هل يقترب عصر الدولار القوي من العودة؟ وكيف قد يعيد تشكيل الاقتصادين الفلسطيني والإسرائيلي؟

بقلم: نبيل كوكالي

الدكتور نبيل كوكالي

بقلم: د. نبيل كوكالي

مؤسس ورئيس المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي (PCPO)

مقدمة

شهدت الأسواق المالية العالمية خلال الأيام الأخيرة تطوراً لافتاً أعاد إلى الواجهة أحد أهم الأسئلة الاقتصادية التي شغلت المستثمرين والمحللين خلال السنوات الماضية: هل يقترب عصر الدولار القوي من العودة؟

فبعد صدور بيانات وظائف أمريكية أقوى من المتوقع، تعرض الذهب لخسائر تجاوزت 2.5% خلال فترة قصيرة، ليمحو جانباً مهماً من المكاسب التي حققها منذ بداية عام 2026. ولم يكن هذا التراجع مجرد حركة عابرة في سوق المعادن الثمينة، بل جاء نتيجة مباشرة لإعادة تقييم الأسواق لمسار الاقتصاد الأمريكي والسياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي.

 

وفي الواقع، قد يكون ما حدث للذهب أكثر أهمية مما يبدو للوهلة الأولى، لأنه يعكس احتمال بدء تحول أوسع في موازين القوى النقدية العالمية، وهو تحول قد لا يقتصر على أسعار الذهب أو العملات، بل قد يمتد إلى الاقتصادين الفلسطيني والإسرائيلي ومستويات المعيشة في المنطقة بأسرها.

من الذهب إلى الدولار: ماذا حدث؟

عندما أظهرت بيانات التوظيف الأمريكية استمرار قوة سوق العمل رغم سنوات من رفع أسعار الفائدة، بدأت الأسواق في تعديل توقعاتها بشأن السياسة النقدية الأمريكية. فبدلاً من الرهان على خفض سريع للفائدة، عاد الحديث عن احتمال استمرار أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول.

وهنا ظهرت العلاقة التقليدية التي تحكم الأسواق المالية منذ عقود. فكلما ارتفعت الفائدة أو ارتفعت التوقعات باستمرارها، ازداد الإقبال على الدولار والأصول الأمريكية المدرة للعائد، بينما تتراجع جاذبية الذهب الذي لا يحقق عائداً مباشراً لحامليه.

ولهذا السبب لم يكن هبوط الذهب مجرد خبر منفصل، بل كان انعكاساً مباشراً لصعود توقعات قوة الدولار.

هل بدأت الأسواق فعلاً في اختبار سيناريو الدولار القوي؟

تبدو الإجابة اليوم أقرب إلى "نعم" منها إلى "لا".

فخلال السنوات الأخيرة ظل كثير من المستثمرين يراهنون على ضعف الدولار في ظل ارتفاع الدين العام الأمريكي والعجز المالي المتزايد. إلا أن الواقع أظهر أن الاقتصاد الأمريكي ما زال يتمتع بقدرة كبيرة على جذب رؤوس الأموال العالمية بفضل قوة مؤسساته المالية وعمق أسواقه واستمرار تفوقه الاقتصادي مقارنة بالعديد من الاقتصادات الكبرى الأخرى.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الأسواق بدأت بالفعل تتعامل مع احتمال دخول مرحلة جديدة من قوة الدولار، وهو ما يفسر ارتفاع الطلب على الأصول الأمريكية وتراجع الذهب وبعض العملات المنافسة.

مؤشر الدولار الأمريكي وإمكانية العودة إلى مستويات تاريخية مرتفعة

قبل استعراض السيناريوهات المحتملة، من المهم التأكيد على أن الأرقام الواردة في هذا التحليل لا تمثل توقعات رسمية صادرة عن مؤسسات دولية أو بنوك مركزية، وإنما تستند إلى قراءة تحليلية طويلة الأجل للرسوم البيانية التاريخية المنشورة عبر منصة trading View  للفترة الممتدة بين عامي 2013 و2026.

وقد شملت هذه القراءة خمسة مؤشرات رئيسية هي: مؤشر الدولار الأمريكي (DXY)، وسعر صرف الدولار مقابل الشيكل الإسرائيلي، واليورو مقابل الدولار، والذهب، والفضة.

