“خطأ الشبح” في الرمال: إسرائيل تكشف تفاصيل اغتيال الحداد وحماس تسارع لترتيب القيادة العسكرية في غزة

مشيعون يحملون جثمان قائد الجناح العسكري لحركة حماس، عز الدين الحداد، خلال جنازته في مدينة غزة، بعد اغتياله في غارة إسرائيلية استهدفته مساء الجمعة. غزة، 16 مايو/أيار 2026. تصوير: بلال أسامة

كشفت تقارير عبرية تفاصيل جديدة عن اغتيال قائد كتائب القسام في قطاع غزة، عز الدين الحداد، في ضربة جوية استهدفت شقة سكنية في حي الرمال بمدينة غزة، معتبرة أن عودته إلى شقة مخفية مرتبطة بعائلته شكّلت “الخطأ الفادح” الذي مكّن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية من إغلاق دائرة الملاحقة بعد أشهر من التعقب.

وبحسب رواية صحيفة “يديعوت أحرونوت”، فإن أجهزة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية “أمان” و“الشاباك” رصدت تحركات الحداد خلال الأيام التي سبقت الاغتيال، قبل أن يُتخذ قرار استهدافه بعد التأكد من وجوده داخل الشقة. وأفادت الصحيفة بأن ثلاث طائرات إسرائيلية شاركت في الضربة وأسقطت 13 قنبلة على الهدف، كما استُهدفت سيارة غادرت المبنى لاحقًا لمنع فرار مرافقين أو مساعدين محتملين.

وتصف المصادر الإسرائيلية الحداد، الملقب بـ“الشبح”، بأنه أحد أبرز قادة القسام الذين نجوا من محاولات اغتيال متكررة، وأنه كان يتحرك بين مواقع اختباء متعددة خلال الحرب. وتزعم الرواية الإسرائيلية أنه أحاط نفسه في مراحل سابقة بأسرى إسرائيليين، ما حال دون استهدافه في محطات سابقة، قبل أن تتغير الظروف بعد الإفراج عن الأسرى وتصاعد وتيرة الملاحقة.

ونقلت الصحيفة عن ضابط في لواء العمليات، برتبة رائد يشار إليه بالحرف "إيه"، أن القوات كانت قد رصدت وجوده قبل أيام، ونفذت عمليات تحقق دقيقة للتأكد من هويته دون كشف العملية، ثم رفعت توصية بشأنه إلى المستوى السياسي للمصادقة.

وأضاف "انتظرنا لحظة وجوده في النقطة المثالية، وبمجرد صدور الموافقة، لم يستغرق الأمر سوى دقائق حتى نفذت الطائرات الضربة".

وفي شرحها لآلية تعقب الأهداف، قالت ضابطة برتبة نقيب، يشار إليها بـ"إل"، وتشغل منصبا قياديا في مركز النيران بالقيادة الجنوبية، إن عشرات الجهات الأمنية تشارك في بناء "الصورة الاستخبارية" لكل هدف، عبر دمج معلومات من الشاباك و"أمان" وهيئات رقابية مختلفة.

وأوضحت أن التحدي الأبرز تمثل في تحديد توقيت وجوده بدقة، وتنفيذ هجوم يحقق الهدف مع تقليل الأضرار الجانبية.

وقالت ضابطة أبحاث في "أمان"، برتبة ملازم أشير إليها بالحرف "واي"، إن الحداد امتلك فهما عميقا لإسرائيل مستندا إلى تجربته السابقة في السجون وإجادته اللغة العبرية، مضيفة أن بقاءه على قيد الحياة مدة عامين ونصف وإدارته للحرب رفعا من مكانته داخل الحركة، خاصة في ملفات التفاوض.

وفي هذا السياق، قال ضابط آخر في الاستخبارات العسكرية، برتبة نقيب يُشار إليه بـ"آر"، إن الحداد كان منخرطا في إدارة العمليات التكتيكية وبناء القوة، مع استمرار جهود التجنيد والتدريب حتى بعد وقف إطلاق النار.

