أكّدت ثلاثة مصادر من حركة حماس في قطاع غزة، مساء الثلاثاء 26 أيار/ مايو 2026، أن القوات الإسرائيلية اغتالت محمد عودة، القائد الجديد لـكتائب القسام، الجناح العسكري للحركة، في غارة جوية استهدفت شقة سكنية في حي الرمال بمدينة غزة، وذلك بعد ساعات من إعلان إسرائيلي رسمي عن استهدافه دون حسم مصيره في البداية.
وقالت المصادر لصحيفة «الشرق الأوسط» إن جثمان عودة انتُشل من الشقة المستهدفة، مشيرة إلى أن أفرادًا من عائلته تعرّفوا عليه، إلى جانب شخص مقرّب منه كان يعرف مكان وجوده. كما تحدثت المصادر عن وجود أشلاء أخرى يُعتقد أنها لأفراد من أسرته، نتيجة قوة القصف الذي طال الشقة السكنية.
وبحسب مصدر ميداني تحدث للصحيفة ذاتها، أطلقت الطائرات الحربية الإسرائيلية ما لا يقل عن ثلاثة صواريخ على الشقة، ما تسبب بدمار واسع فيها وفي محيطها. وأدى القصف إلى استشهاد امرأة كانت تمر في الطريق، فيما أصيب أطفالها خلال وجودهم في المنطقة أثناء التسوق من المحال التجارية بحي الرمال.
وجاءت هذه المعطيات بعد أن نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مصادر أمنية تأكيدها نجاح عملية الاغتيال. فقد أفادت القناة 12 الإسرائيلية، نقلًا عن مصدر أمني، بأن “عملية اغتيال قائد القسام الجديد محمد عودة تمت بنجاح”، فيما نقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مسؤول إسرائيلي تأكيد مقتل عودة في الهجوم الذي نفذه الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة. وأورد موقع تايمز أوف إسرائيل أن مصدرًا إسرائيليًا أكد لهيئة البث “كان” مقتل عودة في الغارة.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الجيش يسرائيل كاتس قد أعلنا، في بيان مشترك، أن الجيش الإسرائيلي وجهاز الشاباك نفذا ضربة في غزة استهدفت محمد عودة، الذي وصفاه بأنه “القائد الجديد للجناح العسكري لحماس” وأحد المشاركين في التخطيط لهجوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023. ووفق وكالة رويترز، قال البيان الإسرائيلي إن عودة كان رئيس جهاز الاستخبارات في حماس خلال هجوم 7 أكتوبر، وإنه عُيّن قبل نحو أسبوع خلفًا لعز الدين الحداد، الذي أعلنت إسرائيل اغتياله في 15 أيار/ مايو الجاري.
وفي البداية، لم تؤكد إسرائيل رسميًا مقتل عودة في بيان نتنياهو وكاتس، واكتفت بالقول إنها استهدفته، قبل أن تبدأ وسائل إعلام إسرائيلية بنقل تأكيدات عن مصادر أمنية بشأن نجاح الاغتيال. كما لم يصدر، حتى لحظة ورود هذه المعطيات، بيان رسمي من حركة حماس أو كتائب القسام يؤكد أو ينفي مقتل عودة. وكانت وكالة أسوشيتد برس قد أشارت إلى أن حماس لم تعلق فورًا على الهجوم، في حين تحدثت مصادر طبية في غزة عن شهداء وجرحى جراء الغارة.
ووفق الحصيلة الميدانية، استشهد ثلاثة فلسطينيين، بينهم امرأة، وأصيب أكثر من 20 آخرين في الغارة التي استهدفت بناية سكنية في حي الرمال. وذكرت تقارير أن القصف أصاب الطابق العلوي من مبنى سكني في الحي، وأن فرق الإنقاذ واصلت البحث في المكان بعد الهجوم، فيما أوردت مصادر فلسطينية أن جمعية الهلال الأحمر نقلت 3 شهداء وعددًا من المصابين من موقع الاستهداف.
وبعد نحو عشرين دقيقة من الغارة الأولى، أفادت مصادر «الشرق الأوسط» بأن طائرة مروحية إسرائيلية استهدفت شقة سكنية ثانية على بعد مئات الأمتار من الموقع الأول، ما أدى إلى إصابة عدد من الأشخاص، بينهم حالة حرجة لقيادي ميداني في جهاز استخبارات القسام، وهو الجهاز الذي كان عودة يقوده قبل توليه قيادة الكتائب خلفًا لعز الدين الحداد.
ويكتسب اغتيال عودة، في حال تثبيته رسميًا من حماس، أهمية كبيرة في مسار الحرب الإسرائيلية على قيادة القسام، إذ كان قد اختير، وفق مصادر من الحركة تحدثت سابقًا، قائدًا للجناح العسكري بعد اغتيال عز الدين الحداد. وذكرت تقارير أن عودة كان من المقربين من الحداد، وعلى تواصل دائم معه في ملفات تتعلق بإعادة بناء الهيكلية التنظيمية والعسكرية للكتائب بعد اغتيال عدد من قادتها البارزين.
