طهران ترد على تهديدات ترامب: لا استسلام تحت القصف... والتفاوض «بعزة» لا بالإملاءات

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (أسوشيتد برس).webp

بزشكيان يتمسك بخيار الصمود ويدعو إلى إنهاء حالة «اللاسلم واللاحرب»... وتصعيد واشنطن يضع المنطقة أمام اختبار مفتوح

في خطاب حمل رسائل مزدوجة إلى الداخل والخارج، أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن بلاده لن تتنازل ولن تستسلم أمام الضغوط العسكرية أو السياسية، مشدداً على أن إجبار الدول على الاستسلام عبر الطائرات والقصف «وهم» لا يمكن أن يتحقق مع إيران.

وجاءت تصريحات بزشكيان، يوم الأربعاء 10 يونيو/حزيران 2026، في العاصمة طهران، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، بعد تصعيد لافت في لهجة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه إيران، وتهديده بتوجيه ضربات جديدة «بقوة» رداً على ما تقول واشنطن إنه هجوم إيراني استهدف مروحية أباتشي أميركية قرب مضيق هرمز.

وقال الرئيس الإيراني، في كلمته، إن على «العدو» ألا يتوهم أن طهران قد تصل إلى لحظة استسلام، مؤكداً أن إيران لا ترفض المسار السياسي من حيث المبدأ، لكنها ترفض أن يتحول التفاوض إلى أداة لفرض التراجع عن السيادة أو المساس بالكرامة الوطنية.

وأوضح بزشكيان أن الحرب ليست في مصلحة البلاد، غير أن حالة «اللاسلم واللاحرب» يجب أن تنتهي، في إشارة إلى استمرار المواجهة المفتوحة بين الضغوط العسكرية والعقوبات من جهة، والمسارات الدبلوماسية غير المكتملة من جهة أخرى.

وكشف الرئيس الإيراني أن المرشد الأعلى سمح بالذهاب إلى المفاوضات من أجل حل القضايا العالقة، لكن على قاعدة «العزة» وعدم التراجع عن الحقوق الوطنية. وقال إن الأعداء «إذا أرادوا الاعتداء على عزتنا وأراضينا، فإن تراجعنا أمر لن يروه حتى في أحلامهم».

وتأتي هذه الرسائل بعد وقت قصير من تصريحات نارية لترامب قال فيها إن الولايات المتحدة «ستضرب إيران بقوة مجدداً»، وإن طهران «ستدفع الثمن» بسبب ما وصفه بالمماطلة في توقيع اتفاق نووي جديد. واتهم ترامب إيران بأنها تواصل استغفال واشنطن، قائلاً إن الاتفاق «تم التفاوض عليه بالكامل»، وإن كل ما يتوجب على طهران فعله هو توقيعه.

كما أعلن الرئيس الأميركي أن بلاده عملت خلال الليلة الماضية، وفي أوقات سابقة، على استهداف رادارات إيرانية، مؤكداً أن واشنطن لا تريد اتفاقاً شبيهاً باتفاق عام 2015 الذي أُبرم في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما، ومشدداً على أن الاتفاق الجديد يجب أن يقطع الطريق أمام امتلاك إيران سلاحاً نووياً.

غير أن بزشكيان ردّ، من دون تسمية ترامب مباشرة، بالتأكيد أن لغة القصف لن تغيّر حسابات إيران الاستراتيجية، وأن منطق الإكراه لا يصلح لفرض الاستسلام على دولة ذات عمق تاريخي ومؤسسات وشعب قادر على الصمود.

ودعا الرئيس الإيراني إلى تماسك جميع المكونات القومية والجهات الأمنية ومؤسسات الدولة في مواجهة ما وصفه بمخططات العدو. وقال إن المرحلة الحالية تتطلب وحدة وانسجاماً داخلياً، لأن الخصوم، بعد فشلهم في تحقيق أهدافهم عبر التحركات العسكرية المباشرة، انتقلوا إلى «حرب الخلافات» ومحاولة خلق فجوات داخل المجتمع الإيراني وبين مؤسسات الدولة.

وشدد بزشكيان على أن الاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يتحول إلى انقسام، وأن إدارة الخلافات الداخلية تحتاج إلى تنازلات متبادلة وقبول الآخر، على قاعدة تغليب مصلحة البلاد العليا على الحسابات الفئوية والسياسية.

وفي هذا السياق، ربط الرئيس الإيراني بين الجبهة الداخلية والقدرة على مواجهة الضغوط الخارجية، معتبراً أن العدو يراهن على تفكك المجتمع الإيراني أكثر مما يراهن على نتائج الضربات العسكرية وحدها. وأكد أن الحكومة تتحمل «مسؤولية ثقيلة» في هذه المرحلة، خصوصاً بعد الاستهدافات الإسرائيلية التي طالت قادة في الحرس الثوري خلال الأيام الأولى للحرب، واصفاً تلك الاستهدافات بأنها «غير مقبولة».