كما وصفه مسؤول آخر، يُشار إليه بـ"واي"، بأنه "شديد الأدلجة"، ومؤثر في اتخاذ القرار السياسي والعسكري على حد سواء، لافتا إلى أنه لم يكن مستعدا للقبول بنزع سلاح الحركة، بل عمل على إعادة بناء قدراتها، مما جعل استهدافه يهدف إلى منع تعافي الجناح العسكري.

عز الدين الحداد..jpg
وأكد الجيش الإسرائيلي و“الشاباك”  مساء الجمعة 15 أيار/مايو 2026 اغتيال الحداد في ما وصفاه بضربة “دقيقة” في مدينة غزة، وقالا إنه كان يعمل على إعادة بناء قدرات الجناح العسكري لحماس والتخطيط لهجمات جديدة، رغم وقف إطلاق النار المدعوم أميركيًا في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي. كما أكدت مصادر في حماس، وفق رويترز ووكالة أسوشيتد برس، مقتل الحداد مع زوجته وابنته، وجرت له جنازة في غزة بعد انتشال جثمانه من موقع القصف.

وتقدم الرواية الإسرائيلية الحداد باعتباره شخصية مركزية في التخطيط لهجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وواحدًا من آخر القادة البارزين الذين بقوا على قيد الحياة بعد اغتيال محمد الضيف ومحمد السنوار وآخرين. ووفق “تايمز أوف إسرائيل”، تولى الحداد قيادة حماس العسكرية في غزة بعد مقتل محمد السنوار، وكان عضوًا في المجلس العسكري للحركة منذ سنوات طويلة.

وتشير “جيروزاليم بوست” إلى أن الحداد عمل، خلال عزلته، على بناء آلية تمويل ونفوذ داخل غزة، وربط الساحة بملفات الضفة الغربية، وتوسيع نطاق الهجمات المحتملة، ومنع أي مسار سياسي قد يُضعف حماس. ووفق الصحيفة، فإن اغتياله داخل شقة فوق الأرض في حي الرمال مثّل اختراقًا استخباراتيًا مهمًا لإسرائيل بعد فترة طويلة من الفشل في الوصول إليه.
ردود فعل فلسطينية على حريق اندلع عقب غارة إسرائيلية على مبنى سكني في حي الرمال بمدينة غزة، الجمعة 15 مايو/أيار 2026. صورة: عمر أشتوي.
لكن رغم الاحتفاء الإسرائيلي بالعملية، لا ترجح التقديرات أن يؤدي اغتيال الحداد إلى انهيار بنية القسام أو توقف نشاطها. فقد أفادت “يديعوت أحرونوت” بأن حماس اختارت القيادي محمد عودة خلفًا له، وهو من القادة القلائل المتبقين من جيل 7 أكتوبر داخل غزة، فيما نقلت “تايمز أوف إسرائيل” أن عودة كان مسؤولًا عن الاستخبارات العسكرية في كتائب القسام، وعمل إلى جانب الحداد في إعادة بناء الهيكل التنظيمي للحركة بعد سلسلة الاغتيالات السابقة.

ويأتي الاغتيال في توقيت سياسي حساس، مع تعثر خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن غزة، واستمرار الخلاف حول مستقبل القطاع وسلاح حماس. وترى قراءات إسرائيلية أن استهداف الحداد قد يضعف الجناح الأكثر تشددًا داخل الحركة ويدفع المفاوضات في اتجاه أكثر ملاءمة لإسرائيل، بينما يرى محللون أن سياسة الاغتيالات تمنح نتنياهو “صورة إنجاز” داخلية من دون أن تعني حسمًا استراتيجيًا للحرب أو للقضية الأمنية في غزة.

وبذلك، يتحول اغتيال الحداد إلى عنوان مزدوج: من جهة، إنجاز استخباراتي وعسكري إسرائيلي ضد قائد ظل بعيدًا عن الاستهداف لسنوات؛ ومن جهة أخرى، محطة جديدة في حرب استنزاف مفتوحة، تُسارع فيها حماس إلى تعيين بديل، فيما تبقى غزة بين وقف إطلاق نار هش، واغتيالات متكررة، وغموض بشأن ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستقود إلى تسوية سياسية أم إلى جولة عسكرية أوسع.

 

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - القدس