الضفة تحت ضغط النار والاستيطان… استشهاد في بيت أولا وتصعيد ميداني يكرّس معركة السيطرة على الأرض

في 18 مايو/أيار 2026، جرافات إسرائيلية تهدم مبنى سكني فلسطيني قيد الإنشاء في بلدة الولجة، غرب بيت لحم في الضفة الغربية المحتلة.(صورة: مأمون وزواز)

شهدت الضفة الغربية، يوم الاثنين 18 مايو/أيار 2026، يوماً جديداً من التصعيد الميداني والسياسي، تداخلت فيه اعتداءات قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي والمستعمرين مع عمليات هدم وإخطارات وحرائق واقتحامات، في مشهد يعكس اتساع الضغط على القرى والبلدات الفلسطينية، خصوصاً في الخليل ورام الله ونابلس وبيت لحم والقدس.

وفي محافظة الخليل، أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية استشهاد الشاب محمود زياد العملة، البالغ من العمر 32 عاماً، متأثراً بإصابته الحرجة برصاص قوات الاحتلال صباح الأحد في بلدة بيت أولا شمال الخليل، قرب جدار الفصل والتوسع المقام على أراضي المواطنين غرب البلدة.

الشاب محمود زياد محمود العملة.jpg


وشيّعت جماهير غفيرة جثمان الشهيد العملة في مسقط رأسه ببيت أولا، بعد انطلاق موكب التشييع من المستشفى الأهلي في الخليل إلى منزل عائلته، حيث أُلقيت عليه نظرة الوداع الأخيرة، قبل الصلاة عليه ومواراته الثرى في مقبرة البلدة. وردد المشاركون هتافات منددة بجرائم الاحتلال، في وقت خيّم الحزن على عائلته، إذ كان الشهيد متزوجاً وأباً لأربعة أطفال.

وتزامن استشهاد العملة مع تصعيد لافت في اعتداءات المستعمرين جنوب الخليل، حيث أحرق مستعمرون، تحت حماية جنود الاحتلال، حظيرة أغنام وفرن طابون في منطقة واد الرخيم، مستخدمين الزجاجات الحارقة، ما أدى إلى إصابة صاحب المكان رياض يوسف شناران بحروق في يده أثناء محاولته إخماد النيران.

وفي بلدة الكرمل جنوب الخليل، أضرم مستعمرون النار في أراضي المواطنين بمنطقة «أم نير»، قبل أن يعمل متطوعو الدفاع المدني في التوانة وسوسيا على إخماد الحريق. وفي بادية يطا، سلّمت سلطات الاحتلال أهالي قرية أم قصة 15 إخطاراً بوقف العمل في منازل ومساكن ومنشآت، في خطوة تزيد مخاوف السكان من موجة هدم جديدة تستهدف التجمعات الريفية والبدوية.

أما في رام الله، فقد امتدت الاعتداءات إلى قرية المغير شمال شرق المحافظة، حيث أحرق مستعمرون أراضي زراعية في السهل الشرقي، فيما اقتحمت قوات الاحتلال المنطقة لتأمين الحماية للمستعمرين ومنعت المواطنين من الاقتراب، وأطلقت الرصاص الحي باتجاههم. كما اقتحم مستعمرون محيط منازل في الجهة الشرقية من القرية، بالتزامن مع اقتحام قوات الاحتلال للمدخل الشرقي وإطلاق النار باتجاه المنازل.

مستعمرون يحرقون أراضي زراعية في قرية المغير.JPG


 

وفي بلدة الطيبة شرق رام الله، قطع مستعمرون أشجار زيتون، واقتحموا تجمع أبو فزاع الكعابنة، حيث ضايقوا الأطفال وخوّفوهم أثناء توجههم إلى المدرسة. وتأتي هذه الاعتداءات ضمن نمط واسع من استهداف الأرض الزراعية، إذ أفادت تقارير محلية بأن اعتداءات المستعمرين تسببت خلال نيسان/أبريل الماضي في اقتلاع وتخريب وتسميم 4414 شجرة زيتون في محافظات عدة، بينها الخليل ورام الله ونابلس والقدس وبيت لحم.