وأشاد بزشكيان بدور الأمهات والنساء الإيرانيات اللواتي قال إنهن وقفن بصلابة على مدار 100 يوم، واصفاً إياهن بأنهن كنّ «شوكة في عين الأعداء»، وأحبطن توقعات محللين سياسيين راهنوا على سقوط الثورة أو تفكك الجبهة الداخلية في غضون أيام.

ولم يخف الرئيس الإيراني حجم التحديات الاقتصادية التي تواجهها حكومته في ظل العقوبات الدولية والضغوط المالية. وقال إن إدارة البلاد في هذه الظروف تمثل «امتحاناً صعباً» ومسؤولية ثقيلة، مشيراً إلى أن مهمة الحكومة هي تهيئة مستقبل أفضل للأطفال الإيرانيين، وتمكينهم من العيش بأمل لا بخوف.

وأكد أن الفقر يشكل هاجساً كبيراً بالنسبة إليه أمام الله والشعب، معتبراً أن الصمود لا يقتصر على المجال العسكري أو السياسي، بل يشمل أيضاً قدرة الدولة على إدارة المجتمع، وتخفيف الأعباء عن المواطنين، والحفاظ على الحد الأدنى من الثقة العامة في مؤسسات الحكم.

وفي محاولة لتوسيع رسالته السياسية إلى ما هو أبعد من الداخل الإيراني، استحضر بزشكيان التجربة الفلسطينية في غزة، قائلاً إن العدو لم يتمكن من إجبار القطاع، رغم مساحته الصغيرة، على الاستسلام بعد سنوات من الحرب الضروس. وأضاف أن من فشل في إخضاع غزة لن يتمكن من إجبار إيران على الاستسلام، مؤكداً أن هذا الاحتمال «لن يحدث أبداً».

ويحمل هذا الربط بين غزة وإيران بعداً سياسياً واضحاً، إذ تسعى طهران إلى تقديم نفسها بوصفها جزءاً من محور أوسع يواجه الضغوط الأميركية والإسرائيلية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن يؤدي التصعيد الأميركي - الإيراني إلى تعقيد مسارات التهدئة في غزة ولبنان والبحر الأحمر.

كما أن تصريحات بزشكيان تأتي في وقت تتحرك فيه الوساطات الإقليمية والدولية على أكثر من خط: من جهة، توجد محاولات لإبقاء باب المفاوضات النووية مفتوحاً بين واشنطن وطهران؛ ومن جهة أخرى، تتواصل الجهود في القاهرة للانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق غزة، وسط رهان فلسطيني على دور إدارة ترامب في الضغط على إسرائيل للقبول بصيغة معدلة تتعلق بسلاح الفصائل وترتيبات الأمن في القطاع.

لكن تهديدات ترامب بضرب إيران «بقوة» تضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد. فواشنطن التي تطلب من طهران توقيع اتفاق نووي سريع، تلوّح في الوقت نفسه بالعمل العسكري، بينما تقول القيادة الإيرانية إنها لا تمانع التفاوض لكنها ترفض الإذعان أو التوقيع تحت النار.

وبينما يتهم ترامب إيران بالمماطلة، يطرح بزشكيان معادلة مضادة: لا سلام بلا كرامة، ولا تفاوض إذا كان الهدف منه فرض التراجع، ولا استقرار داخلياً من دون وحدة وطنية قادرة على تحصين البلاد في وجه الحرب العسكرية والنفسية والاقتصادية.

ويرى مراقبون أن خطاب الرئيس الإيراني يعكس محاولة للموازنة بين مسارين متوازيين: الأول هو إبقاء الباب مفتوحاً أمام التسوية السياسية، تفادياً لتوسيع الحرب واستنزاف الداخل الإيراني اقتصادياً وأمنياً؛ والثاني هو إظهار أن طهران لن تدخل المفاوضات من موقع الضعف أو تحت ضغط الضربات الأميركية والإسرائيلية.

واختتم بزشكيان كلمته بالتأكيد على مفهوم «الجهاد الأكبر»، الذي ربطه بجهاد النفس وتحمل المسؤولية والترفع عن الرغبات الشخصية والسياسية. وقال إن النجاح الحقيقي لا يكمن فقط في مواجهة العدو خارجياً، بل في إدارة شؤون المجتمع بنزاهة وعدل، والقدرة على تجاوز الخلافات الداخلية من أجل رفعة البلاد والخروج من الأزمات الحالية بقوة وثبات.

وبذلك، يضع الخطاب الإيراني الجديد المنطقة أمام معادلة مفتوحة: طهران تعلن استعدادها للتفاوض، لكنها ترفض الاستسلام؛ وواشنطن تلوّح بالضربات، لكنها تقول إن الاتفاق ما زال ممكناً؛ أما ساحات غزة والخليج والبحر الأحمر فتظل معرضة لتداعيات أي خطأ في الحسابات بين الطرفين.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - طهران