وتشير هذه القراءة إلى احتمال عودة مؤشر الدولار الأمريكي إلى نطاق يتراوح بين 120 و123 نقطة خلال الأعوام 2027–2028، مقارنة بمستوياته الحالية، وهو ما يمثل ارتفاعاً قد يصل إلى نحو 23%.

كما تشير السيناريوهات الفنية إلى إمكانية ارتفاع الدولار إلى حدود 4.20–4.25 شيكل، وتراجع اليورو إلى نحو 0.87 دولار، وهبوط الذهب نحو مستويات قريبة من 2300 دولار للأونصة، والفضة إلى نطاق 30–35 دولاراً للأونصة.

ولا تمثل هذه الأرقام تنبؤات مؤكدة، بل سيناريوهات فنية محتملة تستند إلى أنماط تاريخية طويلة الأجل يمكن أن تتحقق أو تتغير وفق التطورات الاقتصادية والسياسية العالمية.

اليورو والدينار الأردني في ظل دورة جديدة للدولار

إذا كانت التحركات الأخيرة في الذهب تعكس بداية اختبار الأسواق لفرضية عودة الدولار القوي، فإن التأثيرات المحتملة لن تتوقف عند المعادن الثمينة، بل ستمتد إلى العملات الرئيسية التي تشكل العمود الفقري للنظام النقدي العالمي، وفي مقدمتها اليورو والدينار الأردني.

وتبرز أهمية اليورو بشكل خاص لكونه المكون الأكبر في سلة العملات المستخدمة لاحتساب مؤشر الدولار الأمريكي (DXY)، حيث يشكل ما يزيد على نصف وزن المؤشر. ولذلك فإن أي ضعف في الاقتصاد الأوروبي أو أي تراجع في قيمة العملة الأوروبية ينعكس بصورة مباشرة على قوة الدولار ومكانته العالمية.

وفي حال تحقق بعض السيناريوهات الفنية طويلة الأجل التي تفترض تراجع اليورو من مستوياته الحالية القريبة من 1.05–1.10 دولار إلى حدود 0.87 دولار لليورو الواحد، فإن ذلك سيعني انخفاضاً يقارب 20% في قيمة العملة الأوروبية مقارنة بمستوياتها الحالية. ومن شأن هذا التراجع أن يعزز قوة الدولار بصورة ملموسة، وأن يعيد رسم جزء من التوازنات النقدية العالمية التي سادت خلال السنوات الأخيرة.

ولا يقتصر تأثير ضعف اليورو على أسواق الصرف فحسب، بل يمتد إلى التجارة الدولية والاستثمارات العالمية وتدفقات رؤوس الأموال، نظراً للدور المحوري الذي تلعبه العملة الأوروبية في الاقتصاد العالمي. كما أن اتساع الفجوة بين أداء الاقتصاد الأمريكي ونظيره الأوروبي قد يؤدي إلى استمرار انتقال جزء من الاستثمارات العالمية نحو الأسواق الأمريكية، الأمر الذي يوفر دعماً إضافياً للدولار.

أما الدينار الأردني، الذي يشكل إلى جانب الدولار والشيكل إحدى العملات الرئيسية المتداولة في الاقتصاد الفلسطيني، فمن المتوقع أن يحافظ على قدر كبير من الاستقرار النسبي نتيجة ارتباطه الرسمي بالدولار الأمريكي ضمن نظام سعر الصرف الثابت الذي يتبعه البنك المركزي الأردني منذ عقود. وقد أثبت هذا النظام قدرته على المحافظة على استقرار الدينار خلال فترات متعددة من التقلبات الاقتصادية والإقليمية والدولية.

ومن هنا، فإن أي دورة صعود قوية للدولار قد تنعكس بصورة غير مباشرة على قوة الدينار مقارنة بالشيكل الإسرائيلي. وهذا يعني أن أصحاب المدخرات أو الدخول المقومة بالدينار قد يتمتعون بميزة نسبية إذا تحقق سيناريو ضعف الشيكل خلال السنوات القادمة، خاصة في الاقتصاد الفلسطيني الذي يعتمد على العملات الثلاث معاً في النشاط الاقتصادي اليومي.

