنة المعلنة منذ 17 نيسان/أبريل، والمقررة حتى 17 أيار/مايو الجاري.

وفي المقابل، أعلن حزب الله، الخميس، تنفيذ 13 عملية عسكرية ضد أهداف إسرائيلية في جنوب لبنان، قال إنها جاءت “دفاعاً عن لبنان وشعبه، ورداً على خرق العدو الإسرائيلي لوقف إطلاق النار واعتداءاته على قرى الجنوب اللبناني”.

وقال الحزب إنه استهدف بصواريخ ومسيّرات انقضاضية ثلاث دبابات ميركافا في كفركلا والبياضة والطيبة، ومدرعة هامر في طيرحرفا، إضافة إلى تجمعات لجنود وآليات إسرائيلية في البياضة ورشاف ودير سريان ورأس الناقورة، وموقع بلاط العسكري، ومرابض مدفعية في العديسة.

كما دوت صفارات الإنذار مساء الخميس في مستوطنات شمال إسرائيل، بينها كريات شمونة والمطلة وكفار جلعادي وبيت هليل، إثر إطلاق صواريخ من لبنان. وذكرت القناة 12 الإسرائيلية أن الدفاعات الجوية اعترضت ثلاثة صواريخ، بينما سقطت ثلاثة أخرى في مناطق مفتوحة، دون الإبلاغ فوراً عن إصابات أو أضرار.

وفي السياق السياسي، أعلن حزب الله رفضه للمفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، مؤكداً أن سلاحه ليس جزءاً من أي عملية تفاوضية. وقال النائب في الحزب علي عمار إن الحزب ضد المفاوضات المباشرة التي تجريها السلطة مع “العدو الإسرائيلي”، لأنها تمنحه، وفق تعبيره، “اعترافاً وتنازلاً مجانياً”.

كما اتهمت كتلة “الوفاء للمقاومة” التابعة لحزب الله، في بيان، إسرائيل “باستغلال جلسات التفاوض” لتوسيع احتلالها واعتداءاتها، معتبرة أن السلطة اللبنانية “تقدم التنازل تلو الآخر من دون أن تحصل حتى على وقف لإطلاق النار”. ودعت الكتلة السلطات اللبنانية إلى الخروج من هذا المسار السياسي والعودة إلى تعزيز الوحدة الداخلية والتفاهمات الوطنية.

وتضغط الولايات المتحدة وإسرائيل على لبنان لنزع سلاح حزب الله، فيما تؤكد واشنطن أن “السلام الشامل” مشروط باستعادة الدولة اللبنانية سلطتها الكاملة ونزع سلاح الحزب بشكل كامل. في المقابل، يشدد لبنان على أولوية وقف الهجمات الإسرائيلية وترسيخ وقف إطلاق النار وإنهاء “الموت والدمار”، بحسب ما نقل مسؤول لبناني مطلع.

ومنذ 2 آذار/مارس 2026، تشن إسرائيل عدواناً موسعاً على لبنان، أسفر، وفق معطيات رسمية لبنانية، عن مقتل 2896 شخصاً وإصابة 8824 آخرين، إضافة إلى نزوح أكثر من مليون شخص.

ورغم سريان وقف إطلاق النار منذ 17 نيسان/أبريل، تواصل إسرائيل تنفيذ هجمات متصاعدة، مستندة إلى بند في الاتفاق تقول إنه يتيح لها اتخاذ ما تصفه بـ“الإجراءات اللازمة للدفاع عن النفس” ضد أي هجمات مخطط لها أو وشيكة أو جارية.

وتعكس محادثات واشنطن، في يومها الأول، مفارقة واضحة بين خطاب دبلوماسي أميركي يتحدث عن “إيجابية” في قاعة التفاوض، وتصعيد ميداني متواصل على الأرض، حيث تتداخل حسابات وقف إطلاق النار والسيادة اللبنانية وسلاح حزب الله والضمانات الأمنية الإسرائيلية، في مسار تفاوضي لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - وكالات