تقديرات للبنتاغون: الولايات المتحدة أطلقت صواريخ اعتراضية أكثر من إسرائيل
كشف تقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست، الخميس 21 مايو/أيار 2026، استنادا إلى تقديرات داخلية في وزارة الدفاع الأميركية، أن الولايات المتحدة تحملت العبء الأكبر في اعتراض الصواريخ التي أطلقتها إيران باتجاه إسرائيل خلال الحرب الإسرائيلية الأميركية على طهران، إذ استخدمت واشنطن عددا من الصواريخ الاعتراضية المتقدمة يفوق ما استخدمته إسرائيل نفسها.
وبحسب الصحيفة، أطلقت القوات الأميركية أكثر من 200 صاروخ اعتراضي من منظومة “ثاد” THAAD، وهو ما يعادل نحو نصف مخزون البنتاغون من هذه الصواريخ، إلى جانب أكثر من 100 صاروخ من طراز “ستاندرد-3” و“ستاندرد-6” من سفن أميركية في شرق البحر الأبيض المتوسط. وفي المقابل، أطلقت إسرائيل أقل من 100 صاروخ “آرو” ونحو 90 صاروخا من منظومة “مقلاع داود”.
وقالت الصحيفة إن البيانات الأميركية تشير إلى أن واشنطن أطلقت قرابة 120 صاروخا اعتراضيا أكثر من إسرائيل، وتعاملت مع عدد من الصواريخ الإيرانية يساوي نحو ضعف ما تعاملت معه المنظومات الإسرائيلية.
صور أقمار اصطناعية: إصابات في رامات دافيد ونيفاتيم ومواقع عسكرية أخرى
بالتوازي مع تقرير “واشنطن بوست”، أظهر تحليل صور أقمار اصطناعية نشرته منصة Soar وجود أضرار في عدة مواقع عسكرية إسرائيلية، بينها قاعدة رامات دافيد الجوية جنوب شرق حيفا، وقاعدة نيفاتيم الجوية في النقب. وتشير إحدى خرائط Soar إلى “ضربة محدودة محتملة” على منطقتي دعم أرضي داخل قاعدة رامات دافيد، فيما تعرضت خريطة أخرى لأضرار ظاهرة في موقع دفاعي داخل قاعدة نيفاتيم.
ووفق التحليل الوارد في التقرير، أظهرت صور القمر الاصطناعي “سنتينل-2” إصابة موقعين داخل قاعدة رامات دافيد، يُرجح أن أحدهما كان مخصصا لمركبات ومعدات الدعم، والآخر للتزود بالوقود أو صيانة الطائرات المقاتلة.
كما أظهرت صور إضافية، بحسب التقرير، أضرارا في موقع صغير داخل قاعدة نيفاتيم الجوية، وهي من أبرز قواعد سلاح الجو الإسرائيلي في الجنوب، وتقع في صحراء النقب جنوب شرق بئر السبع.
مؤشرات على استهداف مواقع استخبارية ولوجستية
أورد التحليل أيضا تغيّرا مفاجئا في تضاريس منطقة قريبة من مبنى داخل قاعدة مرتبطة بوحدة 8200 قرب صفد، ما اعتبره معدو التقرير مؤشرا محتملا على تعرض الموقع لهجوم خلال الفترة بين 5 و10 آذار/مارس.
وفي الشمال، أظهرت صور أقمار اصطناعية آثار حريق واسع داخل معسكر شمشون، وهو قاعدة تابعة لقسم التكنولوجيا والصيانة في الجيش الإسرائيلي قرب طرعان. وكانت وسائل إعلام قد نقلت في 10 آذار/مارس إعلان حزب الله استهداف قاعدة شمشون بطائرات مسيرة.
وبحسب التحليل، امتد الحريق داخل القاعدة لعدة أيام وعلى مساحة تقارب 200 متر، فيما أظهرت مقارنة صور منشورة عبر “غوغل إيرث” و“World Imagery Wayback” أن المنطقة المتضررة كانت تُستخدم لأغراض عملياتية ولوجستية، بينها تموضع مركبات عسكرية وتحضيرات ميدانية، لا كغطاء نباتي كثيف، ما يعزز فرضية أن الحريق نجم عن أضرار داخل المنشأة لا عن احتراق أعشاب فقط.
البنتاغون وإسرائيل يدافعان عن “نظام دفاعي متكامل”
في رد على ما نشرته “واشنطن بوست”، قال البنتاغون إن الصواريخ الاعتراضية ليست سوى جزء من شبكة دفاع جوي وصاروخي متعددة الطبقات، تشمل أيضا الطائرات المقاتلة وأنظمة مكافحة المسيّرات. كما قالت السفارة الإسرائيلية في واشنطن إن العمليات الأميركية الإسرائيلية جرت بتنسيق وثيق وعلى أعلى المستويات.
غير أن التقرير نقل عن مسؤولين وخبراء أميركيين أن الأرقام تكشف اختلالا واضحا في توزيع العبء، إذ حافظت إسرائيل على جزء مهم من مخزونها من الصواريخ الاعتراضية المتقدمة، بينما استنزفت الولايات المتحدة كمية كبيرة من مخزونها عالي الكلفة.