وبالنسبة للفلسطينيين، فإن استقرار الدينار يشكل عامل توازن مهماً في مواجهة التقلبات المحتملة في سعر صرف الشيكل. ولذلك، فإن أي تحول عالمي باتجاه دولار أقوى ويورو أضعف قد لا يكون مجرد حدث مالي دولي، بل قد يحمل انعكاسات مباشرة على القوة الشرائية للأسر الفلسطينية، وعلى أنماط الادخار والاستثمار والتحويلات المالية القادمة من الخارج.

الذهب والفضة بين قوة الدولار والتصحيح السعري: هل بدأ التحول فعلاً؟

لم تتوقف آثار التحولات الأخيرة عند أسواق العملات فحسب، بل امتدت مباشرة إلى أسواق المعادن الثمينة، وفي مقدمتها الذهب والفضة. فالتاريخ الاقتصادي يُظهر وجود علاقة عكسية واضحة بين قوة الدولار وأسعار المعادن المقومة به؛ إذ إن ارتفاع الدولار يجعل شراء الذهب والفضة أكثر تكلفة بالنسبة للمستثمرين والمستهلكين حول العالم، مما يخلق ضغوطاً تدفع الأسعار نحو التراجع أو الدخول في موجات تصحيحية، وهي علاقة تناولتها العديد من الدراسات الصادرة عن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومجلس الذهب العالمي.

وقد شهدت الأسواق خلال الأيام الأخيرة مثالاً عملياً على هذه العلاقة، حيث أدت بيانات التوظيف الأمريكية القوية إلى تعزيز توقعات استمرار أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول، الأمر الذي دفع المستثمرين إلى زيادة رهاناتهم على الدولار والأصول الأمريكية، في حين تعرض الذهب لضغوط بيعية حادة أدت إلى تراجعه بأكثر من 2.5% خلال فترة قصيرة، ليمحو جانباً مهماً من المكاسب التي حققها منذ بداية عام 2026.

ويحمل هذا التطور دلالة تتجاوز مجرد حركة يومية في الأسعار، إذ يكشف أن الأسواق بدأت فعلياً في اختبار فرضية عودة الدولار القوي. فعندما ترتفع التوقعات ببقاء الفائدة الأمريكية مرتفعة، تتراجع جاذبية الذهب باعتباره أصلاً لا يدر عائداً مباشراً، بينما تزداد جاذبية السندات والأصول المقومة بالدولار.

ومع ذلك، فإن من المبكر الحديث عن نهاية الاتجاه الصاعد للذهب على المدى الطويل. فالذهب لم يعد يتحرك وفق قوة الدولار وحدها، بل أصبح مدعوماً أيضاً باستمرار التوترات الجيوسياسية العالمية، وارتفاع مستويات الدين العام، ومخاوف التضخم، ومشتريات البنوك المركزية التي تجاوزت في بعض السنوات ألف طن من الذهب، وهي أعلى مستويات شراء تُسجل منذ عقود. ولذلك، فإن التراجع الحالي قد يمثل تصحيحاً ضمن مسار أطول، وليس بالضرورة نهاية دورة الصعود.

وفي هذا السياق، تشير بعض النماذج الفنية طويلة الأجل إلى احتمال تعرض الذهب لموجة تصحيح أوسع قد تعيده إلى مستويات أدنى بكثير من قممه المستقبلية المحتملة، مع تداول بعض السيناريوهات الفنية المتطرفة لمستويات قريبة من 2300 دولار للأونصة. غير أن هذا السيناريو يبقى الأقل ترجيحاً في ظل استمرار العوامل الجيوسياسية والمالية التي تدعم الطلب العالمي على المعدن الأصفر.

أما الفضة فتبدو أكثر حساسية للتغيرات الاقتصادية من الذهب. فهي ليست مجرد أصل استثماري أو ملاذ آمن، بل تُعد مادة أساسية تدخل في الصناعات الإلكترونية والطاقة الشمسية والبطاريات والتكنولوجيا الحديثة. وتشير تقديرات معهد الفضة العالمي إلى أن أكثر من نصف الطلب العالمي على الفضة يأتي من الاستخدامات الصناعية. ولذلك، فإن أي تباطؤ اقتصادي عالمي يتزامن مع قوة الدولار قد يدفع أسعار الفضة إلى التراجع من مستوياتها المرتفعة الحالية نحو نطاق يتراوح بين 30 و35 دولاراً للأونصة، أي بانخفاض قد يصل إلى 30–40%.

