من أزمة تجنيد الحريديم إلى اختبار بقاء نتنياهو: الكنيست يفتح مسار حلّ نفسه والانتخابات المبكرة تضع العرب أمام معادلة الحسم

الكنيست (Getty Images).jpg

صادق الكنيست الإسرائيلي، الأربعاء 20 أيار/ مايو 2026، بالقراءة التمهيدية على مشروع قانون حلّ نفسه، بتأييد 110 أعضاء كنيست ودون أي معارضة أو امتناع، في تصويت نادر عكس عمق الأزمة داخل الائتلاف الحكومي بقيادة بنيامين نتنياهو، خصوصًا على خلفية قانون إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية.

وجاء التصويت في ظل غياب نتنياهو، ووزير الجيش يسرائيل كاتس، ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، ورئيس حزب “شاس” أرييه درعي، بينما انتقل مشروع القانون إلى لجنة الكنيست لتحديد موعد الانتخابات وصياغة المسار التشريعي قبل إعادته إلى الهيئة العامة للقراءات الثلاث المطلوبة. ولا يصبح حلّ الكنيست نهائيًا إلا بعد إقرار القانون بالقراءة الثالثة بأغلبية 61 عضوًا على الأقل.

وتعود الأزمة المباشرة إلى غضب الأحزاب الحريدية، وعلى رأسها “يهدوت هتوراه” و“شاس”، من مماطلة نتنياهو في تمرير قانون يعفي طلاب المعاهد الدينية من التجنيد الإجباري. وبحسب رويترز، فإن فصيلًا حريديًا كان حليفًا تقليديًا لنتنياهو أعلن أنه لم يعد يرى فيه شريكًا موثوقًا بسبب عدم الوفاء بوعد تمرير قانون الإعفاء من الخدمة العسكرية.

ورغم أن التصويت لا يعني سقوط الحكومة فورًا، فإنه يفتح الباب أمام انتخابات مبكرة قد تُجرى في النصف الأول من أيلول/ سبتمبر، أو أقرب إلى الموعد القانوني النهائي في 27 تشرين الأول/ أكتوبر 2026. وينص المسار المطروح على أن موعد الانتخابات يجب أن يكون بعد ثلاثة أشهر على الأقل من المصادقة النهائية على حل الكنيست.

وفي قراءة للتصويت، قال عضو كتلة “الجبهة والعربية للتغيير” سمير بن سعيد في حديث لقناة “المملكة” الأردنية تابعته "وكالة قدس نت للأنباء"، إن ما جرى هو نتيجة “انعدام ثقة تام” بين الليكود والأحزاب الحريدية، خصوصًا بسبب ملف التجنيد الذي تعتبره هذه الأحزاب مسألة مصيرية. وأضاف أن تمرير القانون بالقراءة التمهيدية لا يعني حل الكنيست في الليلة ذاتها، لكنه يضع إسرائيل فعليًا على طريق انتخابات مبكرة.

وتحاول المعارضة الإسرائيلية استثمار الشرخ داخل الائتلاف، إذ ترى أن مجرد بدء مسار حل الكنيست يضعف قدرة الحكومة على تمرير تشريعات حساسة، ويدخل نتنياهو في حملة انتخابية مبكرة وسط حروب مفتوحة في غزة ولبنان وإيران، وأزمة اقتصادية وسياسية داخلية. وتشير رويترز إلى أن الاستطلاعات منذ هجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 تُظهر أن ائتلاف نتنياهو بعيد عن أغلبية برلمانية مستقرة، لكن المعارضة قد تواجه بدورها صعوبة في تشكيل حكومة دون دعم أو إسناد من الأحزاب العربية.

وأظهرت استطلاعات إسرائيلية نُشرت مساء الأربعاء أن الليكود لا يزال الحزب الأكبر، لكنه لا يضمن أغلبية لمعسكر نتنياهو. فاستطلاع “كان 11” منح الليكود 27 مقعدًا، وقائمة “بياحَد” بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد 23، وحزب “يشار” بقيادة غادي آيزنكوت 16، مقابل 10 مقاعد لـ“الديمقراطيين”، و9 لكل من “عوتسما يهوديت” و“شاس”، و8 لكل من “يسرائيل بيتينو” و“يهدوت هتوراه”، و5 مقاعد لكل من الجبهة والعربية للتغيير والموحدة. وبحسب الاستطلاع، يحصل معسكر نتنياهو على 53 مقعدًا، ومعسكر معارضيه الصهيونيين على 57، فيما تقف الأحزاب العربية بـ10 مقاعد في موقع مؤثر.

أما استطلاع القناة 12، فأظهر حصول الليكود على 25 مقعدًا، و“بياحَد” على 23، و“يشار” على 16، و“الديمقراطيين” على 10، مع عبور حزب “الصهيونية الدينية” بقيادة بتسلئيل سموتريتش نسبة الحسم بالكاد وحصوله على 4 مقاعد. ووفق الاستطلاع ذاته، يبقى ميزان المعسكرات على حاله تقريبًا: 53 مقعدًا لمعسكر نتنياهو، و57 للمعارضة الصهيونية، إضافة إلى 10 مقاعد للأحزاب العربية.

وتمنح هذه الأرقام القوائم العربية موقعًا سياسيًا حساسًا، إذ لا يستطيع معسكر المعارضة الصهيونية، وفق أغلب السيناريوهات، تشكيل حكومة مستقرة دون دعم عربي مباشر أو غير مباشر. ولذلك شدد سمير بن سعيد على أن إعادة بناء القائمة العربية المشتركة باتت “ضرورة” لا ترفًا سياسيًا، معتبرًا أن توحيد التمثيل العربي قد يكون العامل الحاسم في إسقاط حكومة نتنياهو وبن غفير وسموتريتش.

وفي هذا السياق، أظهر استطلاع “كان 11” أن خوض الأحزاب العربية الانتخابات ضمن قائمة مشتركة قد يرفع تمثيلها إلى 13 مقعدًا، ما يعزز قدرتها على التأثير في تركيبة الحكومة المقبلة، حتى لو لم يغيّر ذلك وحده توازن المعسكرات.

وتزامن المشهد الانتخابي مع تصعيد عنصري داخل الكنيست، بعدما قال وزير التراث المتطرف عميحاي إلياهو، من حزب “عوتسما يهوديت”، إن العرب داخل إسرائيل “كانوا سيبقون يركبون الجمال” لولا قيام إسرائيل ومساعدتها لهم في التعليم الأكاديمي، وذلك عقب مداخلة للنائب وليد الهواشلة من القائمة الموحدة. وأشار “تايمز أوف إسرائيل” إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي يدلي فيها إلياهو بتصريحات تحريضية، إذ سبق أن دعا إلى استخدام سلاح نووي في غزة بعد 7 أكتوبر.

وبذلك، تتحول القراءة التمهيدية لحل الكنيست إلى أكثر من إجراء برلماني؛ فهي إعلان بدء معركة سياسية مبكرة على مستقبل نتنياهو، وعلى شكل الحكم في إسرائيل بعد حرب غزة والتصعيد الإقليمي. وبين أزمة تجنيد الحريديم، وتراجع الثقة الأمنية بنتنياهو، وصعود بينيت وآيزنكوت، وموقع العرب المرجّح في الخريطة البرلمانية، تبدو إسرائيل مقبلة على انتخابات قد تعيد خلط الأوراق، لكنها لا تضمن بالضرورة نهاية المأزق السياسي المزمن.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - القدس