تفاصيل محاولة قتل رئيس مجلس جديدة المكر ونائبه

من مكان الجريمة في جديدة المكر، بعد منتصف الليل.jpg

 اعتقال مشتبهين وإضراب احتجاجي وسط اتهامات للشرطة بالتقاعس.. الشاباك "يرفض" التحقيق

شهدت بلدة جديدة المكر داخل مناطق الخط الأخضر، تطورات متلاحقة في أعقاب جريمة إطلاق النار التي استهدفت رئيس المجلس المحلي سهيل ملحم ونائبه عبيد عبيد، بعد منتصف الليلة السابقة، وأسفرت عن إصابتهما بجروح وُصفت بالخطيرة والمتوسطة، في حادثة أثارت موجة غضب واسعة داخل المجتمع العربي في الداخل الفلسطيني.

وأعلنت الشرطة الإسرائيلية، مساء الاثنين 18 مايو/أيار 2026، اعتقال مشتبه ثانٍ بالضلوع في محاولة القتل، وهو شاب يبلغ من العمر 18 عاماً من سكان جديدة المكر، وذلك بعد ساعات من اعتقال مشتبه أول يبلغ من العمر 25 عاماً، مددت محكمة الصلح في حيفا اعتقاله حتى 20 مايو/أيار 2026. وقالت الشرطة إن التحقيق ما زال جارياً، وإنه من المتوقع تنفيذ اعتقالات إضافية لاحقاً.

سهيل ملحم.jpg
 

ووقعت الجريمة قرابة الساعة الثانية عشرة والنصف بعد منتصف ليل الأحد – الاثنين، عندما كان ملحم وعبيد يغادران قاعة أفراح في البلدة باتجاه مركبتهما. وبحسب التفاصيل المتداولة، خرج مسلح ملثم يستقل دراجة أو “سكوتر” من أحد الأزقة، وأطلق النار من مسافة قريبة باتجاههما، ما أدى إلى إصابة رئيس المجلس بجروح خطيرة، وإصابة نائبه بجروح متوسطة.

وقدمت طواقم مؤسسة “حيان” العلاج الأولي للمصابين في المكان، قبل نقلهما إلى المركز الطبي للجليل في نهريا لاستكمال العلاج. وبعد خضوع رئيس المجلس سهيل ملحم لعملية جراحية مستعجلة، وُصفت حالته بالخطيرة المستقرة، فيما وُصفت حالة نائبه عبيد عبيد بالمتوسطة المستقرة.

عبيد عبيد.jpg


 

وفي أول تعليق له بعد الحادثة، قال نائب رئيس المجلس عبيد عبيد إنه لم يكن يتوقع التعرض لإطلاق نار بعد خروجه من حفل زفاف، متمنياً الشفاء العاجل لرئيس المجلس سهيل ملحم، الذي وصف حالته بأنها الأصعب. وأضاف أنه انتقل من مجال الهندسة إلى العمل في المجلس المحلي بهدف خدمة الأهالي، مؤكداً أن أبواب السلطة المحلية كانت مفتوحة للجميع، وداعياً إلى وقف أعمال العنف.

وتحولت محاولة القتل إلى قضية رأي عام داخل المجتمع العربي، ليس فقط بسبب استهداف شخصية منتخبة، بل لأنها جاءت ضمن سلسلة اعتداءات متكررة طالت رؤساء سلطات محلية ومنتخبين ومباني مجالس وبلديات خلال السنوات الأخيرة. وتشير المعطيات المحلية إلى أن منزل رئيس مجلس جديدة المكر سهيل ملحم تعرض في السابق لأكثر من حادثة إطلاق نار، على خلفيات رُبطت بخلافات ومناقصات تتعلق بالمجلس المحلي.

وعلى خلفية الجريمة، عقدت إدارة مجلس جديدة المكر جلسة طارئة، أعلنت في ختامها إضراباً شاملاً في مرافق ومؤسسات البلدة يوم الثلاثاء، باستثناء المدارس والمؤسسات التعليمية، حفاظاً على انتظام الدراسة ومصلحة الطلاب. وأكدت إدارة المجلس أن الاعتداء يستهدف القيادة المنتخبة ويشكل خطراً مباشراً على العمل البلدي وخدمة الجمهور.

كما أعلنت اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية إضراباً عاماً في مؤسسات السلطات المحلية العربية يوم الثلاثاء، باستثناء جهاز التربية والتعليم، احتجاجاً على تفشي الجريمة وتقصير الجهات الرسمية في حماية المواطنين والقيادات المحلية. وقررت عقد اجتماع طارئ في المركز الجماهيري في جديدة المكر لبحث خطوات احتجاجية ونضالية في مواجهة العنف.

من جهتها، أدانت لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية الجريمة، ووصفتها بأنها اعتداء خطير على قيادات منتخبة تؤدي دورها في خدمة الجمهور. وحمّلت اللجنة الشرطة مسؤولية تفشي الجريمة وارتفاع حصيلة الضحايا في المجتمع العربي، معتبرة أن ما وصفته بتواطؤ الشرطة مع عالم الإجرام يفاقم الأزمة ويمنح الجريمة مساحة أوسع للتمدد.

كذلك دان التجمع الوطني الديمقراطي محاولة قتل ملحم وعبيد، معتبراً أن الجريمة لا تستهدف شخصين فقط، بل تستهدف المجتمع بأكمله ومؤسسات الحكم المحلي والتمثيل الشعبي. وقال إن استهداف رؤساء السلطات المحلية يشكل محاولة لترهيب العاملين في الشأن العام، في ظل تصاعد الجريمة المنظمة والانفلات الأمني.