وبالتالي، فإن ما حدث للذهب اليوم لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد تراجع مؤقت في سعر معدن ثمين، بل بوصفه إشارة مهمة إلى احتمال دخول الأسواق مرحلة جديدة تعود فيها قوة الدولار لتلعب دوراً محورياً في تحديد اتجاهات العملات والسلع والمعادن خلال السنوات المقبلة.

الشيكل الإسرائيلي أمام اختبار جديد

ربما يكون الشيكل الإسرائيلي أحد أكثر العملات التي تستحق المتابعة خلال المرحلة المقبلة.

فخلال العقد الماضي، استفاد الشيكل من قوة قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي، وتدفقات الاستثمارات الأجنبية، والفوائض المتحققة في بعض القطاعات الاقتصادية، الأمر الذي جعله من بين العملات الأقوى أداءً على المستوى العالمي. إلا أن استمرار قوة الدولار عالمياً قد يفرض واقعاً مختلفاً على الاقتصاد الإسرائيلي خلال السنوات القادمة.

فإذا تحقق سيناريو ارتفاع الدولار إلى مستويات تتراوح بين 4.20 و4.25 شيكل للدولار الواحد، فإن إسرائيل قد تواجه ضغوطاً تضخمية متزايدة نتيجة ارتفاع تكلفة الواردات والطاقة والوقود والمواد الخام، وهي عناصر أساسية تعتمد عليها قطاعات واسعة من الاقتصاد الإسرائيلي. وفي هذه الحالة قد ترتفع تكاليف الإنتاج وأسعار السلع والخدمات، الأمر الذي سينعكس مباشرة على مستويات المعيشة والقدرة الشرائية للأسر الإسرائيلية.

ومن الناحية العملية، فإن المواطن الإسرائيلي قد يلمس آثار ضعف الشيكل من خلال ارتفاع أسعار الوقود والكهرباء والمواد الغذائية المستوردة والأجهزة الإلكترونية والسيارات وتكاليف السفر إلى الخارج. كما قد تتزايد الضغوط على الطبقة الوسطى التي تعتمد بصورة كبيرة على الدخل المقوم بالشيكل في مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة.

وفي المقابل، قد تستفيد بعض القطاعات الاقتصادية من ضعف العملة المحلية، وخاصة الشركات المصدرة وقطاع التكنولوجيا الذي يحقق جزءاً مهماً من إيراداته بالدولار والعملات الأجنبية. فارتفاع الدولار يزيد من قيمة العائدات الخارجية عند تحويلها إلى الشيكل، مما قد يعزز أرباح بعض الشركات الموجهة للأسواق العالمية.

إلا أن المكاسب المحتملة للقطاعات التصديرية قد لا تكون كافية لتعويض الأعباء التي قد تتحملها الأسر الإسرائيلية نتيجة ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية. ولذلك فإن استمرار قوة الدولار وتحولها إلى اتجاه طويل الأجل قد يدفع الاقتصاد الإسرائيلي إلى مواجهة معادلة دقيقة بين دعم الصادرات من جهة، والحفاظ على استقرار الأسعار ومستويات المعيشة من جهة أخرى.

ومن هنا، فإن مستقبل الشيكل لا يمثل قضية مالية أو مصرفية فحسب، بل أصبح عاملاً مؤثراً في الحياة اليومية للمواطن الإسرائيلي، وفي مستوى التضخم، وتكاليف المعيشة، والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي بصورة عامة.

 

ماذا يعني ذلك للفلسطينيين؟

بالنسبة للاقتصاد الفلسطيني، تبدو الصورة أكثر تعقيداً وحساسية. ففلسطين لا تمتلك عملة وطنية مستقلة، وتعتمد بصورة كبيرة على الشيكل الإسرائيلي في الرواتب والتجارة والمدخرات والمعاملات اليومية، بينما يشكل الدولار الأمريكي والدينار الأردني جزءاً مهماً من التحويلات المالية والادخار والاستثمارات الخاصة.