قلق أميركي وآسيوي من تراجع المخزونات
أثار حجم استخدام الصواريخ الاعتراضية الأميركية قلقا لدى حلفاء واشنطن في آسيا، خصوصا اليابان وكوريا الجنوبية، اللتين تعتمدان على المظلة الدفاعية الأميركية في مواجهة تهديدات كوريا الشمالية والصين. ونقلت “واشنطن بوست” عن خبيرة في مركز “ستيمسون” أن الولايات المتحدة تحملت “معظم مهمة الدفاع الصاروخي”، وبات لديها نحو 200 صاروخ “ثاد” أقل، في وقت لا تستطيع خطوط الإنتاج مجاراة الطلب.
ويكتسب هذا القلق أهمية إضافية لأن منظومات مثل “ثاد” و“ستاندرد-3” و“ستاندرد-6” تعد من ذخائر الدفاع الجوي والصاروخي المتقدمة والنادرة نسبيا، ولا يمكن تعويضها بسرعة في حال اندلاع مواجهة متزامنة في أكثر من مسرح عمليات.
واشنطن تحرك أصولا بحرية إضافية قرب إسرائيل
بحسب “واشنطن بوست”، بدأت الولايات المتحدة تحريك مزيد من الأصول البحرية قرب إسرائيل استعدادا لاحتمال استئناف القتال، في ظل تقديرات بأن أي جولة جديدة ستزيد الضغط على مخزون الصواريخ الاعتراضية الأميركي، خصوصا مع حاجة بعض البطاريات الإسرائيلية إلى الصيانة.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين أن إسرائيل كانت قادرة في نهاية آذار/مارس على توليد نحو 50% فقط من وتيرة الضربات الجوية التي نفذتها في بداية الحرب، بسبب إنهاك الطائرات والطيارين وتعدد الجبهات، بما في ذلك لبنان واليمن وغزة.
إيران تعيد بناء قدراتها أسرع من المتوقع
في تطور مواز، نقلت وكالة رويترز عن تقرير لشبكة CNN أن تقديرات استخباراتية أميركية تشير إلى أن إيران بدأت بالفعل بإعادة تشغيل أجزاء من إنتاج الطائرات المسيّرة خلال وقف إطلاق النار الذي بدأ مطلع نيسان/أبريل، وأن الجيش الإيراني يعيد بناء قدراته بوتيرة أسرع مما كان متوقعا في واشنطن.
وذكرت رويترز أن التقرير أشار إلى استئناف جزء من خطوط إنتاج المسيّرات، وإلى جهود إيرانية لإعادة ترميم مواقع إطلاق الصواريخ ومنصات الإطلاق ومنظومات تسليح رئيسية تضررت خلال الحرب. لكنها أوضحت أنها لم تتمكن من التحقق المستقل من هذه المعلومات.
دلالات أمنية: الردع الأميركي أمام اختبار كلفة الدفاع عن إسرائيل
تطرح هذه المعطيات ثلاثة استنتاجات أمنية رئيسية:
أولا، أن الدفاع عن إسرائيل في مواجهة وابل صاروخي إيراني واسع لم يكن مهمة إسرائيلية خالصة، بل اعتمد بصورة كبيرة على القدرات الأميركية المتقدمة، وخاصة منظومات “ثاد” والصواريخ البحرية الاعتراضية.
ثانيا، أن الضربات الإيرانية، رغم اعتراض معظمها، تمكنت بحسب صور الأقمار الاصطناعية من إحداث أضرار في مواقع عسكرية إسرائيلية متعددة، بينها قواعد جوية ومرافق دعم وصيانة.
ثالثا، أن استمرار وقف إطلاق النار لا يعني بالضرورة تراجع الخطر، إذ تشير التقديرات الأميركية الحديثة إلى أن إيران تستخدم فترة الهدوء لإعادة بناء قدراتها، فيما تعيد واشنطن تموضع بعض قواتها وتواجه في الوقت نفسه أزمة استنزاف في مخزون الصواريخ الدفاعية.
خلاصة
تكشف التقارير الأميركية وصور الأقمار الاصطناعية عن معادلة أمنية معقدة: إسرائيل تعرضت لأضرار في مواقع عسكرية حساسة رغم طبقات الدفاع الجوي، والولايات المتحدة دفعت كلفة كبيرة من مخزونها الدفاعي لحمايتها، بينما تسابق إيران الوقت لإعادة بناء قدراتها الصاروخية والمسيّرة.
وبين هشاشة وقف إطلاق النار واحتمال استئناف المواجهة، تبدو الحرب قد انتقلت من معركة ضربات مباشرة إلى سباق استنزاف وإعادة تسليح، ستكون نتائجه مؤثرة ليس فقط في الشرق الأوسط، بل في جاهزية الولايات المتحدة تجاه ساحات أخرى، خصوصا شرق آسيا.