وبحسب المصادر ذاتها، فإن عودة كان أحد الأعضاء الأساسيين في المجلس العسكري لكتائب القسام، ولم يتبقَّ من المجلس الأساسي، بعد سلسلة الاغتيالات الإسرائيلية، سوى قائد الجبهة الداخلية عماد عقل، الذي تقول مصادر حماس إنه لم يكن صاحب دور مركزي في التخطيط أو الإشراف على هجوم 7 أكتوبر، مقارنة بقيادات أخرى كانت مطلعة على التفاصيل العملياتية.
وتعود علاقة محمد عودة بحركة حماس إلى الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، إذ شارك لفترة في نشاط جهاز «المجد» الأمني، الذي أسسه القيادي الراحل يحيى السنوار لملاحقة العملاء والمتخابرين مع إسرائيل، وفق رواية مصادر الحركة . كما يُعد عودة من أوائل الذين خدموا في كتائب القسام خلال الانتفاضة الثانية التي اندلعت أواخر عام 2000.
وينحدر عودة من منطقة الخلفاء الراشدين في مخيم جباليا شمال قطاع غزة، وهي منطقة توصف بأنها من المعاقل التاريخية لحركة حماس وكتائب القسام. وتقول المصادر إن عودة ارتبط بعلاقات وثيقة مع عدد من قادة الحركة، بينهم نزار ريان، كما عاصر بدايات صعود قادة بارزين في الجناح العسكري، من بينهم محمد الضيف.
ورغم أن مسيرته داخل القسام ارتبطت أساسًا بالعمل الأمني والاستخباراتي، فإن عودة تدرج أيضًا في القيادة الميدانية؛ إذ تولى قيادة كتيبة وسط مخيم جباليا لسنوات، وعمل في قسم التصنيع العسكري، ثم أصبح قائدًا للواء الشمال لفترة قُدرت بين عامين وثلاثة أعوام، بين 2017 و2019، وفق ما نقلته «الشرق الأوسط» عن مصادر من حماس.
وتنسب مصادر حماس إلى عودة دورًا بارزًا في تطوير ركن الاستخبارات العسكرية داخل كتائب القسام، الذي تحول إلى أحد أهم الأركان في بنية الجناح العسكري. وتركز هذا الجهاز، بحسب المصادر، على جمع المعلومات عن قواعد الجيش الإسرائيلي في محيط قطاع غزة، ودراسة نقاط ضعف فرقة غزة، وتسليم المعطيات إلى قيادة المجلس العسكري لاستخدامها في التخطيط العملياتي.
كما ارتبط اسمه بملف استثمار المعلومات والأجهزة التي حصلت عليها حماس بعد كشف قوة إسرائيلية خاصة تسللت إلى القطاع عام 2018، في حادثة وُصفت داخل الحركة بأنها وفرت “كنزًا استخباراتيًا”. وتقول المصادر إن عودة كان يفضّل العمل الأمني الهادئ، ويتجنب الظهور الميداني المباشر، ولا يعتمد غالبًا على مرافقين أو سائقين، في إطار حرصه الأمني الشديد.
وتعرض عودة، وفق المصادر، لمحاولات اغتيال عدة قبل الحرب وخلالها، كما قُصف منزل والده في مخيم جباليا بعد وقف إطلاق النار في 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، ما أدى إلى استشهاد نجله الأكبر عمرو.
ومنذ هجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، كثفت إسرائيل عمليات ملاحقة واغتيال قيادات كتائب القسام والعقول العسكرية والأمنية المرتبطة بالتخطيط للهجوم وإدارته. وجاء استهداف عودة بعد نحو عشرة أيام فقط من إعلان إسرائيل اغتيال سلفه عز الدين الحداد في غزة، ما يعكس استمرار تركيز الجيش والشاباك على استهداف الصف القيادي الأول في الجناح العسكري لحماس.
وبين الرواية الإسرائيلية التي تقول إن العملية نجحت، ومصادر حماس التي أكدت لـ«الشرق الأوسط» انتشال جثمان عودة والتعرف عليه، تبدو كتائب القسام أمام ضربة قيادية جديدة، في وقت لا تزال فيه غزة تشهد قصفًا متواصلًا وخروقات ميدانية رغم الحديث عن وقف إطلاق النار. أما في حي الرمال، فقد تركت الغارة أثرًا مباشرًا على المدنيين، بعدما تحولت بناية سكنية في منطقة مكتظة إلى مسرح لعملية اغتيال حملت أبعادًا عسكرية وأمنية، لكنها خلّفت أيضًا شهداء وجرحى بين السكان والمارة.