وتأتي هذه الحادثة في سياق أوسع من القلق داخل البلدات العربية، حيث بات استهداف المنتخبين المحليين مؤشراً على انتقال العنف من المجال الجنائي الفردي إلى تهديد مباشر للبنية المدنية والسياسية للمجتمع. فحين يصبح رئيس مجلس أو نائبه هدفاً لإطلاق نار من مسافة قريبة، فإن الرسالة تتجاوز حدود الاعتداء الشخصي، وتمس قدرة السلطات المحلية على أداء عملها، وتضرب ثقة الجمهور بالمؤسسات المنتخبة وبقدرة الشرطة على توفير الحماية.

وتطالب القيادات العربية منذ سنوات بخطة جدية لمكافحة الجريمة المنظمة، تشمل جمع السلاح غير المرخص، وملاحقة عصابات الإجرام، وتجفيف منابعها المالية، وحماية رؤساء السلطات المحلية والموظفين العموميين من التهديد والابتزاز. غير أن تكرار الاعتداءات، وفق بيانات الاستنكار الصادرة عقب جريمة جديدة المكر، يعزز الشعور بأن الدولة لا تتعامل مع العنف في المجتمع العربي بالجدية المطلوبة.

وبينما تؤكد الشرطة أن التحقيق يحظى بأولوية وأن الوحدة المركزية في لواء الساحل تتابع الملف، ترى القيادات العربية أن الاعتقالات الأولية لا تكفي ما لم تُترجم إلى كشف كامل للشبكات المحرضة والمنفذة والممولة للجريمة. فالمطلوب، بحسب هذه القيادات، ليس فقط اعتقال مطلقي النار، بل معالجة البنية التي تسمح بتكرار استهداف المنتخبين المحليين وإرهاب الجمهور.

وبذلك، تتحول محاولة قتل رئيس مجلس جديدة المكر ونائبه إلى محطة جديدة في ملف العنف والجريمة داخل المجتمع العربي في الداخل الفلسطيني، لكنها محطة أكثر خطورة لأنها تضرب القيادة المحلية المنتخبة في قلب دورها العام. وبين الإضراب والبيانات والاجتماعات الطارئة، تبدو الرسالة المركزية واحدة: لا يمكن للسلطات المحلية أن تعمل تحت تهديد الرصاص، ولا يمكن للمجتمع أن يواصل حياته الطبيعية بينما يصبح ممثلوه هدفاً مباشراً للجريمة المنظمة.

ورفض جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك)، الانضمام إلى التحقيق في جريمة إطلاق النار التي استهدفت رئيس مجلس جديدة المكر، سهيل ملحم، ونائبه عبيد عبيد، رغم طلب الشرطة، وذلك في ظل تصاعد استهداف رؤساء السلطات المحلية العربية.

ويعكس ذلك حالة من التنصل المتبادل من المسؤولية لدى أجهزة الأمن الإسرائيلية في كل ما يتعلق بملف الجريمة في المجتمع العربي، خصوصًا مع تصاعد جرائم القتل واتساع دائرة الاستهداف لتشمل شخصيات عامة، في ظل تقاعس سلطوي.

وبحسب ما أوردته إذاعة الجيش الإسرائيلي، فإن الشاباك رفض تقديم المساعدة للشرطة في التحقيق بمحاولة القتل التي وقعت ليلة الأحد الإثنين في جديدة المكر، رغم توجه مسؤولين في الشرطة إلى الجهاز وطلبهم انضمامه إلى التحقيق والمساعدة فيه.

وذكر التقرير أن قانون الشاباك يتيح لجهاز الشاباك التدخل في قضايا من هذا النوع، باعتبارها تمس بما تصفه المؤسسة الإسرائيلية بـ"رموز الحكم"، في إشارة إلى رؤساء السلطات المحلية ومنتخبي الجمهور.

ووفق التقرير، فإن هذه هي المرة الثانية خلال الأشهر الأخيرة التي يرفض فيها الشاباك الانضمام إلى تحقيق يتعلق باستهداف مسؤولين في السلطات المحلية العربية، بعد رفضه، قبل نحو شهرين، المشاركة في التحقيق بإطلاق النار على رئيس بلدية عرابة، أحمد نصّار.

وأشار التقرير إلى أن الشاباك كان قد انخرط خلال السنوات الأخيرة في عدة تحقيقات مرتبطة باستهداف مسؤولين أو مؤسسات رسمية، بينها قضايا إطلاق نار أو زرع عبوات ناسفة في النقب والناصرة وأبو سنان، وكان يعلن حينها أن تدخله يأتي في إطار "تعزيز مشاركة الشاباك في التحقيقات المتعلقة باستهداف رموز السلطة"، بحسب تعبيره.

كما أعادت القضية إلى الواجهة تسريبات من الشرطة وتقارير إسرائيلية سابقة تحدثت عن ارتباطات وعلاقات بين جهات إجرامية وعناصر "عملت" أو "تعاونت" مع أجهزة أمنية إسرائيلية، بينها الشاباك، وهو ما أثار في حينه جدلًا واسعًا داخل المجتمع العربي بشأن دور الأجهزة الأمنية في التعامل مع منظمات الجريمة.

وكان مسؤول في الشرطة الإسرائيلية قد صرّح بأن غالبية قادة منظمات الجريمة في المجتمع العربي هم "متعاونون مع الشاباك"، معتبرا أن ذلك "يكبل أيدي الشرطة" ويمنح بعض المتورطين "حصانة"، بحسب ما أوردته حينها القناة 12 الإسرائيلية.

وذكرت إذاعة الجيش الإسرائيلي أن جهات في الشرطة تبدي استياءً من التغيير الذي طرأ على سياسة الشاباك في هذا الملف، في ظل تكرار استهداف رؤساء سلطات محلية ومنتخبي جمهور في المجتمع العربي.

 

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - عرب 48