ومن هنا، فإن أي تغير جوهري في العلاقة بين الدولار والشيكل لا ينعكس فقط على أسواق الصرف أو القطاع المصرفي، بل يمتد مباشرة إلى حياة المواطنين ومستويات المعيشة والقدرة الشرائية للأسر الفلسطينية.

وقد كشفت الدراسة الميدانية التي أجراها المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي (PCPO) حول أزمة فائض الشيكل والعلاقات المصرفية الفلسطينية الإسرائيلية عن حجم القلق الشعبي المرتبط بهذه القضية. فقد رأى 68.7% من الفلسطينيين أن القيود الإسرائيلية المفروضة على استقبال فائض الشيكل تمثل السبب الرئيسي للأزمة الحالية، بينما توقع 76.4% حدوث صعوبات كبيرة في توفير الاحتياجات الأساسية إذا استمرت الأزمة.

كما أظهرت النتائج أن 82.4% من الفلسطينيين يتوقعون تعثر أو تأخر دفع الرواتب، في حين توقع 78.5% ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، بينما حذر 85.6% من تصاعد التوترات الاجتماعية إذا استمرت الأزمة دون حلول جذرية.

وتكشف هذه الأرقام أن قضية الشيكل لم تعد مجرد قضية مصرفية أو نقدية، بل أصبحت قضية معيشية واجتماعية تمس حياة الناس بصورة مباشرة. فعندما نتحدث عن سعر الصرف، فإننا نتحدث في الواقع عن القدرة على شراء الغذاء والدواء، وعن استقرار الرواتب، وعن فرص العمل، وعن قدرة الأسر على مواجهة الضغوط الاقتصادية اليومية.

وفي هذا السياق، فإن أي ضعف مستقبلي للشيكل قد يحمل آثاراً متباينة على الفلسطينيين. فمن يتقاضون دخولهم بالدولار الأمريكي أو بالدينار الأردني قد يستفيدون من ارتفاع القوة الشرائية لمدخولاتهم، كما قد تستفيد بعض الأسر التي تعتمد على التحويلات المالية القادمة من الخارج. أما الأسر التي تعتمد بصورة أساسية على الرواتب والمدخرات المقومة بالشيكل، فقد تواجه ضغوطاً إضافية نتيجة ارتفاع أسعار السلع المستوردة والطاقة والمواد الأساسية.

 

 

 

بروتوكول باريس وحدود الاستقلال النقدي الفلسطيني

إذا كان صعود الدولار أو تراجع الشيكل يمثل تحدياً للعديد من الاقتصادات حول العالم، فإن تأثير هذه التحولات يكون أكثر عمقاً وتعقيداً في الحالة الفلسطينية. فالمشكلة لا تتعلق فقط بتقلبات أسعار الصرف، بل بطبيعة البنية النقدية التي تشكلت منذ توقيع بروتوكول باريس الاقتصادي عام 1994، والذي وضع الإطار الناظم للعلاقة الاقتصادية بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

وعلى الرغم من أن البروتوكول صُمم في الأصل كترتيب مؤقت ضمن المرحلة الانتقالية، إلا أنه ما زال يشكل الأساس الذي تعمل في ظله المنظومة الاقتصادية الفلسطينية حتى اليوم. ونتيجة لذلك، يعتمد الاقتصاد الفلسطيني بصورة كبيرة على الشيكل الإسرائيلي إلى جانب الدولار الأمريكي والدينار الأردني، دون امتلاك أدوات نقدية مستقلة تمكنه من إدارة السياسة النقدية أو مواجهة التقلبات المالية العالمية بصورة ذاتية.

وقد أظهرت أزمة فائض الشيكل خلال السنوات الأخيرة حجم هذا التحدي بوضوح. فمع تزايد القيود المفروضة على استقبال فائض الشيكل، برزت حدود قدرة الاقتصاد الفلسطيني على إدارة السيولة النقدية المتداولة في السوق المحلية، وأصبح واضحاً أن جزءاً مهماً من الاستقرار المالي الفلسطيني ما زال مرتبطاً بقرارات وإجراءات تُتخذ خارج الإطار الفلسطيني.

