مفاوضات العلمين تختبر هشاشة هدنة غزة: الفصائل تطالب بتنفيذ المرحلة الأولى قبل بحث السلاح

يتفقد فلسطينيون موقع غارة إسرائيلية استهدفت تجمعاً للأفراد في ميناء غزة، غرب مدينة غزة، في 31 مايو/أيار 2026. (صورة: بلال أسامة)

 تدخل مفاوضات وقف إطلاق النار في قطاع غزة منعطفاً سياسياً جديداً، مع استعداد وفد من حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى للتوجه إلى مصر، للمشاركة في جولة مباحثات مع الوسطاء المصريين والقطريين والأتراك، وسط مساعٍ لبلورة مقترح معدّل يمنع انهيار التهدئة ويفتح الباب أمام الانتقال إلى المرحلة التالية من الاتفاق.

وأفادت مصادر مطلعة على مسار الاتصالات بأن مصر وجّهت دعوة إلى الوفد المفاوض في «حماس»، برئاسة خليل الحية، وإلى عدد من الفصائل الفلسطينية، لعقد لقاءات في مدينة العلمين، بمشاركة الوسطاء، وبحضور محتمل للممثل الأعلى لـ«مجلس السلام» في غزة نيكولاي ملادينوف. كما أوردت «القدس العربي»، نقلاً عن مصدر في أحد فصائل المقاومة، أن الجولة ستُعقد يومي الأربعاء والخميس، وقد تمتد إذا استدعت المشاورات ذلك.

وبحسب المصادر، فإن الوسطاء طرحوا «أفكاراً معدّلة» بشأن آلية تنفيذ وقف إطلاق النار، في محاولة لصوغ مقترح يمكن أن يحظى بقبول طرفي الاتفاق. وتشارك في اللقاءات، إلى جانب «حماس»، وفود من حركة الجهاد الإسلامي، والجبهة الشعبية، ولجان المقاومة الشعبية، والمبادرة الوطنية، والتيار الإصلاحي الديمقراطي في حركة فتح الذي يتزعمه محمد دحلان.

وتتمحور المشاورات حول نقطتين أساسيتين: تثبيت المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار، التي تشمل وقف العمليات العسكرية وانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق السكنية وإدخال المساعدات، ثم بحث شروط الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن ترتيبات إدارة غزة، وإعادة الإعمار، وملف سلاح الفصائل. وتؤكد مصادر فصائلية أن «حماس» والفصائل لن تقبل القفز فوق استحقاقات المرحلة الأولى، معتبرة أن أي نقاش سياسي أو أمني لاحق يجب أن يسبقه التزام إسرائيلي كامل ببنود التهدئة.

وقال مصدر قريب من «حماس» إن الحركة ترى أن «اختراقاً» يمكن أن يتحقق إذا لم تضع إسرائيل عقبات جديدة أمام مسار التفاوض. وأضاف أن الحركة أبلغت الوسطاء استعدادها للتعامل بإيجابية مع أي مقترح يضمن حلاً شاملاً، لكنها ترفض طرح ملف السلاح بمعزل عن تسوية سياسية أوسع لا تمس، وفق تعبير المصادر، «حقوق الشعب الفلسطيني في الدفاع عن أرضه وإقامة دولته المستقلة».

وفي السياق ذاته، نقلت «القدس العربي» عن مصدر فصائلي قوله إن موقف الفصائل الذي سيُبلّغ للوسطاء وملادينوف يقوم على ضرورة ممارسة «ضغط حقيقي» على إسرائيل لوقف هجماتها العسكرية وتسهيل دخول المساعدات إلى القطاع. وقال المصدر إن الفصائل تعتبر أن إسرائيل «تتعامل وكأنه لا يوجد اتفاق وقف إطلاق نار»، بسبب استمرار القصف وعمليات النسف والتدمير.

ويبرز ملف «خريطة ملادينوف» بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية في هذه الجولة. فقد أبدت فصائل فلسطينية اعتراضها على ربط دخول اللجنة الوطنية لإدارة غزة وبدء الإعمار بملف نزع سلاح الفصائل. كما قال القيادي في «حماس» أسامة حمدان، في بيان، إن ربط ملادينوف دخول اللجنة الوطنية إلى غزة بمسألة السلاح يمثل «ابتزازاً سياسياً» لا علاقة له، بحسب موقف الحركة، ببنود الاتفاق.

وتقول مصادر الفصائل إن «حماس» سبق أن أبدت استعدادها لتسليم إدارة قطاع غزة إلى لجنة وطنية، لكنها تتهم إسرائيل بتعطيل انتقال اللجنة إلى القطاع. وبحسب المعطيات الواردة، لا تزال اللجنة موجودة في القاهرة، رغم تقديم طلبات للانتقال إلى غزة والبدء بإدارة الملفات المدنية والأمنية والخدمية، بما في ذلك الإشراف على الشرطة وإعادة تنظيم المؤسسات المحلية.

وتأتي هذه الجولة بعد اعتذار «حماس» عن حضور جولة سابقة في 19 من الشهر الماضي، على خلفية اغتيال رئيس أركان الجناح المسلح عز الدين الحداد، وفق ما أوردته المصادر الفصائلية. وترى الحركة أن استمرار الاغتيالات والغارات الإسرائيلية يهدد الاتفاق من أساسه، ويجعل الحديث عن مرحلة ثانية سابقاً لأوانه.

بالتوازي مع المسار المصري، شهدت أنقرة لقاءً بين رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن ووفد من «حماس» برئاسة محمد درويش، رئيس المجلس القيادي للحركة، حيث جرى بحث تطورات المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، وانتهاكات الاتفاق، وجهود تركيا باعتبارها إحدى الدول الضامنة. وأفادت وكالة الأناضول، نقلاً عن مصادر أمنية تركية، بأن وفد «حماس» أكد خلال اللقاء التزامه ببنود وقف إطلاق النار، وقدم عرضاً حول الخروقات الإسرائيلية.

ميدانياً، تزيد التطورات داخل قطاع غزة من تعقيد المشهد السياسي. فبحسب ما أوردته المصادر الطبية والبيانات الصادرة عن وزارة الصحة في غزة، استشهد أكثر من 900 فلسطيني منذ بدء سريان وقف إطلاق النار، فيما تتواصل الغارات وعمليات القصف والنسف في مناطق متفرقة، بينها البريج وخان يونس وبيت لاهيا وأحياء الزيتون والشجاعية.

أما سياسياً، فتتزايد المخاوف من أن تؤدي شروط إسرائيل المتعلقة بنزع سلاح «حماس» والفصائل إلى تجميد مسار التهدئة. وكانت تقارير قد أشارت إلى أن خطة «مجلس السلام» تتضمن مساراً لنزع سلاح «حماس» وتدمير الأنفاق ضمن ترتيبات أوسع لإدارة القطاع وإعادة الإعمار، بينما ترى الحركة أن إسرائيل تسعى إلى فرض شروط المرحلة الثانية من دون تنفيذ التزامات المرحلة الأولى.

وفي ظل هذه المعادلة، تبدو جولة العلمين اختباراً سياسياً بالغ الحساسية: فإما أن تنجح الوساطة في تثبيت وقف إطلاق النار وفتح مسار عملي لإدارة غزة وإعادة الإعمار، أو أن تبقى الهدنة معلقة بين التصعيد الميداني والخلاف العميق حول السلاح والانسحاب والضمانات.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - القاهرة