تدرس إسرائيل إغلاق قنصليتها في إسطنبول، التي افتُتحت عام 1949 وتُعدّ من أقدم بعثاتها الدبلوماسية، وذلك بعد إطلاق نار وقع في محيط المبنى في نيسان/ أبريل الماضي، وفي ظل استمرار التوتر الحاد مع أنقرة منذ اندلاع الحرب على غزة في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
وبحسب مصدر إسرائيلي تحدّث لوكالة فرانس برس، فإن “المسألة قيد البحث ولم يُتخذ أي قرار بعد”، فيما ستبقى السفارة الإسرائيلية في أنقرة مفتوحة رسميًا، لكن من دون طاقم دبلوماسي إسرائيلي، بعدما أُجلي الدبلوماسيون من تركيا عقب هجوم 7 أكتوبر والحرب على غزة. وتقتصر إدارة السفارة والقنصلية حاليًا على موظفين محليين أتراك.
وذكرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية أن وزارة الخارجية الإسرائيلية تدرس إبقاء السفارة في أنقرة فقط، في حين أن القنصلية في إسطنبول لا تزال غير مأهولة منذ 7 أكتوبر، وأن الدبلوماسيين الإسرائيليين يعملون من بلغاريا، بينما يعمل الموظفون المحليون من منازلهم. كما أشارت إلى وجود خلاف داخل المستوى المهني في الخارجية: فريق يرى أن إغلاق القنصلية خطأ سياسي يصعب التراجع عنه، وآخر يعتبر أن إبقاء مقر فارغ يكلّف المال العام بلا جدوى.
وتربط النقاشات الإسرائيلية بين احتمال الإغلاق ومشروع لهدم المبنى الذي تقع فيه القنصلية ضمن إجراءات تتعلق بالاستعداد للزلازل، إضافة إلى الكلفة المالية لمقرات دبلوماسية تملكها إسرائيل لكنها بقيت عمليًا خالية منذ أكثر من عامين ونصف. غير أن مصادر إسرائيلية حذّرت، وفق الإعلام العبري، من أن إغلاق القنصلية قد يُقرأ تركيًا وإقليميًا كخطوة انسحاب دبلوماسي، وقد يضر بالجالية اليهودية في إسطنبول، التي تُقدّر بنحو 15 ألف شخص.
وجاءت إعادة بحث الملف بعد إطلاق نار وقع في السابع من نيسان/ أبريل قرب المبنى الذي يضم القنصلية الإسرائيلية في منطقة تجارية بإسطنبول. ووفق “رويترز” و“أسوشيتد برس”، قُتل أحد المهاجمين وأصيب اثنان آخران، فيما أصيب شرطيان تركيان بجروح طفيفة، ولم يكن أي طاقم إسرائيلي موجودًا في القنصلية وقت الحادث. وأعلنت السلطات التركية توقيف تسعة أشخاص في إطار التحقيق، وتحدثت عن ارتباط أحد المهاجمين بتنظيم “يستغل الدين”، من دون تسميته رسميًا.
أما الإعلام العبري، فنقل رواية أكثر تحديدًا؛ إذ ذكرت “يديعوت أحرونوت” أن وزير الداخلية التركي قال إن منفذي إطلاق النار من عناصر “داعش”، وإن الثلاثة خططوا لاستهداف القنصلية الإسرائيلية، مع تأكيد وزارة الخارجية الإسرائيلية أن القنصلية لم تكن مأهولة في أثناء إطلاق النار، وأنه لم تقع إصابات في صفوف الإسرائيليين.
ويأتي هذا التطور في سياق تدهور متواصل في العلاقات الإسرائيلية ـ التركية منذ بدء الحرب على غزة، إذ صعّد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان انتقاداته لإسرائيل ورئيس حكومتها بنيامين نتنياهو، بينما بقي التمثيل الدبلوماسي التركي في إسرائيل عند مستوى قائم بالأعمال بعد تقاعد آخر سفير تركي. وكانت تركيا أول دولة ذات أغلبية مسلمة تعترف بإسرائيل عام 1949، قبل أن تشهد العلاقات بين الجانبين موجات قطع وترميم، أبرزها بعد حادثة “مافي مرمرة” عام 2010 ثم استئناف العلاقات عام 2016.
وفي خلفية الأزمة، عادت قضية أساطيل كسر الحصار إلى واجهة التوتر بين البلدين. فقد اعترضت البحرية الإسرائيلية هذا الأسبوع أسطولًا جديدًا متجهًا إلى غزة بعد انطلاقه من جنوب تركيا، واحتجزت مئات النشطاء، فيما أثار وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير موجة انتقادات بعدما نشر مقطعًا يظهر نشطاء مقيدين وجاثمين على الأرض. وقالت “رويترز” إن نتنياهو ووزير الخارجية جدعون ساعر انتقدا سلوك بن غفير، بينما أدانت تركيا ودول أخرى معاملة النشطاء.
وبذلك، لا يبدو النقاش حول إغلاق القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول قرارًا إداريًا أو ماليًا فحسب، بل مؤشرًا جديدًا على انتقال العلاقات الإسرائيلية ـ التركية إلى مرحلة جمود دبلوماسي شبه كامل: بعثات مفتوحة بلا دبلوماسيين، قنوات تمثيل منخفضة، هجمات أمنية في محيط المقرات، وتصعيد سياسي متواصل حول غزة والحصار والأساطيل.
