تكنوقراطها ينتظرون في مصر

الغارديان: تعثر خطة ترامب لغزة وسط شح التمويل وغياب الإعمار

أرشيفية للممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف يتحدث أمام مجلس الأمن بنيويورك (الأمم المتحدة).jpeg

كشفت صحيفة الغارديان أن قطاع غزة ما يزال يعيش حالة من الجمود القاسي بعد أكثر من سبعة أشهر على اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعاه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إذ لم تبدأ أي أعمال إعادة إعمار فعلية، فيما يواجه ما يسمى مجلس السلام أزمة تمويل وتعقيدات سياسية وميدانية، وسط بقاء تكنوقراط فلسطينيين اختيروا لإدارة القطاع عالقين في مصر دون قدرة على دخول غزة.

وبحسب تقرير قدمه مجلس السلام إلى مجلس الأمن الدولي في 15 أيار/مايو، فإن “العقبة الرئيسية” أمام تنفيذ خطة ترامب تكمن في رفض حركة حماس تسليم سلاحها والتخلي عن السيطرة على القطاع. غير أن مصادر مطلعة على عمل المجلس قالت للصحيفة إن نقص التمويل، إلى جانب غياب التقدم على الأرض، بات يشكل تهديداً جدياً للخطة برمتها.

وكانت تسع دول قد تعهدت بتقديم 7 مليارات دولار ضمن حزمة إغاثة لغزة خلال الاجتماع الافتتاحي لمجلس السلام، الذي ترأسه ترامب، إلا أن الأموال الفعلية التي وصلت بقيت محدودة للغاية. ووفق مصدر مطلع، لم تحول الأموال حتى الآن سوى الإمارات والمغرب، بينما تلقى المجلس 23 مليون دولار لتغطية نفقات تشغيله، إضافة إلى 100 مليون دولار مخصصة لتأسيس قوة شرطة فلسطينية مستقبلية.

وتعني هذه الأرقام، وفق الصحيفة، أن ما وصل فعلياً لا يتجاوز 1.75 دولار مقابل كل 100 دولار تم التعهد بها، في وقت تقدر فيه الأمم المتحدة كلفة إعادة إعمار غزة بأكثر من 70 مليار دولار على مدى سنوات طويلة، نتيجة الدمار الواسع الذي طال المساكن والبنية التحتية والخدمات الأساسية.

وتقول مصادر مطلعة إن دولاً كانت قد تعهدت بتمويل مجلس السلام باتت مترددة في الدفع، بعد أشهر من التعثر الدبلوماسي وغياب أي تقدم عملي داخل غزة. كما أشار أحد المصادر إلى أن الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران وفرت غطاءً إضافياً لتأجيل تحويل الأموال، في ظل تراجع الحماسة الدولية للتعامل مع المجلس.

وأقر نيكولاي ملادينوف، الدبلوماسي البلغاري المكلف بتنفيذ رؤية ترامب بصفته “الممثل الأعلى” لغزة، بأن الفلسطينيين في القطاع خُذلوا من العالم، قائلاً إن “باب مستقبل غزة ما يزال مغلقاً”، وإن ما يجري لا ينسجم مع ما وُعد به الفلسطينيون أو ما يستحقونه. كما حذر من أن استمرار الجمود لا يهدد غزة وحدها، بل يمس أيضاً الأمن الإسرائيلي على المدى البعيد.

وفي تقريره إلى مجلس الأمن، دعا ملادينوف الدول المانحة إلى تحويل الأموال “دون تأخير”، مؤكداً أن الأموال المتعهد بها وغير المصروفة تمثل الفارق بين إطار سياسي موجود على الورق وخطة قادرة على إحداث أثر فعلي على حياة سكان غزة. في المقابل، نفى مسؤول كبير في مجلس السلام وجود أزمة تمويل عاجلة، مؤكداً أن المانحين ما زالوا ملتزمين وأن المجلس واثق من قدرته على جمع الأموال عند الحاجة.

وتشير الغارديان إلى أن ترامب تعهد بدوره بتقديم 10 مليارات دولار من التمويل الأميركي، لكنها لم تُصرف حتى الآن، فيما قال مسؤول في المجلس إن هذه الأموال لم تُطلب رسمياً بعد. ويتولى أرييه لايتستون، أحد مستشاري ترامب في ملفات الشرق الأوسط، قيادة محادثات جمع التمويل، متنقلاً بين تل أبيب وأبو ظبي وواشنطن لحشد الدعم للخطة.

وتشمل نفقات المجلس رواتب 12 فلسطينياً اختيروا لإدارة هيئة مدنية مستقبلية في غزة، تعرف باسم اللجنة الوطنية لإدارة غزة، غير أنهم ما زالوا في مصر بانتظار ضمانات أمنية وتصاريح دبلوماسية لدخول القطاع. وبحسب مصادر مطلعة، لم تتمكن هذه اللجنة من تحقيق أي أثر ملموس داخل غزة منذ تشكيلها، إذ قال أحد المصادر: “لم تدخل زجاجة ماء واحدة إلى غزة تحت راية اللجنة منذ كانون الثاني/يناير 2026”.

وكان اتفاق وقف إطلاق النار، الذي أُعلن في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، قد طرح وعوداً واسعة تتعلق بإعادة الإعمار، وزيادة المساعدات، وتشكيل قوة دولية لتأمين غزة، ونزع سلاح حماس، وانسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من القطاع. لكن بعد أكثر من نصف عام، لا توجد قوة دولية، ولا خطط تنفيذية واضحة، ولا مشاريع إعمار فعلية، فيما تواصل قوات الاحتلال السيطرة على أكثر من نصف مساحة غزة وتقييد دخول الغذاء والمساعدات الأساسية.

وتؤكد الصحيفة أن الواقع الإنساني في غزة لا يزال بعيداً تماماً عن التصورات التي طرحها ترامب ومساعدوه بشأن تحويل القطاع إلى مركز حديث للسياحة والتجارة يضم مطارات وموانئ ومدناً ذكية. فمعظم الناجين يعيشون في مخيمات مؤقتة تفتقر إلى الحد الأدنى من الشروط الصحية، والجوع واسع الانتشار، والمدارس لم تستأنف عملها، والمياه النظيفة شحيحة، والقطاع الصحي منهك بفعل دمار المنشآت ونقص الكوادر والمستلزمات.

ورغم تلقي المجلس عروضاً من مقاولين لإزالة الركام وتوفير الأمن وبناء مجمعات داخل غزة، قالت مصادر مطلعة إنه لم يتم منح أي عقود فعلية حتى الآن، حتى في المناطق الخاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية الكاملة. واختصر أحد المصادر حجم التعثر بقوله إن “لا شيء حدث”، مضيفاً أن المجلس لم يتعاقد حتى على إزالة الركام.

وبحسب الغارديان، فإن مستقبل أكثر من مليوني فلسطيني في غزة يبقى معلقاً بين وعود سياسية كبيرة وخطة لم تغادر مربع التصورات، في ظل نقص التمويل، وغياب آليات التنفيذ، واستمرار السيطرة العسكرية، وتفاقم الكارثة الإنسانية التي تجعل الحديث عن الإعمار أقرب إلى إعلان نوايا منه إلى واقع قابل للتحقق.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - القدس المحتلة