يواصل عشرات الجرحى والأسرى الفلسطينيين، لليوم السابع على التوالي، اعتصامهم المفتوح أمام مقر الحكومة في رام الله، احتجاجًا على وقف مخصصاتهم المالية وتحويل ملفهم إلى المؤسسة الوطنية الفلسطينية للتمكين الاقتصادي، في خطوة أثارت غضبًا واسعًا في أوساط الجرحى والأسرى وعائلات الشهداء، الذين يرفضون التعامل معهم كـ“حالات اجتماعية” بدلًا من اعتبارهم شريحة نضالية لها وضع قانوني ووطني خاص.
وافترش المعتصمون الرصيف المقابل لمقر الحكومة، ونصبوا فرشات وأغطية ومستلزمات معيشية بسيطة، فيما حضرت في المكان عكازات وكراسٍ متحركة تعكس الحالة الصحية لعدد من المشاركين. ويؤكد المعتصمون أنهم سيواصلون تحركهم حتى إعادة صرف المخصصات كما كانت سابقًا، وإعادة الملف إلى إطاره السياسي والوطني المرتبط بالأسرى والجرحى وعائلات الشهداء.
ورفع المحتجون لافتات ترفض آلية “تمكين”، أبرزها أن “الشهداء والجرحى والأسرى حالة نضالية وليست اجتماعية”، في إشارة إلى رفضهم إخضاع مخصصاتهم لمعايير الفقر والاحتياج. ويشارك في الاعتصام نحو 40 جريحًا، وتتفاوت أعداد الموجودين يوميًا أمام مقر مجلس الوزراء تبعًا للظروف الصحية والمعيشية للمشاركين، مع حضور متقطع لعائلات شهداء ومجموعات تضامن محلية.

ويأتي الاعتصام بعد أشهر من إصدار الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبومازن) قرارًا بقانون في 10 شباط/ فبراير 2025 ألغى المواد المتعلقة بنظام دفع المخصصات المالية لعائلات الأسرى والشهداء والجرحى، ونقل برنامج المساعدات النقدية وقاعدة بياناته ومخصصاته إلى المؤسسة الوطنية الفلسطينية للتمكين الاقتصادي. وبموجب القرار، تخضع الأسر المستفيدة لمعايير موحدة للحماية والرعاية الاجتماعية على أساس الحاجة، لا على أساس صفة الأسير أو الجريح أو عائلة الشهيد.
ويقول المعتصمون إن المشكلة لا تقتصر على وقف الراتب، بل تشمل تغيير تعريفهم القانوني والمعنوي؛ إذ طُلب منهم تعبئة استمارات تتعلق بالأوضاع الاجتماعية والمالية والمعيشية، وهو ما اعتبروه مساسًا بكرامتهم وبطبيعة قضيتهم. وكانت الرئاسة الفلسطينية قد شددت، على أن أي صرف ضمن النظام الجديد مشروط بتعبئة الاستمارة واستيفاء معايير الاستحقاق، وأن الحكومة والوزارات الأخرى ليست ذات صلة بملف الصرف بعد إحالة الصلاحيات إلى “تمكين”.
ومن جانبها، أكدت مؤسسة “تمكين” في بيان سابق أنها لن تصرف أي دفعات لعائلات الأسرى أو الشهداء أو الجرحى استنادًا إلى التشريعات أو الأنظمة السابقة، وأن الصرف سيكون وفق “نظام البحث الاجتماعي الموحّد” ومعيار الاحتياج الاجتماعي فقط، “دون أي اعتبار لصفة أو خلفية سياسية أو أمنية”.
ويطالب المعتصمون، إلى جانب إعادة صرف المخصصات، بتحسين الخدمات الطبية المقدمة لهم، وتوفير الأدوية والأدوات المساعدة التي يقولون إن الدعم الرسمي لها تقلّص خلال الفترة الماضية. كما وجّه عدد منهم انتقادات للقيادة الفلسطينية وحركة فتح، متهمين الجهات الرسمية بعدم اتخاذ خطوات عملية لإنهاء الأزمة رغم تكرار التصريحات بشأن “حماية حقوق الجرحى والأسرى”.
ويتزامن الاعتصام مع ترقب فلسطيني لكيفية تعامل الحكومة مع قرار قضائي صدر عن المحكمة الإدارية في رام الله، قضى بإلغاء قرار ضمني لوزير المالية أدى إلى وقف راتب الأسير أحمد فراس حسن منذ منتصف عام 2025. واعتبرت الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان أن القرار قد يشكل سابقة قانونية يمكن البناء عليها في ملفات أكثر من 1600 أسير قُطعت رواتبهم.
وبذلك، تتحول قضية رواتب الجرحى والأسرى وعائلات الشهداء من خلاف إداري حول آلية صرف إلى أزمة سياسية وقانونية داخلية، عنوانها الأبرز: هل تُعامل هذه الفئات باعتبارها جزءًا من الحالة الوطنية الفلسطينية، أم تُدرج ضمن نظام اجتماعي مشروط بمعايير الفقر والاحتياج؟ ومن المتوقع أن تتسع الفعاليات الاحتجاجية أمام مقر الحكومة خلال الأيام المقبلة، في محاولة لزيادة الضغط على السلطة الفلسطينية للتراجع عن الآلية الجديدة أو تعديلها.