وفي نابلس، سرق مستعمرون مركبة قرب بلدة عصيرة الشمالية، تعود للمواطن محمد مصطفى أبو طالب، على الطريق الواصل بين عصيرة الشمالية وياصيد. كما نصب مستعمرون «كرفانات» إضافية في منطقة «قماص» الواقعة بين قرية أوصرين وبلدة بيتا جنوب نابلس، وهي منطقة تحولت خلال الفترة الأخيرة إلى بؤرة استعمارية تشهد اعتداءات متكررة.

وفي القدس، اقتحم 263 مستعمراً باحات المسجد الأقصى المبارك من جهة باب المغاربة، وأدوا طقوساً تلمودية واستفزازية تحت حماية شرطة الاحتلال، في استمرار لسياسة الاقتحامات اليومية التي تحمل أبعاداً سياسية ودينية في واحد من أكثر الملفات حساسية في الصراع.

وفي بيت لحم، أخطرت قوات الاحتلال بالهدم ووقف البناء والعمل في 15 منزلاً، بينها منازل مأهولة، في بلدة تقوع جنوب شرق المحافظة، بعد اقتحام حي الحلقوم غرب البلدة. وتضمنت الإخطارات مهلة أسبوع للتنفيذ، رغم أن المنازل أُخطرت سابقاً، وفق ما أفاد رئيس بلدية تقوع.

كما اقتحمت قوات الاحتلال قرية الولجة شمال غرب بيت لحم، وشرعت جرافاتها بشق طرق وهدم سلاسل حجرية في منطقة خلة الحصين الجبلية، قبل أن تهدم طابقاً أرضياً لمبنى سكني قيد الإنشاء يعود للمواطن أحمد نصر أبو التين. وتندرج هذه الإجراءات، وفق قراءة ميدانية، في سياق توسيع السيطرة على المناطق الجبلية والمحيطة بالتجمعات السكانية الفلسطينية.

وعلى صعيد الاقتحامات والاعتقالات، اعتقلت قوات الاحتلال أربعة مواطنين من محافظة الخليل، بينهم طفل من مخيم العروب، بعد تفتيش منازلهم والعبث بمحتوياتها والاعتداء عليهم. كما اعتقلت مواطناً من مدينة نابلس بعد اقتحامها من جهة حاجز الطور، في حين اقتحمت قوات الاحتلال زعترة وتقوع في بيت لحم، ومخيم قدورة في رام الله، وقرى المغير وأبو فلاح ومحيط مخيم الجلزون، إضافة إلى بلدة يعبد وقرية كفر قود في جنين.

سياسياً، لا تبدو هذه الوقائع منفصلة عن سياق أوسع من إعادة تشكيل الجغرافيا في الضفة الغربية بالقوة. فالاعتداء على الأفراد، وحرق الأراضي، وقطع أشجار الزيتون، ونصب «الكرفانات»، وإخطارات الهدم، والاقتحامات العسكرية، كلها أدوات تتكامل على الأرض لإضعاف الوجود الفلسطيني في المناطق المصنفة هدفاً للتوسع الاستعماري.

ووفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، نفذت قوات الاحتلال والمستعمرون 1637 اعتداء خلال شهر نيسان/أبريل الماضي، منها 1097 اعتداء نفذها جيش الاحتلال و540 اعتداء نفذها المستعمرون، في مؤشر على تصاعد منظم للعنف الميداني ضد الفلسطينيين وأراضيهم وممتلكاتهم.

وتعزز تقارير أممية هذه الصورة، إذ يقول مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إن الوضع الإنساني في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، يواصل التدهور وسط تصاعد عنف المستعمرين، واستمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، والقيود المفروضة على التخطيط والحركة والوصول إلى الخدمات.

وبين استشهاد محمود العملة في بيت أولا، وحرائق الأراضي في الخليل ورام الله، وإخطارات الهدم في بيت لحم، واقتحام الأقصى، تبدو الضفة الغربية أمام مرحلة أكثر خطورة، عنوانها السياسي الأبرز: تصعيد ميداني واسع يهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، ودفع الفلسطينيين إلى مواجهة يومية لا تستهدف أمنهم فقط، بل أرضهم وسكنهم ومصادر رزقهم وحقهم في البقاء.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - الضفة الغربية/القدس (محافظات)