دخلت الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة شديدة الحساسية، وسط مؤشرات متزايدة إلى أن الطرفين باتا قريبين من التوصل إلى مذكرة تفاهم تمهد لوقف الحرب وفتح مسار تفاوضي أوسع، في مقابل استمرار خلافات جوهرية بشأن تخصيب اليورانيوم، مضيق هرمز، رفع الحصار، والإفراج عن أصول إيرانية مجمدة.
ونقل موقع أكسيوس عن مسؤول أميركي مطلع على المفاوضات أن واشنطن وطهران “قريبتان” من اتفاق لإنهاء الحرب، وأن الفجوات المتبقية تتركز أساساً على صياغة بعض البنود. لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يتخذ بعد قراراً نهائياً، وقد يرفض الاتفاق ويمضي نحو جولة جديدة من الضربات ضد إيران.
وبحسب أكسيوس أيضاً، أجرى ترامب اتصالاً مع قادة السعودية والإمارات وقطر ومصر وتركيا وباكستان، وحثه عدد من المشاركين على قبول الاتفاق المطروح. كما أفاد الموقع بأن نائب الرئيس جي دي فانس، الذي كان في أوهايو، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي كان في وست بوينت، استُدعيا إلى واشنطن للمشاركة في اجتماع بشأن الاتفاق.
في المقابل، أبقى ترامب الباب مفتوحاً أمام الخيار العسكري، إذ قال في مقابلة مع أكسيوس إن فرص التوصل إلى اتفاق أو استئناف الحرب تقف عند “50/50”، مضيفاً أنه سيجتمع مع مبعوثيه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وبمشاركة متوقعة من فانس، لمراجعة العرض الإيراني الأخير. وأكد ترامب أن أي اتفاق يجب أن يتناول قضايا مثل تخصيب اليورانيوم ومخزون إيران الحالي، بينما أشار أكسيوس إلى أن هذه القضايا قد لا تُحسم تفصيلياً في مذكرة التفاهم الأولية.
من جهتها، أفادت رويترز بأن إيران والولايات المتحدة وباكستان، بصفتها وسيطاً رئيسياً، تحدثت جميعها عن إحراز تقدم في محادثات إنهاء الحرب المستمرة منذ نحو ثلاثة أشهر. ونقلت الوكالة عن مصدرين باكستانيين مشاركين في المفاوضات أن الاتفاق قيد البحث “شامل إلى حد كبير” لإنهاء الحرب، لكنه لم يُنجز بعد، ولا يمكن اعتباره منتهياً ما لم توافق عليه الأطراف بصورة نهائية.
ووفق رويترز، يقوم الإطار المقترح على ثلاث مراحل: إنهاء الحرب رسمياً، معالجة أزمة مضيق هرمز، ثم فتح نافذة تفاوض لمدة 30 يوماً حول اتفاق أوسع قابلة للتمديد. كما نقلت عن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قوله إن تقدماً تحقق، وإن واشنطن قد يكون لديها ما تعلنه خلال أيام، لكنه كرر شروط الإدارة الأميركية: ألا تمتلك إيران سلاحاً نووياً، وأن يُفتح المضيق بلا رسوم، وأن تسلم طهران اليورانيوم المخصب.
أما طهران، فتقول إن أولويتها هي إنهاء الحرب ورفع التهديد بهجمات أميركية جديدة، إضافة إلى إنهاء الحصار الأميركي على موانئها ورفع القيود عن صادرات النفط والإفراج عن أصول مجمدة. ونقلت رويترز عن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن مسار الأسبوع الحالي اتجه إلى تقليص الخلافات، لكنه شدد على أن قضايا ما زالت تحتاج إلى نقاش عبر الوسطاء، وأن الصورة قد تتضح خلال ثلاثة أو أربعة أيام.
وتزامناً مع هذه التحركات، نشطت الدبلوماسية القطرية والخليجية. فقد أعلنت وكالة الأنباء القطرية أن أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بحث هاتفياً مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الجهود الدبلوماسية الرامية إلى خفض التصعيد وتعزيز الحلول السياسية، مع التأكيد على حلول شاملة تعالج جذور الأزمة وتدعم الأمن المستدام في المنطقة.
كما أعلن الجانب القطري أن أمير البلاد بحث مع ترامب دعم الجهود الدبلوماسية التي تقودها باكستان، وضرورة إبقاء قنوات الحوار مفتوحة، وحماية أمن الملاحة والممرات المائية الاستراتيجية وضمان تدفق إمدادات الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
وفي اتصال منفصل، بحث رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني مع مستشار الأمن الوطني الإماراتي الشيخ طحنون بن زايد جهود الوساطة الباكستانية بين الولايات المتحدة وإيران، والتنسيق لدعم خفض التصعيد والوصول إلى اتفاق سلام دائم، وفق وكالة الأنباء القطرية.
لكن المسار لا يزال محفوفاً بالاعتراضات، خصوصاً من إسرائيل. فقد نقل أكسيوس عن مسؤولين إسرائيليين أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ومساعديه على تواصل مع البيت الأبيض بشأن الاتفاق الذي تتبلور ملامحه، وأن نتنياهو حث ترامب على شن جولة جديدة من الضربات ضد إيران. كما قال ترامب، بحسب أكسيوس، إن نتنياهو “مم torn” أو ممزق بين الاتفاق والحرب، بينما تقول أوساط إسرائيلية إن تل أبيب قلقة من اتفاق لا يحسم ملف تخصيب اليورانيوم ومخزون إيران.
وفي السياق ذاته، ذكرت وسائل إعلام إسرائيلية، بينها القناتان 12 و13 وفق ما نقلته منصات إخبارية عربية وإسرائيلية، أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تبدي مخاوف من بنود لا تتضمن وقف تخصيب اليورانيوم ولا تمنع إيران من تطوير الصواريخ، وأن الجيش الإسرائيلي يبقي حالة التأهب تحسباً لانهيار المحادثات واستئناف القتال. ولم يتسنَّ تأكيد كل تفاصيل هذه التقارير من مصدر رسمي إسرائيلي مستقل حتى لحظة إعداد المادة، لكن مضمونها ينسجم مع ما أورده أكسيوس ورويترز بشأن تحفظات إسرائيلية على الاتفاق الناشئ.
وتشير آخر المعطيات إلى أن مذكرة التفاهم المطروحة قد لا تكون “اتفاقاً نووياً” كاملاً، بل وثيقة سياسية وأمنية لوقف الحرب وتهيئة مفاوضات لاحقة. فبحسب أكسيوس، تتضمن المذكرة المقترحة إنهاء الحرب، فتحاً تدريجياً لمضيق هرمز، رفعاً أو تخفيفاً للحصار الأميركي، والإفراج عن أموال إيرانية مجمدة، على أن تعقبها مفاوضات تفصيلية تمتد بين 30 و60 يوماً.
وعليه، تبدو المفاوضات أمام لحظة فاصلة: إما اتفاق أولي يوقف الحرب ويفتح مساراً سياسياً معقداً، أو انهيار للمحادثات يعيد المنطقة إلى خيار التصعيد العسكري. وحتى الآن، لا تزال العبارة الأهم هي ما نقلته رويترز عن مصدر باكستاني: “لا ضمان لقبول واشنطن بالمذكرة”، ما يعني أن الاتفاق بات قريباً، لكنه لم يصبح واقعاً بعد.