ولا يقتصر الأمر على الجوانب الفنية أو المصرفية، بل يمتد إلى مستوى الثقة العامة بالعملة نفسها. فقد أظهرت إحدى الدراسات الميدانية التي أجراها المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي (PCPO) أن 77.1% من الفلسطينيين يعتقدون أن استمرار تراكم فائض الشيكل يؤدي إلى إضعاف قيمته وتقليص الثقة به، وهو ما يعكس إدراكاً شعبياً متزايداً للعلاقة بين الاختلالات النقدية والاستقرار الاقتصادي.

وتكتسب هذه المعطيات أهمية إضافية في ظل السيناريوهات التي يناقشها هذا المقال حول احتمال عودة الدولار القوي وارتفاعه مقابل الشيكل خلال السنوات المقبلة. ففي حال تحقق جزء من هذه السيناريوهات، فإن الاقتصاد الفلسطيني قد يجد نفسه أمام ضغوط مزدوجة: ضغوط خارجية ناجمة عن تحولات الأسواق العالمية، وضغوط داخلية مرتبطة باستمرار الاعتماد على نظام نقدي لا يمتلك أدوات التحكم به.

ومن هنا، فإن النقاش حول فائض الشيكل لا يتعلق فقط بإدارة السيولة أو العلاقات المصرفية، بل يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع تتعلق بمستقبل الاستقرار النقدي الفلسطيني وقدرة الاقتصاد الفلسطيني على التكيف مع المتغيرات الدولية في ظل غياب عملة وطنية مستقلة. وربما تكشف هذه التطورات أن التحدي الحقيقي لا يكمن في ارتفاع الدولار أو انخفاض الشيكل بحد ذاتهما، بل في مدى قدرة الاقتصاد الفلسطيني على حماية نفسه من آثار التحولات التي لا يملك السيطرة على أسبابها أو اتجاهاتها.

 

 

الخاتمة: هل نحن أمام بداية مرحلة جديدة؟

لا أحد يستطيع الجزم بأن العالم دخل بالفعل دورة جديدة من قوة الدولار، لكن المؤشرات الأخيرة تستحق المتابعة عن كثب. فما حدث للذهب بعد صدور بيانات الوظائف الأمريكية القوية لم يكن مجرد تصحيح سعري عابر، بل قد يكون إشارة مبكرة إلى تحول أوسع في اتجاهات الأسواق العالمية وإعادة رسم موازين القوى النقدية خلال السنوات المقبلة.

وإذا استمرت الولايات المتحدة في تحقيق أداء اقتصادي أقوى من معظم الاقتصادات الكبرى، واستمرت الفجوة في النمو وأسعار الفائدة بينها وبين الاقتصادات المنافسة، فقد نشهد عودة الدولار إلى مركز الصدارة، مع ما يرافق ذلك من ضغوط على الذهب واليورو والشيكل، وانعكاسات مباشرة على الاقتصادين الفلسطيني والإسرائيلي وعلى اقتصادات عديدة حول العالم.

وربما لا يكون السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كان الدولار سيرتفع أو ينخفض خلال الأشهر المقبلة، بل ما إذا كان العالم يقف بالفعل أمام دورة نقدية جديدة تختلف عن تلك التي سادت خلال العقد الماضي. فالتاريخ الاقتصادي يُظهر أن فترات قوة الدولار غالباً ما تكون مصحوبة بتحولات واسعة في التجارة العالمية، وتدفقات رؤوس الأموال، وأسعار السلع والأصول المالية، وهو ما يجعل مراقبة هذه المؤشرات أمراً ضرورياً لفهم الاتجاهات الاقتصادية المقبلة والاستعداد لها.

وفي النهاية، لم تعد العملات مجرد أدوات للتبادل أو الاستثمار، بل أصبحت عاملاً مؤثراً في الأمن الاقتصادي والاجتماعي، ومستويات المعيشة، والاستقرار السياسي. ولذلك فإن متابعة مستقبل الدولار لم تعد قضية تخص المتداولين والخبراء فقط، بل أصبحت قضية تمس حياة المواطنين في فلسطين وإسرائيل والعالم بأسره، وتؤثر بصورة مباشرة في قدرتهم الشرائية ومدخراتهم وفرصهم الاقتصادية خلال السنوات القادمة.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت